(أضاعوني) قصّة قصيرة من كتاب (قصص من تاريخنا) تأليف: أحمد عكاش.

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • أحمد عكاش
    أديب وكاتب
    • 29-04-2013
    • 671

    (أضاعوني) قصّة قصيرة من كتاب (قصص من تاريخنا) تأليف: أحمد عكاش.

    أَضَاعُونِي

    بقلم: أحمد عكاش
    ((أَبُوحَنِيفَةَ النُّعْمَانُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ المَرْزُبَانِ)) التَّيْمِيُّ الكُوفِيُّ أَحَدُ أَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ الكِبَارِ، اشْتُهِرَ بِالتُّقَى وَالصَّلاحِ وَالعِلْمِ وَحُسْنِ الأَخْلاقِ وَالسُّلُوكِ، كَانَ لَهُ جَارٌ بِالكُوفَةِ يُغَنِّي فِي المَجَالِسِ حَتَّى سَاعَةٍ مُتَأَخِّرَةٍ مِنَ اللَّيْلِ، وَيَسْكَرُ ثُمَّ يَنْصَرِفُ مِنَ الحَفْلِ سَكْرَانَ يُعَرْبِدُ، فَإِذَا دَخَلَ غُرْفَتَهُ، رَفَعَ صَوْتَهُ بِالغِنَاءِ، وَكَانَ كَثِيراً مَا يُرَدِّدُ قَوْلَ الشَّاعِرِ (العَرْجِيِّ):

