غيابٌ قسري/ أحمد عيسى

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • أحمد عيسى
    أديب وكاتب
    • 30-05-2008
    • 1359

    غيابٌ قسري/ أحمد عيسى

    غيابٌ قسري /



    سمراء تشبه كل شيء ، تشابه الليل حين يتسلل بليونة ، أو حين ينقض فجأة ، فيضاجع هدأة النهار ، دائماً ترتبط بالليل ، بالغروب ، بالأفول، دائماً أعرف أنها لن تبقى طويلاً معي ، كنت كلما رأيت رقتها قلت لنفسي : هذه الفاتنة خلقت .. لتموت .
    تستفزني عيناها ، نظراتها غريبة عني ، راقبت سطوع الحياة في عينيها ، قالت لي حين اشتد الوجع :
    - اتركني يا شريف .
    وقلت حين زاد البعد عن الحد :
    - فكيف أفعل يا من امتلكت الروح ؟
    ولم ترد ، لكني اقتربت لمسافة أكبر من المسافة الآمنة ، صرت قريباً لدرجة وقوع حوادث خطيرة جداً . مسافة يستحيل عندها ايقاف مركبتك .
    الدموع تتزاحم في عينيها ، تبلل وجنتيها ، هل قلت لكم أنها سمراء ؟ فلِمَ يتورد خداها كأنها عروسٌ في ليلة زفافها تجالس رفيق العمر لأول مرة ؟ عذراء تكشف عن سرها ، تتعرى للمرة الأولى . رأيت حسنها وعريها دون أن تنزع قطعة واحدة ، اقتحمت ممالكها دون أن ألمسها ، دخلت إلى أعمق أعماقها بمجرد قبلة !
    قبلةٌ كانت كفيلة بإسقاط كل حصونها ودفاعاتها ، وبخروجها من عذريتها وحيائها ، قبلة جعلتها تنساب إلى عروقي دفعة واحدة ، كأنني ابتلعتها فجأة . تلك امرأة لم أحبها بالتدريج ، بل ابتلعتها كأنها قرص فيتامين أو حبة مسكن يجعلك رغم أنفك مدمناً ، فهل تظن بإمكاني مغادرتها ؟
    القبلة لم تستمر كما ظننت أنت ! بلها كانت خاطفة كأنها البرق ، كأنني اقتطفت قطعة من الجنة بغتة ، وفررت قبل أن تلاحقني عيون ملائكة السماء ، وهبطت للأرض دفعة واحدة ، المسافات اختزلتها في ثانية واحدة ، ما بين شفاهك أو لا شفاهك عالم كامل ، أجتازه في ثوان .
    تركتها تنساب من بين ذراعي ، تتراجع ، وصدى كلمتها لم يزل بعد :
    - اتركني يا شريف .
    - أولم أفعل ؟
    تشيح بوجهها : لا يكفي أن تعطيني حريتي !
    أبتسم : فماذا أفعل اذن ؟
    تقترب مني مرة أخرى ، حد اقتحام نقطة الخطر ذاتها ، تطرق برأسها وعينيها ترمقني مرة واحدة ، نظرة واحدة كانت كفيلة بزلزلتي : أرغمني .
    أحتضنها : لا أستطيع .
    تغوص بين ذراعي : حاول
    وأعتصرها أكثر : سأحارب من أجلك ، ولن أتركك ، يكفيني أنتِ .
    تتمتم : ووالديَ ، والأعمام ، والجيران ...
    وأكمل : والأحياء والأموات ، كل الناس لن يحولوا بيننا . أنت لي مهما قلتِ ، لن يحول بيننا إلا أن تقرري أنتِ أن تتركيني .
    تذوب من بين ذراعي ، كأنها كانت محض سراب ، ولا تطاردني إلا ابتسامة عذبة لا تفارقها .
    *******
    الموجة الأولى تطارد سابقاتها ، قرص الشمس استغل فرصة صفاء السماء لينقض على البحر ، الأصفر الذهبي ضرب ريشته على الماء فحوله ذهبا ، على الشاطئ قصور رمال بنتها نازك الملائكة ، وأبيات شعر للبياتي تتقافز فوق الحصى والرمال ، قال الموج للموج :
    -أتراه يعانق وهماً ؟
    فقال الموج : بل يعانق الحب الذي لم يفارق .
    تستمر الحياة بوتيرتها ، وهو جالس يحتضن البحر ، والحب ، والحياة.
    سمراء كانت رفيقة مجلسه ، أنامله تحتضن أناملها ، شفتاه تحتضن شفتيها ، يعتب البحر ، يزأر الليل ، ينقطع الصدى ،
    كان البحر هو الشاهد ، وبين ثناياه احتضن الشاهد !
    - اتركني يا شريف .
    وبين الصدى والصدى .
    - أرغمني .
    ويزداد البحر غربة ، ويزداد الليل وحشة ، ويصبح الصوت أبكمَ ، والرمل صامتاً كالوطن .
    *****
    ” ينبغي للإنسان ألاّ يكتب إلاّ إذا تـرك بضعة من لحمه في الدّواة كلّما غمس فيها القلم” تولستوي
    [align=center]أمــــوتُ .. أقـــــاومْ [/align]
  • ربيع عقب الباب
    مستشار أدبي
    طائر النورس
    • 29-07-2008
    • 25792

