أَضَاعُونِي
بقلم: أحمد عكاش
((أَبُوحَنِيفَةَ النُّعْمَانُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ المَرْزُبَانِ)) التَّيْمِيُّ الكُوفِيُّ أَحَدُ أَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ الكِبَارِ، اشْتُهِرَ بِالتُّقَى وَالصَّلاحِ وَالعِلْمِ وَحُسْنِ الأَخْلاقِ وَالسُّلُوكِ، كَانَ لَهُ جَارٌ بِالكُوفَةِ يُغَنِّي فِي المَجَالِسِ حَتَّى سَاعَةٍ مُتَأَخِّرَةٍ مِنَ اللَّيْلِ، وَيَسْكَرُ ثُمَّ يَنْصَرِفُ مِنَ الحَفْلِ سَكْرَانَ يُعَرْبِدُ، فَإِذَا دَخَلَ غُرْفَتَهُ، رَفَعَ صَوْتَهُ بِالغِنَاءِ، وَكَانَ كَثِيراً مَا يُرَدِّدُ قَوْلَ الشَّاعِرِ (العَرْجِيِّ):بقلم: أحمد عكاش
أَضَاعُونِي وَأَيَّ فَتًى أَضَاعُوا
لِيَوْمِ كَريهَةٍ وَسِدادِ ثَغْرِ
أَيْ أَنَّهُمْ حِينَ تَخَلَّوْا عَنْهُ خَسِرُوا بَطَلاً شُجَاعاً يُحْسِنُ البَلاءَ فِي الحُرُوبِ، وَيَحْمِي حُدُودَ البِلادِ.
كَانَ صَوْتُهُ يُعَكِّرُ صَفْوَ اللَّيْلِ، وَيُوقِظُ النَّائِمِينَ وَيُقْلِقُهُمْ، وَيُشَوِّشُ عَلَيْهِمْ تَأَمُّلاتِهِمْ، وَيَشْغَلُهُمْ عَنِ التَّفْكِيرِ وَالعِبَادَةِ، لَكِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ مَا كَانَ يُبْدِي لِجَارِهِ المُغَنَّي انْزِعَاجاً، وَمَا لامَهُ يَوْماً عَلَى مُضَايَقَاتِهِ الَّتِي تَتَكَرَّرُ كُلَّ لَيْلَةٍ، حِينَ يَكُونُ (أَبُو حَنِيفَةَ) مُسْتَغْرِقاً فِي خَلْوَتِهِ، يَسْتَخْرِجُ الأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ وَيُؤَلِّفُ الكُتُبَ النَّافِعَةَ، وَيُجِيبُ عَنْ أَسْئِلَةِ المُسْتَفْسِرِينَ وَطُلاَّبِ العِلْمِ.
لَقِيَ العَسَسُ[1] لَيْلَةً الفَتَى يَسِيرُ فِي الشَّوَارِعِ سَكْرَانَ يُغَنِّي، فَأَخَذُوهُ وَحَبَسُوهُ فِي جُمْلَةِ لُصُوصٍ وَقَاطِعِي طَرِيقٍ، فَفَقَدَ أَبُو حَنِيفَةَ صَوْتَهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَسَأَلَ عَنْهُ صَبَاحَ اليَوْمِ التَّالِي، فَأَخْبَرُوهُ بِخَبَرِهِ، فَلَبِسَ عِمَامَتَهُ وَجُبَّتَهُ، وَرَكِبَ دَابَّتَهُ وَقَصَدَ وَالِيَ الكُوفَةِ ((عِيسَى بْنَ مُوسَى))، وَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ لَهُ:
-إِنَّ لِي جَاراً أَخَذَهُ عَسَسُكَ البَارِحَةَ فَحَبَسُوهُ، وَمَا عَلِمْتُ مِنْهُ إِلاَّ خَيْراً.
فَقَالَ عِيسَى: سَلِّمُوا إِلَى ((أَبِي حَنِيفَةَ)) كُلَّ مَنْ أَخَذَهُ العَسَسُ البَارِحَةَ.
فَأُطْلِقَ سَرَاحُ المَحْبُوسِينَ جَميعاً، تَكْرِيماً لِوَسَاطَةِ أَبِي حَنِيفَةَ t، فَلَمَّا خَرَجَ الفَتَى، دَعَا بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ وَهَنَّأَهُ بِالسَّلامَةِ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِهِ وَخَرَجا مَعاً مِنْ دَارِ الوِلايَةِ، وَقَالَ لَهُ سِرّاً:
-كُنْتَ تُغَنِّي يَا فَتَى كُلَّ لَيْلَةٍ: (أَضَاعُونِي وَأَيَّ فَتًى أَضَاعُوا) فَهَلْ تَرانَا أَضَعْنَاكَ؟.
قَالَ الفَتَى: لا وَاللهِ، وَلَكِنْ أَحْسَنْتَ وَتَكَرَّمْتَ، أَحْسَنَ اللهُ جَزَاءَكَ.
وَأَطْرَقَ الرَّجُلُ المُغَنِّي خَجَلاً مِنَ الإِمامِ، وَسَارَ فِي جِوَارِهِ مُتَصَاغِراً، يُوشِكُ أَنْ يَبْكِيَ مِنَ التَّأَثُّرِ، لَكِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ .. صَاحِبَ القَلْبِ الكَبِيرِ قَالَ:
-فَعُدْ إِلَى مَا كُنْتَ تُغَنِّيهِ، فَإِنِّي كُنْتُ آنَسُ بِهِ، وَلَمْ أَرَ بِهِ بَأْساً.
قَالَ الرَّجُلُ: بَلْ تُبْتُ عَلَى يَدَيْكَ يَا سَيِّدِي، وَلَنْ أُضَايِقَ أَحَداً مِنَ الجِيرَانِ بَعْدَ اليَوْمِ بِغِنَائي، وَأُعَاهِدُكَ عَلَى أَنِّي تُبْتُ أَيْضاً عَنْ شُرْبِ مَا حَرَّمَ اللهُ.
وَمُنْذُ ذَلِكَ الحِينِ صَارَ الرَّجُلُ يَعْرِفُ قِيمَةَ الجَارِ وَحُقُوقَهُ، وَيَحْرِصُ عَلَى رِضَا اللهِ.
انتهت
[1]- العَسَسُ: الحُرَّاسُ؛ (مُفْرَدُهُ: العَاسُّ).
تعليق