ويبحث عن السلام الداخلي..

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • جمال الحنصالي
    أديب وكاتب
    • 23-04-2013
    • 41

    ويبحث عن السلام الداخلي..


    بقلم: جمال الحنصالي
    amdiaz77@hotmail.com
    00212602050171
    أوشكت جميع المحلات التجارية وصالونات الحلاقة ودكاكين الأحياء الشعبية، وحتى الملاهي الليلة التي تُصدّر ضجيجا مجانيا للنائمين، أن تنه رحلة عملها اليومي، وتوصد الأبواب إعلانا عن نهاية مسلسل النهار.. فعلا، لقد أعتم الليل واختلتْ اللقالق بنفسها، معتلية أعلى قمة الصومعة المجاورة لشقته. فجأة، هدأتْ العين والرّجل، إلاّ بعض المتسكعين الذين ملّوا من المشي حفاة الأقدام... ومازال صابر سائرا يبحث عن السلام الداخلي..
    تراه يمشي والشارعَ الرئيسي كمَنْ ضلّ هِدْيته، رافعا عيناه صوب السماء التي ارتدت لباسها الأسود، ربما تستعد لتواسيه، أو أنها حزينة من أجله في هذه الليلة الدامسة. أما القمر، فينظرُ إليه بحسرة، وقد كبّد السماء في لقاء سرمدي، يوحي بالحب الحقيقي الذي جمع بينهما منذ ملايين السنين.
    يحرر صابر بصره ليجوب الأمكنة، على أمل أن يصادف ذاك السلام الذي يبحث عنه، وعلّه يدرك رسالة القمر والسماء. ينظرُ يمنة ويسرى، لكن الأشياء تلاحظت أمامه، ولم يعد يعرف أين تسكن نقطة الصفر ليعود إليها، فاحتوته الحيرة وسحره الذهول المستبد.
    لم يجد غير شجر تينٍ بئيسة، هجرتها الأوراق الخضراء وحتى اليابسة، وأطلقتْ سراح أغصانها التي كانت بالأمس موطن حبات تين لذيذة. وضع راحة يده على جذعها وقال:
    - "أنا وأنتِ كلانا نحمل ذات الهموم، وشاهتْ نفسينا إلى الغد الأفضل عينه.. إنْ سألتكِ ستسردين قصص الماضي العتيق، وهنا نتفق أنا وأنتِ، فما بجعبتي سوى ما أدرّس من تاريخ للأطفال والطفلات، وما أحكيه عن الماضي السحيق. طلّقتِ الأغصان وهرجتكِ الأوراق، أما أنا فلا أستطيع يا شجرة !. أنتِ وفيّة لتُربتكِ تؤيدكِ الجذور وتطيعكِ، وهنا نختلف مع الأسف يا شجرة.. لذلك أبحث عن السلام الداخلي .. تماما، كما فعل "بوذا" حين خلصته شجرة التين أو شجرة التنوير من كل شكوكه وزودته بالسلام الداخلي."
    سكت الجذع هنيهة، وردّ على صابر قائلا:
    - " إذا أردنا تجنب المعاناة وتذويب جليد الهموم التي تجثم على خواطرنا، فلا بد لنا أن نبدأ بأنفسنا، فالمعاناة التي تحدث عنها "بوذا" تنتج من الرغبات، وبدل أن نستسلم لرغباتنا، فإننا نستطيع أن نتحرر منها."
    رَمَصَ صابرُ الشجرة مستغربا، وما كان عليه إلا أن يتابع الحوار قائلا:
    - " تماما كأننا عطشى ولم نعر عطشنا انتباها."
    ابتسم الجذع وهو يدرك أن بحر الحوار هذا لجاجٌ، ستلتهم أمواجه عمر الشجرة مهما طال وصبرَ صابرٍ أيضا ولو كان مثل أيوب، لكنه عقّب وقال:
    - "نعم، ويتلاشى الشعور بالعطش مع الوقت، كما فعلتُ منذ أن شيد الإنسان عمارة بجانبي وعبد الطريق وطوقني بالإسمنت.."
    مزَن وجه صابر ، وشرع في تقبيل الجذع، كأنه وجدها.. نعم وجدها...
    لم يتنأْنأ عن هذا الأمر الذي لون حياته الزوجية بالرمادي، وأسرع إلى آخر محل تجاري لبيع المجوهرات النفيسة يستعد لإغلاق الأبواب، اقتنى أجود الخواتم، دون أن يعير اهتماما للشكل أو الفصّ أو اللون أو المقياس.. وصافح التاجر بكثير من اللهفة كأنه عريس في مقتبل العمر..
    فتح باب الشقة بهدوء على غير العادة، حمل حذائه العسكري في يده وتمشى بخفة راقصي البالي، متحسسا جيب معطفه الأسود ليتأكد من أنّ علبة الخاتم مازالت مختبئة هناك.. وتوجه إلى غرفة النوم الفسيحة، حيث كانت راقدة والأنوار الخفيفة تحوم حول جسدها الضئيل.. وصار يحكي لها بحرقة ومرارة واعتراف بالخطيئة..
    - "لقد علمتني شجرة التين القابعة قرب العمارة التي يسكن حفيدي في إحدى شققها الضيقة، أننا إذا استطعنا التوقف عن الرغبة في كل الأشياء الجميلة والمفرحة في الحياة.. فإننا لن نشعر بالتعاسة مطلقا يا حليمة.. إنني تغيرتُ مائة درجة، لن أسمح لسبابتي ووسطاي أن تخنقا سيجارة منذ اللحظة، وبالعكس سألقن درسا في الأخلاق لوسطاي، وأعلّم سبابتي كيف تراقصني بخشوع تام، وأنا أصلي لله، سأنزع جلباب البخل وأغضف أساور الأنانية، سأترك تزورين حفيدي رغم كل شيء.. سأحبك يا حليمة، كما لم أفعل من قبل... سأزحّل إحداثيات الانفصال عنك من جغرافيا تفكيري، وسأعوضك عن أربعين سنة مرّت مرور الكرام.. بالمناسبة هاتي يدكِ، سألبسك خاتما عربون محبة وإخلاص ووفاء."
    وفي لحظة حاسمة، كانت عروق يدها متصلبة، كأن كريات الدماء هجرتها، كانت ثقيلة جدا، وتجتاحها موجة برد غريبة..
  • عائده محمد نادر
    عضو الملتقى
    • 18-10-2008
    • 12843