    #2
    سمراء كانت رفيقة مجلسه ، أنامله تحتضن أناملها ، شفتاه تحتضن شفتيها ، يعتب البحر ، يزأر الليل ، ينقطع الصدى ،
    كان البحر هو الشاهد ، وبين ثناياه احتضن الشاهد !
    - اتركني يا شريف .
    وبين الصدى والصدى .
    - أرغمني .
    ويزداد البحر غربة ، ويزداد الليل وحشة ، ويصبح الصوت أبكمَ ، والرمل صامتا كالوطن .

    جميل هذا الفيض صديقي
    و هذا الرقص المبهج و الماتع
    في هذا الجزء الذي اجتزأته كانت بعض زلات
    شكرا احمد الجميل على هذه الوجبة الشهية

    محبتي


    sigpic

    تعليق

    • عبير هلال
      أميرة الرومانسية
      • 23-06-2007
      • 6758

      #3
      الله عليك ما أروعك وأبهاك... لي أكبر شرف بكوني أول من تقرأها وتندمج معها ... كنت هنا لأستمتع بهذه اللوحات الفنية المذهلة ... رمضان كريم
      sigpic

      تعليق

      • محمد فطومي
        رئيس ملتقى فرعي
        • 05-06-2010
        • 2433

        #4
        كذلك هو الكاتب البارع، كلّما اقتحم رافدا من روافد الدّلالة و اختيارا أدبيّا لفلقها، إلاّ غاور و أبدع فيه.
        أراك هنا جرّبتَ الرّسم بالشّجن و العاطفة. اختيار مُوفّق مادام خصب الأنثى و حضورها المُشتهى المحكوم بالتّلاشي و الغياب لفرط شبهها بالّليل، قد خلص بك إلى سُمرة أرض الوطن و معزّتها..

        كتبتَ بأسلوب رفيع المستوى ضمن ما ارتأيته من منحى.
        تقبّل تحيّاتي و محبّتي الخالصة صديقي أحمد عيسى.
        مدوّنة

        فلكُ القصّة القصيرة

        تعليق

        • حسن لختام
          أديب وكاتب
          • 26-08-2011
          • 2603

          #5
          رائع هذا المزج بين قوة الفكرة وسعة الخيال وبهاء اللغة
          شكرا لك، أخي المبدع أحمد عيسى على متعة القراءة
          محبتي

          تعليق

          • أحمد عيسى
            أديب وكاتب
            • 30-05-2008
            • 1359

            #6
            المشاركة الأصلية بواسطة ربيع عقب الباب مشاهدة المشاركة
            سمراء كانت رفيقة مجلسه ، أنامله تحتضن أناملها ، شفتاه تحتضن شفتيها ، يعتب البحر ، يزأر الليل ، ينقطع الصدى ،
            كان البحر هو الشاهد ، وبين ثناياه احتضن الشاهد !
            - اتركني يا شريف .
            وبين الصدى والصدى .
            - أرغمني .
            ويزداد البحر غربة ، ويزداد الليل وحشة ، ويصبح الصوت أبكمَ ، والرمل صامتا كالوطن .

            جميل هذا الفيض صديقي
            و هذا الرقص المبهج و الماتع
            في هذا الجزء الذي اجتزأته كانت بعض زلات
            شكرا احمد الجميل على هذه الوجبة الشهية

            محبتي


            أستاذي القدير ، الأديب المبدع الكبير : ربيع عقب الباب

            اشتقت اليك أستاذي ، وقد أحببت نصي هذا لأنه جاء بطيفك هنا ، فكما عودتنا أنت تقتنص أجمل ما في النص ، وتقرأ ما بين السطور ، ويكبر النص كثيرا حين يزدهي بحضورك .