    أَضَاعُونِي وَأَيَّ فَتًى أَضَاعُوا
    لِيَوْمِ كَريهَةٍ وَسِدادِ ثَغْرِ

    أَيْ أَنَّهُمْ حِينَ تَخَلَّوْا عَنْهُ خَسِرُوا بَطَلاً شُجَاعاً يُحْسِنُ البَلاءَ فِي الحُرُوبِ، وَيَحْمِي حُدُودَ البِلادِ.
    كَانَ صَوْتُهُ يُعَكِّرُ صَفْوَ اللَّيْلِ، وَيُوقِظُ النَّائِمِينَ وَيُقْلِقُهُمْ، وَيُشَوِّشُ عَلَيْهِمْ تَأَمُّلاتِهِمْ، وَيَشْغَلُهُمْ عَنِ التَّفْكِيرِ وَالعِبَادَةِ، لَكِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ مَا كَانَ يُبْدِي لِجَارِهِ المُغَنَّي انْزِعَاجاً، وَمَا لامَهُ يَوْماً عَلَى مُضَايَقَاتِهِ الَّتِي تَتَكَرَّرُ كُلَّ لَيْلَةٍ، حِينَ يَكُونُ (أَبُو حَنِيفَةَ) مُسْتَغْرِقاً فِي خَلْوَتِهِ، يَسْتَخْرِجُ الأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ وَيُؤَلِّفُ الكُتُبَ النَّافِعَةَ، وَيُجِيبُ عَنْ أَسْئِلَةِ المُسْتَفْسِرِينَ وَطُلاَّبِ العِلْمِ.
    لَقِيَ العَسَسُ[1] لَيْلَةً الفَتَى يَسِيرُ فِي الشَّوَارِعِ سَكْرَانَ يُغَنِّي، فَأَخَذُوهُ وَحَبَسُوهُ فِي جُمْلَةِ لُصُوصٍ وَقَاطِعِي طَرِيقٍ، فَفَقَدَ أَبُو حَنِيفَةَ صَوْتَهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَسَأَلَ عَنْهُ صَبَاحَ اليَوْمِ التَّالِي، فَأَخْبَرُوهُ بِخَبَرِهِ، فَلَبِسَ عِمَامَتَهُ وَجُبَّتَهُ، وَرَكِبَ دَابَّتَهُ وَقَصَدَ وَالِيَ الكُوفَةِ ((عِيسَى بْنَ مُوسَى))، وَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ لَهُ:
    -إِنَّ لِي جَاراً أَخَذَهُ عَسَسُكَ البَارِحَةَ فَحَبَسُوهُ، وَمَا عَلِمْتُ مِنْهُ إِلاَّ خَيْراً.
    فَقَالَ عِيسَى: سَلِّمُوا إِلَى ((أَبِي حَنِيفَةَ)) كُلَّ مَنْ أَخَذَهُ العَسَسُ البَارِحَةَ.
    فَأُطْلِقَ سَرَاحُ المَحْبُوسِينَ جَميعاً، تَكْرِيماً لِوَسَاطَةِ أَبِي حَنِيفَةَ t، فَلَمَّا خَرَجَ الفَتَى، دَعَا بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ وَهَنَّأَهُ بِالسَّلامَةِ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِهِ وَخَرَجا مَعاً مِنْ دَارِ الوِلايَةِ، وَقَالَ لَهُ سِرّاً:
    -كُنْتَ تُغَنِّي يَا فَتَى كُلَّ لَيْلَةٍ: (أَضَاعُونِي وَأَيَّ فَتًى أَضَاعُوا) فَهَلْ تَرانَا أَضَعْنَاكَ؟.
    قَالَ الفَتَى: لا وَاللهِ، وَلَكِنْ أَحْسَنْتَ وَتَكَرَّمْتَ، أَحْسَنَ اللهُ جَزَاءَكَ.
    وَأَطْرَقَ الرَّجُلُ المُغَنِّي خَجَلاً مِنَ الإِمامِ، وَسَارَ فِي جِوَارِهِ مُتَصَاغِراً، يُوشِكُ أَنْ يَبْكِيَ مِنَ التَّأَثُّرِ، لَكِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ .. صَاحِبَ القَلْبِ الكَبِيرِ قَالَ:
    -فَعُدْ إِلَى مَا كُنْتَ تُغَنِّيهِ، فَإِنِّي كُنْتُ آنَسُ بِهِ، وَلَمْ أَرَ بِهِ بَأْساً.
    قَالَ الرَّجُلُ: بَلْ تُبْتُ عَلَى يَدَيْكَ يَا سَيِّدِي، وَلَنْ أُضَايِقَ أَحَداً مِنَ الجِيرَانِ بَعْدَ اليَوْمِ بِغِنَائي، وَأُعَاهِدُكَ عَلَى أَنِّي تُبْتُ أَيْضاً عَنْ شُرْبِ مَا حَرَّمَ اللهُ.
    وَمُنْذُ ذَلِكَ الحِينِ صَارَ الرَّجُلُ يَعْرِفُ قِيمَةَ الجَارِ وَحُقُوقَهُ، وَيَحْرِصُ عَلَى رِضَا اللهِ.
    انتهت


    [1]- العَسَسُ: الحُرَّاسُ؛ (مُفْرَدُهُ: العَاسُّ).
    التعديل الأخير تم بواسطة أحمد عكاش; الساعة 31-07-2013, 09:19.
    يَا حُزْنُ لا بِنْتَ عَنْ قَلْبِي فَمَا سَكَنَتْ
    عَرَائِسُ الشِّعْرِ فِي قَلْبٍ بِلا حَزَنِ
    الشاعر القروي
  • غالية ابو ستة
    أديب وكاتب
    • 09-02-2012
    • 5625

    #2
    الأخ الأديب أحمد عكاش
    حفظك الله
    والله إن تراثنا الخالد مليء بالنفائس والعبر
    يوم كنا خير أمـــــــــــة --فأين نحن من هذا !
    وإنّي رغم قراءتي لكثير من التراث
    الّا أنني استمتعت كثيراً، أعجبت كثيراً
    بما فعله الإمام مع الجار المزعج،فكسبه
    وأراح الجيران من الإزعاج-سبحان الله
    القائل في محكم كتابه:- (ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه وليّ حميم).
    والله إن الأدب الهادف هو ما يلزمنا في زمننا البشع
    أضعنا تراث الأمجاد،فأضاعنا التاريخ!
    تحيتي واحترامي
    وشتائل الورد نديّ



    يا ســــائد الطيـــف والألوان تعشــقهُ
    تُلطّف الواقـــــع الموبوء بالسّـــــقمِ

    في روضــــــة الطيف والألوان أيكتهــا
    لـــه اعزفي يا ترانيــــم المنى نـــغمي