    #2
    الزميل القدير
    جمال الحنصالي
    أبعد كل ذاك الوقت
    استهلال لمداخلتي قد يكون مناسبا للرد على نصك ولي أيضا
    وأجده عنوانا مناسبا أيضا
    أعجبتي العبرة من النص
    أحببت أن ينتبه لكنه تأخر جدا
    هل يجب أن يموت الأحبة كي تشعر بأننا فقدناهم فعليا
    وأن الندم لن يفيد
    ليأخذ ماسته والخاتم، يدفنهما معها
    كل الورد لك وأعتذر عن تأخري بالقراءة لك
    الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

    تعليق

    • حسن لختام
      أديب وكاتب
      • 26-08-2011
      • 2603

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة جمال الحنصالي مشاهدة المشاركة

      بقلم: جمال الحنصالي
      amdiaz77@hotmail.com
      00212602050171
      أوشكت جميع المحلات التجارية وصالونات الحلاقة ودكاكين الأحياء الشعبية، وحتى الملاهي الليلة التي تُصدّر ضجيجا مجانيا للنائمين، أن تنه رحلة عملها اليومي، وتوصد الأبواب إعلانا عن نهاية مسلسل النهار.. فعلا، لقد أعتم الليل واختلتْ اللقالق بنفسها، معتلية أعلى قمة الصومعة المجاورة لشقته. فجأة، هدأتْ العين والرّجل، إلاّ بعض المتسكعين الذين ملّوا من المشي حفاة الأقدام... ومازال صابر سائرا يبحث عن السلام الداخلي..
      تراه يمشي والشارعَ الرئيسي كمَنْ ضلّ هِدْيته، رافعا عيناه صوب السماء التي ارتدت لباسها الأسود، ربما تستعد لتواسيه، أو أنها حزينة من أجله في هذه الليلة الدامسة. أما القمر، فينظرُ إليه بحسرة، وقد كبّد السماء في لقاء سرمدي، يوحي بالحب الحقيقي الذي جمع بينهما منذ ملايين السنين.
      يحرر صابر بصره ليجوب الأمكنة، على أمل أن يصادف ذاك السلام الذي يبحث عنه، وعلّه يدرك رسالة القمر والسماء. ينظرُ يمنة ويسرى، لكن الأشياء تلاحظت أمامه، ولم يعد يعرف أين تسكن نقطة الصفر ليعود إليها، فاحتوته الحيرة وسحره الذهول المستبد.
      لم يجد غير شجر تينٍ بئيسة، هجرتها الأوراق الخضراء وحتى اليابسة، وأطلقتْ سراح أغصانها التي كانت بالأمس موطن حبات تين لذيذة. وضع راحة يده على جذعها وقال:
      - "أنا وأنتِ كلانا نحمل ذات الهموم، وشاهتْ نفسينا إلى الغد الأفضل عينه.. إنْ سألتكِ ستسردين قصص الماضي العتيق، وهنا نتفق أنا وأنتِ، فما بجعبتي سوى ما أدرّس من تاريخ للأطفال والطفلات، وما أحكيه عن الماضي السحيق. طلّقتِ الأغصان وهرجتكِ الأوراق، أما أنا فلا أستطيع يا شجرة !. أنتِ وفيّة لتُربتكِ تؤيدكِ الجذور وتطيعكِ، وهنا نختلف مع الأسف يا شجرة.. لذلك أبحث عن السلام الداخلي .. تماما، كما فعل "بوذا" حين خلصته شجرة التين أو شجرة التنوير من كل شكوكه وزودته بالسلام الداخلي."
      سكت الجذع هنيهة، وردّ على صابر قائلا:
      - " إذا أردنا تجنب المعاناة وتذويب جليد الهموم التي تجثم على خواطرنا، فلا بد لنا أن نبدأ بأنفسنا، فالمعاناة التي تحدث عنها "بوذا" تنتج من الرغبات، وبدل أن نستسلم لرغباتنا، فإننا نستطيع أن نتحرر منها."
      رَمَصَ صابرُ الشجرة مستغربا، وما كان عليه إلا أن يتابع الحوار قائلا:
      - " تماما كأننا عطشى ولم نعر عطشنا انتباها."