            شكراً لك ، وأتمنى أن تكون بخير حال ، وشكراً أيضاً على ملاحظتك ، فقد تسرعت بالنشر كعادتي كلما كتبت نصاً جديداً ، وقد تم التعديل بناءً على توجيهك .

            مودتي الكبيرة
            ” ينبغي للإنسان ألاّ يكتب إلاّ إذا تـرك بضعة من لحمه في الدّواة كلّما غمس فيها القلم” تولستوي
            [align=center]أمــــوتُ .. أقـــــاومْ [/align]

            تعليق

            • آسيا رحاحليه
              أديب وكاتب
              • 08-09-2009
              • 7182

              #7
              الله ..
              كنت جميلا جدا هنا أخي أحمد عيسى..
              شفيفا و حالما كأنّك تحلّق باللغة ..
              تحياتي لك .
              يظن الناس بي خيرا و إنّي
              لشرّ الناس إن لم تعف عنّي

              تعليق

              • ربيع عقب الباب
                مستشار أدبي
                طائر النورس
                • 29-07-2008
                • 25792

                #8
                المشاركة الأصلية بواسطة أحمد عيسى مشاهدة المشاركة
                أستاذي القدير ، الأديب المبدع الكبير : ربيع عقب الباب

                اشتقت اليك أستاذي ، وقد أحببت نصي هذا لأنه جاء بطيفك هنا ، فكما عودتنا أنت تقتنص أجمل ما في النص ، وتقرأ ما بين السطور ، ويكبر النص كثيرا حين يزدهي بحضورك .

                شكراً لك ، وأتمنى أن تكون بخير حال ، وشكراً أيضاً على ملاحظتك ، فقد تسرعت بالنشر كعادتي كلما كتبت نصاً جديداً ، وقد تم التعديل بناءً على توجيهك .

                مودتي الكبيرة
                أمسكت قلبك الطائر بقبضتي
                ثم قبلته أحمد
                و أطلقته للفضاء !

                أحبك كثيرا أحمد
                كل سنة و أنت طيب
                التعديل الأخير تم بواسطة ربيع عقب الباب; الساعة 02-08-2013, 10:21.
                sigpic

                تعليق

                • أحمد عيسى
                  أديب وكاتب
                  • 30-05-2008
                  • 1359

                  #9
                  المشاركة الأصلية بواسطة عبير هلال مشاهدة المشاركة
                  الله عليك ما أروعك وأبهاك... لي أكبر شرف بكوني أول من تقرأها وتندمج معها ... كنت هنا لأستمتع بهذه اللوحات الفنية المذهلة ... رمضان كريم
                  الزميلة الغالية : عبير هلال

                  أنت الأروع والأكثر بهاءً وبكل تأكيد وجودك هنا يشرفني ، ورأيك يسعدني

                  شكراً لك بحجم قلبك الكبير

                  تقديري وخالص مودتي
                  ” ينبغي للإنسان ألاّ يكتب إلاّ إذا تـرك بضعة من لحمه في الدّواة كلّما غمس فيها القلم” تولستوي
                  [align=center]أمــــوتُ .. أقـــــاومْ [/align]

                  تعليق

                  • جلال داود
                    نائب ملتقى فنون النثر
                    • 06-02-2011
                    • 3893

                    #10
                    الأستاذ أحمد عيسى
                    تحياتي وتقديري لك
                    قصة من النوع الذي يجعلني أقرأ خمسة أسطر ثم أرجع للبداية وأواصل وأعود وهكذا دواليك ، بل يمكنني القول بأنها قراءة صعودا ونزولا بشكل ( قسري ) كغيابك هذا الذي يجعل من الذين طالهم الغياب يوما يكررون ورائك ( أرغمني ).
                    أغبطك أستاذ أحمد على هذه القريحة.

                    أما هنا :

                    - اتركني يا شريف .
                    - أولم أفعل ؟
                    تشيح بوجهها : لا يكفي أن تعطيني حريتي !


                    وصْفٌ ديجيتالي لموقف لا يستطيع الكثيرون وصْفه حين يفارقون نفس الموقف، والبعض لا يستطيع تذكّر تداعياته أو حتى ماذا قال وماذا سمع.
                    دمتم

                    تعليق

                    • ريما ريماوي
                      عضو الملتقى
                      • 07-05-2011
                      • 8501

                      #11
                      نص مشحون بالعاطفة الرومانسية الجميلة ..
                      يزرع الأمل حيث لا أمل .. سعدت بمتابعة حرفك..
                      الجملة التالية تحتاج مراجعتك:
                      بلها كانت
                      شكرا لك، تحية وتقدير.


