شظايا امرأة...
جسد أبيض نحيل، بعيون عسلية لامعة، وابتسامة حزينة...تجلسُ القُرفصاء، على جانب السّرير الخشبي الأيسر، تتلو عبر كتابها المُقدّس، آيات ألم مُتكرّر...
(1)
لطالما كانت وحيدة، حتى حين كان هنا، لا تذكر لوجوده عنوانا سوى لعنات لسان، وزلاّت جسد، وقسوة استثنائية. لكنّها صبرت وجالدت القسوة باللّين والحِلْم..
يهجرها فتتودّده، يخونها فتصونه، يُهمِلها فتهتم بكل تفاصيله. عاتبها القريب والبعيد، لاموا فيها طيبة غلّفها الذلّ في عيونهم وعينيه، لكنّها ما كانت لتُغيِّر في شريعة السّماح خاصتها من شيء..
تتذكر دوما ذلك اليوم الذي، عاد فيه كما اعتاد مخمورا شبه فاقد للوعي، يترنّح راقصا للموت. تتذكّر حين تركت طفلها الرضيع نائما على سريرها البارد، لتُرحب بجثته النتنة، تحتضنه في استماتة شديدة منها للحفاظ على صورة الرجل فيه، ثم تتذكّر كيف رمى بها بعيدا، في استماتة أشد لقتل المرأة فيها..خالطت الدّموع منها زفراته الباردة المثقلة برائحة الخطيئة، وهو يأمُرها في حزم، أن ابتعدي...لا أريدك...
(2)
سافر في مهمة طويلة، تاركا إيّاها مرّة أخرى، تُصارع ذئاب الزّمن، لتعود كلّ ليلة إلى دفترها الأسود، تبثّه شكواها حرفا دامعا، أو إلى كتابها المُقدّس تدفن حزنها فيه تلاوة أو دُعاء ترتعد له أكفّها النحيلة الموجهة نحو السماء...
تستتر خارج المنزل خوفا من مشروع رذيلة، وتعيش داخله كعاكفة زاهدة، لا تُمني النفس إلا عودة زوج ما زادها بعاده إلا لينا وطيبة، وما زاده إلا استهتارا وقسوة..وتصبر، حين تُبصر وحيدها يلهو ضاحكا، تصبر، وهي ترسم ابتسامة راضية على محياها، والقلب دامٍ شقّه الحزن، وتلتهي بكلّ شيء عن نفسها، عن هذا الجسد اللعين...
يراودها شيطان الاحتياج على حين غرّة...ويتلوّى جسدها المحموم ألهبته سياط الإهمال، ونهشته سهام الوحدة. لترفع صلوات الاستغفار كمن سفك دما، وتبكي...وحيدة تبكي، أن لا طاقة لها على الصبر إلا بالبكاء.
(3)
لم تكابد عناء الشرح لأحد، واستمرت صابرة، تُجالد صقيع الزمن بالدعاء..تقضي يومها وحيدة، وتنام ليلها وحيدة، وحين تشتدّ حلكة الأيام عليها، ترتمي في حضن زاوية الغرفة، تعانق دفترها الأسود، وتكتب، بلا انقطاع،تكتب آلاف الحروف.
كبُر الصغير، لا يدري من همّ أمّه شيئا، فصورة الأب لم تخدشها كلمة، كبُر ليهجر هو الآخر حُضنها، ليبثّها صقيعا سبقه صقيع، ليرسم خريطة جديدة لعالمها الميت، لا وصال فيه إلا نادرا...
كيف له أن يفهم أن أمّه المبتسمة الضاحكة تلك، روح أثقلها ظلم زمن ماض؟؟؟، زمن قيل فيه إنها زوجة، لكنها لم تكن، كانت جسدا يُستباح حين ينفذ ثمن الرذيلة من جيب رجل..
نعيمة مبارك زكي
قصة للنقد، مع التحية...