    تعليق

    • محمود عودة
      أديب وكاتب
      • 04-12-2013
      • 398

      #3
      نص من ترائنا المليء بالحكم والعبر وهذا الأمام ابو حنيفة رضي الله عنه يضرب لنا الأمثال في المودة والمحبة بين الجيران والتي فقدت من حياتنا هذه الأيام
      احييك بشدة على هذا النص الرائع
      مودتي

      تعليق

      • أحمد عكاش
        أديب وكاتب
        • 29-04-2013
        • 671

        #4
        الأخ محمود عودة
        أشكر لك مرورك الكريم،
        وأعتذر لك للتأخّر في الردّ.
        فقد (عبثت) الأحداث بالذاكرة،
        وشتّت الجهود.
        فاقبلوا عذري والكريم من عذر.
        لا عدمتُ زياراتكم، التي تحثّني على مزيد العطاء،
        مادام المرء يجد من يستسيغ القراءة.
        لكم التقدير والامتنان.
        يَا حُزْنُ لا بِنْتَ عَنْ قَلْبِي فَمَا سَكَنَتْ
        عَرَائِسُ الشِّعْرِ فِي قَلْبٍ بِلا حَزَنِ
        الشاعر القروي

        تعليق

        • أحمد عكاش
          أديب وكاتب
          • 29-04-2013
          • 671

          #5
          الأخت الغالية
          (غالية)
          سرّتني مداخلتكم، وسرّني تفاعلكم مع مُعطيات النص، ومراميه.
          بل رأيتكم تُفيضون على النصّ هوامش مهمّة نافعةً زادت أُفقه ... رحابة وسعة.
          تقبّلي أيتها الغالية ودّي وتقديري لشخصكم
          وأفقكم الفسيح المنطلق نحو المعالي،
          وما أراك إلا جديرة بالرفعة.
          لن أهديك الورد هذه المرّة، لأنَّه يمشي إلى اليبس،
          بل سأهديك هذه المرّة زجاجة عطر.
          يَا حُزْنُ لا بِنْتَ عَنْ قَلْبِي فَمَا سَكَنَتْ
          عَرَائِسُ الشِّعْرِ فِي قَلْبٍ بِلا حَزَنِ
          الشاعر القروي

          تعليق

          • بسباس عبدالرزاق
            أديب وكاتب
            • 01-09-2012
            • 2008

            #6
            الدين المعاملة

            فمن كانت معاملته حسنة كسب الناس و من سيئت معاملته للخلق فقد حتى نفسه و سقط

            هذا إمام من الأئمة الأربع يهدينا قيمة عالية في حسن التعامل و كيف يمكننا أن نرشد الضال و نهديه بفعل معاكس تماما، في القصة لم أرى و لو كلمة واحدة للنصح من الإمام أبو حنيفة.

            أستاذ أحمد عكاش شكرا لمثل هذا العبق الذي عطرتنا به


            محبتي و تقديري أستاذي
            السؤال مصباح عنيد
            لذلك أقرأ ليلا .. حتى أرى الأزقة بكلابها وقمامتها

            تعليق

            • عائده محمد نادر
              عضو الملتقى
              • 18-10-2008
              • 12843

              #7
              الزميل القدير.. أحمد عكاش.. أحببت الحكاية كثيرا ربما لأني أحب حكايات هؤلاء الناس الذين يشبهون الشموس والأقمار وتاريخهم المشرف والنقي ولنرى الحكمة الكبيرة مما يفعلونه وكيف يتعاملون بالمحبة فالدين المعاملة مع كل من يخطيء فيعود عن الخطأ لأنه مقتنع تماما وليس بالإكراه أو الخوف.. ياربي من أين لنا بمثلهم اليوم فنحن بأمس الحاجة لهم.. أفرحني تفاعلك ولو أنك ( مقل ) حد الشحة زميلي هاهاها.. كل المحبة والورد لك
              الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

              تعليق

              • أحمد عكاش
                أديب وكاتب
                • 29-04-2013
                • 671

