في يوم بدر
أين أين الرعيل من أهل بدر
طوي الفتح و استبيح الرعيل
بدوي الجبل
قالوا غزوت و رسل الله ما بعثوا
لقتل نفس و لا جاؤوا لسفك دم
جهل و تضليل أحلام و سفسطة
فتحت بالسيف بعد الفتح بالقلم
و الشر إن تلقه بالخير ضقت به
ذرعاً و إن تلقه بالشر ينحسم
أمير الشعراء
أحمد شوقي
بدر .... صرخة الحق الأولى التي اهتزت لها رمال الصحراء ، بل زلزلت الأرض زلزالاً عظيماً ما من مثيل له ، لأن المحاربين لم يكونوا أولئك الرجال القلائل البائسين دنيا و مادة ، العظماء روحاً و معنى ، بل كانت اليد الإلهية التي ما فوقها يد قالت كلمتها لتظهر فعلاً ، { كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله و الله مع الصابرين }، و صنعت معجزة الدهر التي لا تتكرر و لن تتكرر ، لا لشيء ، بل لأن التاريخ لا يعيد نفسه ، و إنما تتشابه أحداثه بتشابه الخير و الشر في النفوس ، و بكون هذا الصراع سمة من سمات هذا الوجود ، بل سمته الأساسية التي لا تزول حتى يزول هو أو يندثر ، و الحدث الذي كان في بدر لن يتكرر لأن غايته قد حُققت ، و لأن يومها كان اليوم الذي ظهر فيه الجيش الأعظم ، حامل الراية التي لا تعلوها راية ، و الشعار الذي لا يعلوه شعار ( لا إله إلا الله محمد رسول الله ) ، و من بدر خرج ذلك الجيش ليصنع ما صنع ، و يعيد الشر الذي صيره الناس خيراً سيرته الأولى ، و يبدل شرهم الذي ارتضوه خيراً شراً تعافه النفوس و تستقذره ، و يقيم مدينة فاضلة لا بمقاييس البشر و أفكارهم ، بل بالمقياس الذي يعلوهم ، و يرى الخير الذي لا يرون ، و يعرف الحق الذي لا يعرفون ، مدينة فاضلة فيها الحكم لله وحده و باسمه ، فهو الذي يحق الحق و هو خير الفاصلين . +
بدر .... لحظة توقفت عندها ساعة الزمن لتعيد دورتها ، إذ اليوم المرتقب قد أزف ، و محمد عليه الصلاة و السلام قام رافعاً الراية التي حمله إياها ربه ، و سيفه أمضى من أن تهزه عاديات الزمن و نوائبه ، فما هوبمنكسر و إن لاقى الويل و المرار ، لأن كل ويل عنده خير و صلاح ، و كل مصيبة عنده دفعة إلى الأمام ، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له ، و إن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له .
و في بدر آل الكلام فعلاً ..... و ظهرت الأخلاق مجسدة ، و انقلب الضعف قوة ، فهل على إرادة الله و عظمته دليل أكبر من هذا !!! دليل أكبر من أن يكون حاملو لوائه و المنافحون عن اسمه ثلاثمئة و بضعة رجال ، فيهزموا الجيش المدجج و يصرعوا أئمة الكفر فيه ، و يفتحوا الطريق الذي ما زلنا نعيش في ظلاله حتى اليوم ، فلن نغلو إن قلنا إننا معشر المسلمين اليوم لسنا إلا أبناء نصر بدر و صنعاءه ، و ما كان لعجلة التاريخ أن تغير دورتها لو لم يشأ رب العالمين للمسلمين نصرهم العظيم في ذلك اليوم .
ورد في الأثر أن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه لما احتضر دعا بخلق جبة صوف فقال : كفنوني فيها ، فإني لقيت المشركين فيها يوم بدر ، و إنما خبأتها لهذا اليوم ، أولئك أهل بدر ، و كذلك كانوا يرون الدنيا ‘ فسعد رضي الله عنه يرغب في أن يلقى وجه ربه بالجبة التي حضر بها بدراً ، ليكون بذلك على خير حال و هيئة ، أو ما يذكر بخير حال ، الحال التي شهد بها بدراً ، و كان فيها هو و إخوانه ملائكة من البشر تنصرهم ملائكة السماء .
و ما كان النصر يومئذ إلا بشرى ، بشرى من الله لعباده الصالحين الذين ذاقوا الأمرين ، فلم تلن لهم عريكة ، و لم تثبط لهم همة ، بل زادهم ما لقوا إيماناً بالله و تصديقاً بكلماته ، فكانت البشرى العظيمة بما سيأتي بعده من أيام و انتصارات ، و بما سيكون في تاريخ ذه الدنيا التي شاء رب العالمين أن يختم رسالاته إليها برسالة سيد الكونين و الثقلين و الفريقين من عرب و من عجم .
بشرى رب العالمين لمن سيأتي من المسلمين من بعد ، ألا تيأسوا و لا تقنطوا ، فنصر رب العالمين آت ، في حينها وفي كل حين ، و ما دمنا على الحق ، و ما دام أعداؤنا على الباطل ، فأي شيء نخشاه ؟! و أي شر نهابه ؟! ، فلنعتصم بحبل رب العزة جميعاً ، و ليكن في إيماننا به و بخيره و عدله نعم السلوان و نعم السبيل.