جسد أبيض نحيل، بعيون عسلية لامعة، وابتسامة حزينة...تجلسُ القُرفصاء، على جانب السّرير الخشبي الأيسر، تتلو عبر كتابها المُقدّس، آيات ألم مُتكرّر...
(1)
لطالما كانت وحيدة، حتى حين كان هنا، لا تذكر لوجوده عنوانا سوى لعنات لسان، وزلاّت جسد، وقسوة استثنائية. لكنّها صبرت وجالدت القسوة باللّين والحِلْم..
يهجرها فتتودّده، يخونها فتصونه، يُهمِلها فتهتم بكل تفاصيله. عاتبها القريب والبعيد، لاموا فيها طيبة غلّفها الذلّ في عيونهم وعينيه، لكنّها ما كانت لتُغيِّر في شريعة السّماح خاصتها من شيء..
تتذكر دوما ذلك اليوم الذي، عاد فيه كما اعتاد مخمورا شبه فاقد للوعي، يترنّح راقصا للموت. تتذكّر حين تركت طفلها الرضيع نائما على سريرها البارد، لتُرحب بجثته النتنة، تحتضنه في استماتة شديدة منها للحفاظ على صورة الرجل فيه، ثم تتذكّر كيف رمى بها بعيدا، في استماتة أشد لقتل المرأة فيها..خالطت الدّموع منها زفراته الباردة المثقلة برائحة الخطيئة، وهو يأمُرها في حزم، أن ابتعدي...لا أريدك...
(2)
سافر في مهمة طويلة، تاركا إيّاها مرّة أخرى، تُصارع ذئاب الزّمن، لتعود كلّ ليلة إلى دفترها الأسود، تبثّه شكواها حرفا دامعا، أو إلى كتابها المُقدّس تدفن حزنها فيه تلاوة أو دُعاء ترتعد له أكفّها النحيلة الموجهة نحو السماء...
تستتر خارج المنزل خوفا من مشروع رذيلة، وتعيش داخله كعاكفة زاهدة، لا تُمني النفس إلا عودة زوج ما زادها بعاده إلا لينا وطيبة، وما زاده إلا استهتارا وقسوة..وتصبر، حين تُبصر وحيدها يلهو ضاحكا، تصبر، وهي ترسم ابتسامة راضية على محياها، والقلب دامٍ شقّه الحزن، وتلتهي بكلّ شيء عن نفسها، عن هذا الجسد اللعين...
يراودها شيطان الاحتياج على حين غرّة...ويتلوّى جسدها المحموم ألهبته سياط الإهمال، ونهشته سهام الوحدة. لترفع صلوات الاستغفار كمن سفك دما، وتبكي...وحيدة تبكي، أن لا طاقة لها على الصبر إلا بالبكاء.
(3)
لم تكابد عناء الشرح لأحد، واستمرت صابرة، تُجالد صقيع الزمن بالدعاء..تقضي يومها وحيدة، وتنام ليلها وحيدة، وحين تشتدّ حلكة الأيام عليها، ترتمي في حضن زاوية الغرفة، تعانق دفترها الأسود، وتكتب، بلا انقطاع،تكتب آلاف الحروف.
كبُر الصغير، لا يدري من همّ أمّه شيئا، فصورة الأب لم تخدشها كلمة، كبُر ليهجر هو الآخر حُضنها، ليبثّها صقيعا سبقه صقيع، ليرسم خريطة جديدة لعالمها الميت، لا وصال فيه إلا نادرا...
كيف له أن يفهم أن أمّه المبتسمة الضاحكة تلك، روح أثقلها ظلم زمن ماض؟؟؟، زمن قيل فيه إنها زوجة، لكنها لم تكن، كانت جسدا يُستباح حين ينفذ ثمن الرذيلة من جيب رجل..
نعيمة مبارك زكي
قصة للنقد، مع التحية...
تعليق