                #8
                أخي الكريم
                بسباس عبد الرزاق
                سرّتني زيارتكم الكريمة، وسرّني تعليقكم الطيّب،..
                أجَلْ يا صديقي" الدين المعاملة"، فما وصل ديننا الحنيف إلى أقاصي آسية (الهند والصين و..)إلاّ بالمعاملة الطيّبة، التي وجدها الأهلون هناك في التجار المسلمين، فما كان هؤلاء التجار دُعاة بلسانهم فحسب، بل كانوا دُعاة بسلوكهم قبل هذا..
                دمت أخي عبد الرزاق بخير.
                يَا حُزْنُ لا بِنْتَ عَنْ قَلْبِي فَمَا سَكَنَتْ
                عَرَائِسُ الشِّعْرِ فِي قَلْبٍ بِلا حَزَنِ
                الشاعر القروي

                تعليق

                • إيمان عامر
                  أديب وكاتب
                  • 03-05-2008
                  • 1087

                  #9
                  الاديب الراقي أحمد عكاشه
                  نص جميل استمتعت هنا بهذا الالق
                  تحياتي بعطر الياسمين
                  إيمان عامر
                  "من السهل أن تعرف كيف تتحرر و لكن من الصعب أن تكون حراً"

                  تعليق

                  • محمد الشرادي
                    أديب وكاتب
                    • 24-04-2013
                    • 651

                    #10
                    المشاركة الأصلية بواسطة أحمد عكاش مشاهدة المشاركة
                    أَضَاعُونِي

                    بقلم: أحمد عكاش
                    ((أَبُوحَنِيفَةَ النُّعْمَانُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ المَرْزُبَانِ)) التَّيْمِيُّ الكُوفِيُّ أَحَدُ أَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ الكِبَارِ، اشْتُهِرَ بِالتُّقَى وَالصَّلاحِ وَالعِلْمِ وَحُسْنِ الأَخْلاقِ وَالسُّلُوكِ، كَانَ لَهُ جَارٌ بِالكُوفَةِ يُغَنِّي فِي المَجَالِسِ حَتَّى سَاعَةٍ مُتَأَخِّرَةٍ مِنَ اللَّيْلِ، وَيَسْكَرُ ثُمَّ يَنْصَرِفُ مِنَ الحَفْلِ سَكْرَانَ يُعَرْبِدُ، فَإِذَا دَخَلَ غُرْفَتَهُ، رَفَعَ صَوْتَهُ بِالغِنَاءِ، وَكَانَ كَثِيراً مَا يُرَدِّدُ قَوْلَ الشَّاعِرِ (العَرْجِيِّ):

                    أَضَاعُونِي وَأَيَّ فَتًى أَضَاعُوا
                    لِيَوْمِ كَريهَةٍ وَسِدادِ ثَغْرِ