الأحد 13 رمضان 1428
30 أيلول2007
أين أين الرعيل من أهل بدر
طوي الفتح و استبيح الرعيل
بدوي الجبل
قالوا غزوت و رسل الله ما بعثوا
لقتل نفس و لا جاؤوا لسفك دم
جهل و تضليل أحلام و سفسطة
فتحت بالسيف بعد الفتح بالقلم
و الشر إن تلقه بالخير ضقت به
ذرعاً و إن تلقه بالشر ينحسم
أمير الشعراء
أحمد شوقي
بدر .... صرخة الحق الأولى التي اهتزت لها رمال الصحراء ، بل زلزلت الأرض زلزالاً عظيماً ما من مثيل له ، لأن المحاربين لم يكونوا أولئك الرجال القلائل البائسين دنيا و مادة ، العظماء روحاً و معنى ، بل كانت اليد الإلهية التي ما فوقها يد قالت كلمتها لتظهر فعلاً ، { كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله و الله مع الصابرين }، و صنعت معجزة الدهر التي لا تتكرر و لن تتكرر ، لا لشيء ، بل لأن التاريخ لا يعيد نفسه ، و إنما تتشابه أحداثه بتشابه الخير و الشر في النفوس ، و بكون هذا الصراع سمة من سمات هذا الوجود ، بل سمته الأساسية التي لا تزول حتى يزول هو أو يندثر ، و الحدث الذي كان في بدر لن يتكرر لأن غايته قد حُققت ، و لأن يومها كان اليوم الذي ظهر فيه الجيش الأعظم ، حامل الراية التي لا تعلوها راية ، و الشعار الذي لا يعلوه شعار ( لا إله إلا الله محمد رسول الله ) ، و من بدر خرج ذلك الجيش ليصنع ما صنع ، و يعيد الشر الذي صيره الناس خيراً سيرته الأولى ، و يبدل شرهم الذي ارتضوه خيراً شراً تعافه النفوس و تستقذره ، و يقيم مدينة فاضلة لا بمقاييس البشر و أفكارهم ، بل بالمقياس الذي يعلوهم ، و يرى الخير الذي لا يرون ، و يعرف الحق الذي لا يعرفون ، مدينة فاضلة فيها الحكم لله وحده و باسمه ، فهو الذي يحق الحق و هو خير الفاصلين . +
بدر .... لحظة توقفت عندها ساعة الزمن لتعيد دورتها ، إذ اليوم المرتقب قد أزف ، و محمد عليه الصلاة و السلام قام رافعاً الراية التي حمله إياها ربه ، و سيفه أمضى من أن تهزه عاديات الزمن و نوائبه ، فما هوبمنكسر و إن لاقى الويل و المرار ، لأن كل ويل عنده خير و صلاح ، و كل مصيبة عنده دفعة إلى الأمام ، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له ، و إن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له .
و في بدر آل الكلام فعلاً ..... و ظهرت الأخلاق مجسدة ، و انقلب الضعف قوة ، فهل على إرادة الله و عظمته دليل أكبر من هذا !!! دليل أكبر من أن يكون حاملو لوائه و المنافحون عن اسمه ثلاثمئة و بضعة رجال ، فيهزموا الجيش المدجج و يصرعوا أئمة الكفر فيه ، و يفتحوا الطريق الذي ما زلنا نعيش في ظلاله حتى اليوم ، فلن نغلو إن قلنا إننا معشر المسلمين اليوم لسنا إلا أبناء نصر بدر و صنعاءه ، و ما كان لعجلة التاريخ أن تغير دورتها لو لم يشأ رب العالمين للمسلمين نصرهم العظيم في ذلك اليوم .
ورد في الأثر أن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه لما احتضر دعا بخلق جبة صوف فقال : كفنوني فيها ، فإني لقيت المشركين فيها يوم بدر ، و إنما خبأتها لهذا اليوم ، أولئك أهل بدر ، و كذلك كانوا يرون الدنيا ‘ فسعد رضي الله عنه يرغب في أن يلقى وجه ربه بالجبة التي حضر بها بدراً ، ليكون بذلك على خير حال و هيئة ، أو ما يذكر بخير حال ، الحال التي شهد بها بدراً ، و كان فيها هو و إخوانه ملائكة من البشر تنصرهم ملائكة السماء .
و ما كان النصر يومئذ إلا بشرى ، بشرى من الله لعباده الصالحين الذين ذاقوا الأمرين ، فلم تلن لهم عريكة ، و لم تثبط لهم همة ، بل زادهم ما لقوا إيماناً بالله و تصديقاً بكلماته ، فكانت البشرى العظيمة بما سيأتي بعده من أيام و انتصارات ، و بما سيكون في تاريخ ذه الدنيا التي شاء رب العالمين أن يختم رسالاته إليها برسالة سيد الكونين و الثقلين و الفريقين من عرب و من عجم .
بشرى رب العالمين لمن سيأتي من المسلمين من بعد ، ألا تيأسوا و لا تقنطوا ، فنصر رب العالمين آت ، في حينها وفي كل حين ، و ما دمنا على الحق ، و ما دام أعداؤنا على الباطل ، فأي شيء نخشاه ؟! و أي شر نهابه ؟! ، فلنعتصم بحبل رب العزة جميعاً ، و ليكن في إيماننا به و بخيره و عدله نعم السلوان و نعم السبيل.
الأحد 13 رمضان 1428
30 أيلول2007
تعليق