احلام الفقراء

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • أمين خيرالدين
    عضـو ملتقى الأدباء والمبدعين العرب
    • 04-04-2008
    • 554

    احلام الفقراء

    أحلام الفقراء

    لا يذكر شيئا من أمسه، ولا يعي شيئا من حاضره فقط، كان يحس أنه غير مرئي..يسبح في فضاء القاعة الواسعة، كالنسمة السابحة في الفراغ أللا متناهي... تتهادى ببطء فوق الرؤوس.. أو كفراشة شفافة غير مرئية، تحوم في الفراغ الواسع الذي يملأ سماء هذه القاعة التي تتسع للمئات والآلاف ...كلهم جالسون، كل يتكلم مع جاره بهمس، بعضهم يتكلم في خصوصياته،وبعضهم يتكلم عن بعض، كان صوت عال يعلو على أصواتهم جميعا..يشق الفضاء كالرعد الذييتردد صداه في زوايا هذا الكون الواسع، تحبسه جدران هذه القاعة ليزداد شراسة، وما استغربه أن هذا الصوت العالي كان يتكلم عنه، يقول كلاما كثيرا، غريبا..كأنه يتكلم عن شخص آخر، لا يعرفه، ولن يلتقي به من قريب أو بعيد، عملاق كالعمالقة الكبار، تفحّص جسمه فإذا به ضئيل، كباقي أجسام الناس العاديين، أضناه الفقر، وأتعبه المرض، وهدّه التعب والشقاء، حتى بات لا يأسف على يوم فات، لم يكن يوما ابن عزٍّ، ولا حتى في الأحلام، وليس كما يقول عنه الصوت العالي، لم يكن زعيما سياسيا في يوم من الأيام، ولم يتعاط السياسة أبدا كما يدّعي هذا الصوت العالي الذي يبصق الكلام في كل الاتجاهات، صحيح أنه لم يكن كبخلاء الجاحظ، لكنه لم يكن كريما كحاتم الطائي، كمايقول الصوت العالي، ولم يكن مصلحا دينيا أو اجتماعيا كالأنبياء أو الرجالالصالحين، خيّل له أن كل ما يُقال عنه ينطبق على شخص آخر، غيره، لا يعرفه، ولايشب
    إذن لماذا يرددون اسمه كثيرا؟ ويتكلمون عنه هذا الكلام؟؟!
    أحسّ بشيء من الزهو.. تعرّم صدره، وتعرّضت كتفاه واستطالت رقبته، وارتفع بداخله صوت، أخذ يعلو هو أيضا، ويزعجه، لكنه سرعان ما استدرك أن ما يُقال عنه ليس إلاّ كلام عابر، لن يُسجّل في دفاتر الأيام، ولا في سجلاّت التاريخ، ويقوله أُناس عابرون لا يجيدون سوى سفسطة الكلام، ابتسم ابتسامة لها معنى، كأنه يؤنب نفسه على خطأ ارتكبه، فتضاءل الصوت بداخله، وتضاءل الصوت العالي، وارتفع صوت آخر بدأ طغى على كليهما، وأصغي دون قصد، فتبيّن له أن الصوت صوت زوجته، تصرخ بصوت شبه مخنوق، كأنها تستغيث، أسرع إليها كما يُسرع البرق الذي يسبق الرعد، فوجدها جالسة في الفراش، ترتعد كما ترتجف أوراق الشجر في فصل الخريف، صاحية لم تذق للنوم طعما، يبدو على وجهها الإرهاق والتعب، سألها ما الذي أيقظها في ساعة متأخرة من الليل، والفجر على وصول؟
    قالت والكلمات تختنق على لسانها:

    "خير اللهم اجعله خير" وصمتت
    ألحّ عليها فأكملت: رأيت نفسي أمشي في غابة شبه مظلمة، أشجارها عالية متشابكة، تسدُّ عين الشمس، حافية القدمين، مكشوفة الرأس في وجهي آثار خدوش تنزف دما، يلحق بي عشرون حصانا غريبي الشكل، رؤوسهم رؤوس آدميين، وأجسامهم أجسام أحصنة أصيلة، يسدّون أمامي كل منافذ الخروج، أستغيث، لا يطيعني صوتي، ولا يسمعني أحد، أناديك! فتنظر نحوي ثمّ تشيح بناظريك عني، تدير ظهرك وتبتعد!
    استولى عليه الغضب، فنهرها موبخا "إن المرأة الشريفة لا تخرج من بيتها مكشوفة الرأس، حاسرة اللثمة، في اليقظة ولا في الأحلام، حتى لا يظهر شعرها أو ثغرها، وأنها تستحق ما جرى لها وأكثر! وأنه غاضب منها إلى يوم الدين"، وخرج والغضب يسيطر عليه، وقد طرق الباب خلفه بشدة، أصدر صوتاعاليا أزعجه، ففتح عينيه ليجد نفسه في الفراش وقد تبللت ثيابه من العرق المتصبب من جسمه المنهك، ووجد زوجته بجانبه تسبح في نوم عميق، كعادتها بعد أن تعود من عملها مُنهكة مسحوقة، لتقوم بوردية أخرى من عمل البيت الذي لا ينتهي، لا تقل جُهدا عمّا تقوم به في مكان عملها، كأنها معها على انتظار، وبعد ذلك ترمي جسمها المهدود على اقرب فراش، لتنام كالأطفال الأبرياء، لا تعي شيئا مما يدور حولها.






    2013/7/26


    [frame="11 98"]
    لأني أحبُّ شعبي أحببت شعوب الأرض

    لكني لم أستطع أن أحب ظالما
    [/frame]
يعمل...
X