                    أَيْ أَنَّهُمْ حِينَ تَخَلَّوْا عَنْهُ خَسِرُوا بَطَلاً شُجَاعاً يُحْسِنُ البَلاءَ فِي الحُرُوبِ، وَيَحْمِي حُدُودَ البِلادِ.
                    كَانَ صَوْتُهُ يُعَكِّرُ صَفْوَ اللَّيْلِ، وَيُوقِظُ النَّائِمِينَ وَيُقْلِقُهُمْ، وَيُشَوِّشُ عَلَيْهِمْ تَأَمُّلاتِهِمْ، وَيَشْغَلُهُمْ عَنِ التَّفْكِيرِ وَالعِبَادَةِ، لَكِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ مَا كَانَ يُبْدِي لِجَارِهِ المُغَنَّي انْزِعَاجاً، وَمَا لامَهُ يَوْماً عَلَى مُضَايَقَاتِهِ الَّتِي تَتَكَرَّرُ كُلَّ لَيْلَةٍ، حِينَ يَكُونُ (أَبُو حَنِيفَةَ) مُسْتَغْرِقاً فِي خَلْوَتِهِ، يَسْتَخْرِجُ الأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ وَيُؤَلِّفُ الكُتُبَ النَّافِعَةَ، وَيُجِيبُ عَنْ أَسْئِلَةِ المُسْتَفْسِرِينَ وَطُلاَّبِ العِلْمِ.
                    لَقِيَ العَسَسُ[1] لَيْلَةً الفَتَى يَسِيرُ فِي الشَّوَارِعِ سَكْرَانَ يُغَنِّي، فَأَخَذُوهُ وَحَبَسُوهُ فِي جُمْلَةِ لُصُوصٍ وَقَاطِعِي طَرِيقٍ، فَفَقَدَ أَبُو حَنِيفَةَ صَوْتَهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَسَأَلَ عَنْهُ صَبَاحَ اليَوْمِ التَّالِي، فَأَخْبَرُوهُ بِخَبَرِهِ، فَلَبِسَ عِمَامَتَهُ وَجُبَّتَهُ، وَرَكِبَ دَابَّتَهُ وَقَصَدَ وَالِيَ الكُوفَةِ ((عِيسَى بْنَ مُوسَى))، وَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ لَهُ:
                    -إِنَّ لِي جَاراً أَخَذَهُ عَسَسُكَ البَارِحَةَ فَحَبَسُوهُ، وَمَا عَلِمْتُ مِنْهُ إِلاَّ خَيْراً.
                    فَقَالَ عِيسَى: سَلِّمُوا إِلَى ((أَبِي حَنِيفَةَ)) كُلَّ مَنْ أَخَذَهُ العَسَسُ البَارِحَةَ.
                    فَأُطْلِقَ سَرَاحُ المَحْبُوسِينَ جَميعاً، تَكْرِيماً لِوَسَاطَةِ أَبِي حَنِيفَةَ t، فَلَمَّا خَرَجَ الفَتَى، دَعَا بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ وَهَنَّأَهُ بِالسَّلامَةِ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِهِ وَخَرَجا مَعاً مِنْ دَارِ الوِلايَةِ، وَقَالَ لَهُ سِرّاً:
                    -كُنْتَ تُغَنِّي يَا فَتَى كُلَّ لَيْلَةٍ: (أَضَاعُونِي وَأَيَّ فَتًى أَضَاعُوا) فَهَلْ تَرانَا أَضَعْنَاكَ؟.
                    قَالَ الفَتَى: لا وَاللهِ، وَلَكِنْ أَحْسَنْتَ وَتَكَرَّمْتَ، أَحْسَنَ اللهُ جَزَاءَكَ.
                    وَأَطْرَقَ الرَّجُلُ المُغَنِّي خَجَلاً مِنَ الإِمامِ، وَسَارَ فِي جِوَارِهِ مُتَصَاغِراً، يُوشِكُ أَنْ يَبْكِيَ مِنَ التَّأَثُّرِ، لَكِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ .. صَاحِبَ القَلْبِ الكَبِيرِ قَالَ:
                    -فَعُدْ إِلَى مَا كُنْتَ تُغَنِّيهِ، فَإِنِّي كُنْتُ آنَسُ بِهِ، وَلَمْ أَرَ بِهِ بَأْساً.
                    قَالَ الرَّجُلُ: بَلْ تُبْتُ عَلَى يَدَيْكَ يَا سَيِّدِي، وَلَنْ أُضَايِقَ أَحَداً مِنَ الجِيرَانِ بَعْدَ اليَوْمِ بِغِنَائي، وَأُعَاهِدُكَ عَلَى أَنِّي تُبْتُ أَيْضاً عَنْ شُرْبِ مَا حَرَّمَ اللهُ.
                    وَمُنْذُ ذَلِكَ الحِينِ صَارَ الرَّجُلُ يَعْرِفُ قِيمَةَ الجَارِ وَحُقُوقَهُ، وَيَحْرِصُ عَلَى رِضَا اللهِ.
                    انتهت


                    [1]- العَسَسُ: الحُرَّاسُ؛ (مُفْرَدُهُ: العَاسُّ).
                    أهلا أخي أحمد
                    - ادفع بالتي هي أحسن، فإذا الذي بينك و بينه عداوة كأنه ولي حميم - صدق الله العظيم
                    تهنا عن حكمة السلف، و جرينا خلف غيرنا.
                    تحياتي

                    تعليق

                    • أحمد عكاش
                      أديب وكاتب
                      • 29-04-2013
                      • 671