                      أنين ناي
                      يبث الحنين لأصله
                      غصن مورّق صغير.

                      تعليق

                      • عبدالرحيم التدلاوي
                        أديب وكاتب
                        • 18-09-2010
                        • 8473

                        #12
                        استمتعت حقا
                        جمال اللغة، روعة الأسلوب، جمال الصوغ..و حلاوة السرد، إضافة إلى عمق المعنى..
                        دمت رائعا
                        مودتي

                        تعليق

                        • ريمه الخاني
                          مستشار أدبي
                          • 16-05-2007
                          • 4807

                          #13
                          السلام عليكم وشكرا لدعوتي للقراءة.بناء هي قصة لكنها تنتمي للخاطرة القصصية لاننا لم نلمس حدثا ديناميكيا.
                          كل التقدير والدعوات بالتوفيق.

                          تعليق

                          • عائده محمد نادر
                            عضو الملتقى
                            • 18-10-2008
                            • 12843

                            #14
                            الزميل القدير
                            أحمد عيسى
                            وكم أحببتك وأنت عاشق
                            أحب العشاق والعاشقين
                            أعشق كل فصولهم
                            كان بودي أن تقول ( اتركني شريف ) بدون ال ( ياء ) لأني أراها ثقيلة على كل هذا الزخم العشقي
                            وهيأ لي أني رأيتني بين السطور وكأنني كنت معهما أرصد كل هذا الحب، لا لم يكن حبا بل هياما
                            وأنا أهيم بمثل هؤلاء
                            أذوب معهم لأني أحب الحب
                            أحب حبهم
                            أحب هذا الشوق
                            وهل تكفي قبلة أن تكون ميزانا لكل هذا
                            أتصور نعم
                            تحياتي ومحبتي لك أحمد فقد أحببت النص وكل مافيه
                            الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

                            تعليق

                            • غالية ابو ستة
                              أديب وكاتب
                              • 09-02-2012
                              • 5625

                              #15
                              [gdwl]الموجة الأولى تطارد سابقاتها ، قرص الشمس استغل فرصة صفاء السماء لينقض على البحر ،
                              الأصفر الذهبي ضرب ريشته على الماء فحوله ذهبا ، على الشاطئ قصور رمال بنتها نازك الملائكة
                              ، وأبيات شعر للبياتي تتقافز فوق الحصى والرمال ، قال الموج للموج :
                              -أتراه يعانق وهماً ؟
                              فقال الموج : بل يعانق الحب الذي لم يفارق .
                              تستمر الحياة بوتيرتها ، وهو جالس يحتضن البحر ، والحب ، والحياة
                              [/gdwl]



                              الأخ الأديب القدير أحمد عيسى--حفظك الله

                              السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

                              قصة لا أراها بهذه الصورة المباشرة التي تجلت بها

                              فالأسماء التي وردت والأوصاف توحي اليّ بالكثير

                              الغياب القسري-----السمراء التي تتورد في لحظة التجلي
                              الغروب والأفول

                              شريف----وللاسم حتماً مدلوله

                              وذوبانهما حدّ الانصار------ثم مفردة السراب

                              البحر شاهد ---- وراح فيه شاهد

                              الموج الصاخب-------أتراه يعانق وهماً؟

                              بل يعانق الحب الذي لم يفارق!

                              على الشاطئ قصور رمال


                              أؤمن بأن للعشق صورة ذات مدلول متشعب-والعاشق لا يكون الا العاشق
                              مهما كان لون عشقه----------لمحبوب---لوطن -----لقضية ومبدأ---لأي شيء
                              يحبه------أكثر المحاربين عشاقاً---وأكثر العشاق بمباديء وأرى شريف منهم
                              وأحس هنا بعشق لا يمكن الا أن يكون عظيماً
                              وتستمر الحياة بوتيرتها-----وهو يحضن البحر!
                              والحب والحياة

                              أحييك على ما جاد به قلمك--من نبض متحد للقارئ
                              المتحري لما وراء الكلمة من أحداث ومعان
                              هذه رؤيتي والله أعلم بما قصد الأديب---لكن أجمل المواضيع
                              الأكثرها ايحاءات------شكرا وسلم اليراع والفكر

                              احترامي

                              وكل عام وأنت بخير


                              يا ســــائد الطيـــف والألوان تعشــقهُ
                              تُلطّف الواقـــــع الموبوء بالسّـــــقمِ

                              في روضــــــة الطيف والألوان أيكتهــا
                              لـــه اعزفي يا ترانيــــم المنى نـــغمي



                              تعليق

                              يعمل...
                              X