      ابتسم الجذع وهو يدرك أن بحر الحوار هذا لجاجٌ، ستلتهم أمواجه عمر الشجرة مهما طال وصبرَ صابرٍ أيضا ولو كان مثل أيوب، لكنه عقّب وقال:
      - "نعم، ويتلاشى الشعور بالعطش مع الوقت، كما فعلتُ منذ أن شيد الإنسان عمارة بجانبي وعبد الطريق وطوقني بالإسمنت.."
      مزَن وجه صابر ، وشرع في تقبيل الجذع، كأنه وجدها.. نعم وجدها...
      لم يتنأْنأ عن هذا الأمر الذي لون حياته الزوجية بالرمادي، وأسرع إلى آخر محل تجاري لبيع المجوهرات النفيسة يستعد لإغلاق الأبواب، اقتنى أجود الخواتم، دون أن يعير اهتماما للشكل أو الفصّ أو اللون أو المقياس.. وصافح التاجر بكثير من اللهفة كأنه عريس في مقتبل العمر..
      فتح باب الشقة بهدوء على غير العادة، حمل حذائه العسكري في يده وتمشى بخفة راقصي البالي، متحسسا جيب معطفه الأسود ليتأكد من أنّ علبة الخاتم مازالت مختبئة هناك.. وتوجه إلى غرفة النوم الفسيحة، حيث كانت راقدة والأنوار الخفيفة تحوم حول جسدها الضئيل.. وصار يحكي لها بحرقة ومرارة واعتراف بالخطيئة..
      - "لقد علمتني شجرة التين القابعة قرب العمارة التي يسكن حفيدي في إحدى شققها الضيقة، أننا إذا استطعنا التوقف عن الرغبة في كل الأشياء الجميلة والمفرحة في الحياة.. فإننا لن نشعر بالتعاسة مطلقا يا حليمة.. إنني تغيرتُ مائة درجة، لن أسمح لسبابتي ووسطاي أن تخنقا سيجارة منذ اللحظة، وبالعكس سألقن درسا في الأخلاق لوسطاي، وأعلّم سبابتي كيف تراقصني بخشوع تام، وأنا أصلي لله، سأنزع جلباب البخل وأغضف أساور الأنانية، سأترك تزورين حفيدي رغم كل شيء.. سأحبك يا حليمة، كما لم أفعل من قبل... سأزحّل إحداثيات الانفصال عنك من جغرافيا تفكيري، وسأعوضك عن أربعين سنة مرّت مرور الكرام.. بالمناسبة هاتي يدكِ، سألبسك خاتما عربون محبة وإخلاص ووفاء."
      وفي لحظة حاسمة، كانت عروق يدها متصلبة، كأن كريات الدماء هجرتها، كانت ثقيلة جدا، وتجتاحها موجة برد غريبة..
      هي الرحلة للبحث عن الذات، والسلام الداخلي..كما بحث عنه "جاوكسينغ جياو في رواية "جبل الروح" وكما ظل يبحث عنه "هيرمن هسه" خاصة في روايته الخالدة "سدهارتا"
      كم هي حزينة نهاية النص، وصادمة
      مودتي، أخي جمال..كل عام وأنت بألف خير

      تعليق

      • سلمان الجاسم
        أديب وكاتب
        • 07-02-2011
        • 122

        #4
        الزميل الاستاذ جمال / مررت هنا للترحيب بك .. نص جميل وهادف وتمتلك قدرة على السرد والوصف . الفكرة جميلة وممتعة ، وجاءت قفلة النهاية مؤلمة ومفجعة !! تأخر كثيراً ليكتشف ذاته ! بوركت أخي ..

        تعليق

        • محمد الشرادي
          أديب وكاتب
          • 24-04-2013
          • 651

          #5
          سبق السيف العدل. و لم يبق هناك مجال للندم،و لا للتوبة.تأخر كثيرا.
          هناك الكثير من الناس الذين لا يستطيعون تحديد الوقت المناسب لمراجعة الذات. فلا يجنون إلا الخسائر الكبيرة.
          نص كبير يا صديقي مترع بالحكمة و الموعظة. مفعم بالجمال.
          تحياتي

          تعليق

          يعمل...
          X