                      #11
                      الزميلة الطيّبة
                      عائدة محمد نادر

                      أشعر بشوق إليك، ولا أدري لماذا ينتابني شعور أنّك ابتعدت عنّي ،
                      أرجو أن أكون مخطئاً..
                      سرّني مرورك بصفحتي، فهذا شرف لي..
                      (أبو حنيفة) ونظراؤه كان الواحد منهم (أُمّة) بأكملها،
                      بأخلاقهم، بسلوكهم، بكلامهم بعلمهم، بتعاملهم بمعاملاتهم ...
                      وبهذا فتحوا القلوب واالأبصار والبصائر والبلاد،
                      فليتنا تأسّينا بهم،
                      أمّا وقد فاتنا القطار،
                      فليتنا نستطيع أن نلهم أجيالنا الحاليّة والقادمة تقفّي خطا هؤلاء الأفذاذ،
                      فلا خلاص لنا ممّا نحن فيه إلا السير على منهاجهم القويم،
                      فهل نحن قادرون؟، وهل نحن فاعلون؟!..
                      تقبّلي مني (عائدة) أطيب أمنيات السلامة وراحة البال وهدوء النفس، وسعادة القلب،
                      وأسأله تعالى أن يكشف الغمّة، ويرفع النقمة، وأسأله سيادة الحبّ والأمن والأمان،
                      لك ولأسرتك ولوطننا العربيّ كلّه، ولأمّتنا العربيّة كلّها،
                      لأنّه القادر على كلّ شيء، وهو الرحيم بعباده.
                      يَا حُزْنُ لا بِنْتَ عَنْ قَلْبِي فَمَا سَكَنَتْ
                      عَرَائِسُ الشِّعْرِ فِي قَلْبٍ بِلا حَزَنِ
                      الشاعر القروي

                      تعليق

                      • أحمد عكاش
                        أديب وكاتب
                        • 29-04-2013
                        • 671

                        #12
                        الأخت
                        إيمان عامر

                        كم كانت كلماتك القليلة مؤثّرة ومشجّعة ورقيقة يا سيّدتي
                        تقبّلي شكري وأطيب تمنياتي، ولك باقة ورد...
                        أيّ الألوان تفضّلين سيّدتي؟.
                        يَا حُزْنُ لا بِنْتَ عَنْ قَلْبِي فَمَا سَكَنَتْ
                        عَرَائِسُ الشِّعْرِ فِي قَلْبٍ بِلا حَزَنِ
                        الشاعر القروي

                        تعليق

                        • أحمد عكاش
                          أديب وكاتب
                          • 29-04-2013
                          • 671

                          #13
                          أخي الطيّب
                          محمد الشرادي

                          نعم أخي: لمّا التزمنا النهج، قرعت سنابك خيلنا أبواب باريس
                          وفتحنا ذلك العالم الخصب الجميل الذي سموه حين طردوا منه شرَّ طردة ( الفردوس المفقود)
                          وكانت مساجدنا جامعات فوق العادة، تتلمذ عليها ملوك وأُسَرُ وأبناء ملوك الإفرنجة ..
                          وحين أولينا نهج الله أعجازنا ... غُزينا في عقر دورنا.
                          بل انتزعت من بين أيدينا بقاع من الأرض غالية علينا ..
                          في بعضها مسرى رسولنا الكريم..
                          وصرنا (دُمْيَةً) بين أصابع العابثين .. للهو والتمزيق والنثر...
                          ولو رحنا نتعقّب مآسينا لحبّرنا أسفاراً وأسفاراً..
                          حتّى يجفّ مدادُ يراعنا..
                          فهل يكفينا أن نأسى على ماضينا ؟.
                          وهل بأيدينا زمام أمورنا وقضايانا ؟.
                          هل تراني أخي (محمد الشرادي) أسرفْتُ في (السوداويّة)؟.
                          سأختمها بالبياض: فلك مني باقة ياسمين أبيض.
                          يَا حُزْنُ لا بِنْتَ عَنْ قَلْبِي فَمَا سَكَنَتْ
                          عَرَائِسُ الشِّعْرِ فِي قَلْبٍ بِلا حَزَنِ
                          الشاعر القروي

                          تعليق

                          يعمل...
                          X