ركبت الحافلة العمومية ذاهابا إلى مقر عملي، كانت خالية من المقاعد كما لو كانت درداء أصيبت بلعنة الزمن، غير أنها كانت مزودة بمكيفات منعشة تعطر المكان الغاص بالركاب، بالروائح العطرة و الأنسام المنعشة، تمكنت ، بذلك، من نزع فتيل الاحتجاج، ألقيت نظرة على باقي الحافلات، كانت مشابهة لوضعيتنا، بل كان الإقبال عليها منقطع النظير..
لم يتذمر أي واحد من الركاب، بل كان الجميع صامتا عن الكلام المباح و غير المباح، من طلوع الشمس إلى غروبها؛ صمت ضاج بالرضا، و قبول الوضع بحب، و كان الاحتكاك غير مولد للاحتقان أو سببا في تفجير الشجارات، بل عده البعض نضالا في سبيل تخفيف الأجساد من ثقل الرغبات، و طريقة ذكية من أجل نزع فتيل الخصامات المعهودة المتكرر حدوثها قبل وقوع حدث الجزرة العظيم..كن يؤدين المهمة بطواعية و حس إنساني رفيع، لا يرجون مقابلا ماديا، فكل عطائهن مجاني لخير العباد و البلاد..
حدث عد فلتة زمانية لا يجود بها الدهر إلا مرة واحدة لا تتكرر، ينهض بها مؤمنون عاهدوا أنفسهم على الاتيان بكل ما هو جديد يوسع من دائرة المباح و يقلص من دائرة الخنق غير المتاح..فكان من حق هاته الفئة المجاهدة، و هي قليلة، إنزال الرحمات عليها ، و تعطيرها بالشكر الجزيل، و كذلك كان، و البرهان كثرة زبائن الحافلات..
و كانت الحافلة، على ثقل حمولتها تمشي متبخترة على أنغام الدندنات السفلية..و ما هي إلا لحظات حتى أحسست بجسم لدن، طري و متماسك يداعبني، استسلمت للأمر برضا و امتنان، و سرت في هذا الطريق حتى النهاية*..
لما وصلت، و كان الجو رائقا، لاحظت نظرات سائقي سيارات الأجرة الشزراء تكاد تحرق الحافلات و الركاب بنار شواظها، إذ كانوا يعانون عطالة قهرية، بل لاحظت منهم من سارع إلى ركوب الحافلة، تاركا سيارته إلى ما بعد صلاة المغرب..
في مقر عملي، أخذت دشا باردا، أزال عني تعب الطريق و لعنة الازدحام..و اتخذت مكاني بمكتبي، و انكببت على أداء شغلي، بهمة و نشاط و جدية، كما بقية الموظفين، و الحق يقال، كانوا جميعا مبتسمين، تعلو محياهم علامات الرضا و الحبور، و ترفرف في سمائهم طيور الفرح و السرور.. و كان المواطنون راضين عن أداء واجباتنا، كل واحد ينجز له شغله، يرفع أكفه و يدعو لنا، و لأبي جزرة، بالخير و الفلاح و طول العمر.. لم يكن الاستثناء في هذا الكورال المتناغم سوى المدير الذي كان يدخل مكتبه الفخم بانفعال واضح..
فحين يوصله السائق بسيارة العمل، يرمقنا بنظرات غاضبة و يصفق الباب خلفه بقوة، يظل سجين مكتبه سويعات، ثم يخرج سريعا و كأن النار قد اشتعلت بمكتبه توا، يبغي النجاة، يقله السائق من جديد إلى منزله، ليتمدد على الكنبة يتابع برامج التلفزة في غير ما اشتهاء في انتظار أذان المغرب، حيث يتحرر من ضغطه الزائد بالتهام الطعام بشراهة منقطعة النظير..و ينام سعيدا يحلم بحافلة غاصة بالصبايا يكون فيها الذكر الوحيد..
*طبعا احترست حتى لا يقع لي ما وقع لبطل " في المتجر ".انظر النص المنشور هنا بهذا العنوان.
لم يتذمر أي واحد من الركاب، بل كان الجميع صامتا عن الكلام المباح و غير المباح، من طلوع الشمس إلى غروبها؛ صمت ضاج بالرضا، و قبول الوضع بحب، و كان الاحتكاك غير مولد للاحتقان أو سببا في تفجير الشجارات، بل عده البعض نضالا في سبيل تخفيف الأجساد من ثقل الرغبات، و طريقة ذكية من أجل نزع فتيل الخصامات المعهودة المتكرر حدوثها قبل وقوع حدث الجزرة العظيم..كن يؤدين المهمة بطواعية و حس إنساني رفيع، لا يرجون مقابلا ماديا، فكل عطائهن مجاني لخير العباد و البلاد..
حدث عد فلتة زمانية لا يجود بها الدهر إلا مرة واحدة لا تتكرر، ينهض بها مؤمنون عاهدوا أنفسهم على الاتيان بكل ما هو جديد يوسع من دائرة المباح و يقلص من دائرة الخنق غير المتاح..فكان من حق هاته الفئة المجاهدة، و هي قليلة، إنزال الرحمات عليها ، و تعطيرها بالشكر الجزيل، و كذلك كان، و البرهان كثرة زبائن الحافلات..
و كانت الحافلة، على ثقل حمولتها تمشي متبخترة على أنغام الدندنات السفلية..و ما هي إلا لحظات حتى أحسست بجسم لدن، طري و متماسك يداعبني، استسلمت للأمر برضا و امتنان، و سرت في هذا الطريق حتى النهاية*..
لما وصلت، و كان الجو رائقا، لاحظت نظرات سائقي سيارات الأجرة الشزراء تكاد تحرق الحافلات و الركاب بنار شواظها، إذ كانوا يعانون عطالة قهرية، بل لاحظت منهم من سارع إلى ركوب الحافلة، تاركا سيارته إلى ما بعد صلاة المغرب..
في مقر عملي، أخذت دشا باردا، أزال عني تعب الطريق و لعنة الازدحام..و اتخذت مكاني بمكتبي، و انكببت على أداء شغلي، بهمة و نشاط و جدية، كما بقية الموظفين، و الحق يقال، كانوا جميعا مبتسمين، تعلو محياهم علامات الرضا و الحبور، و ترفرف في سمائهم طيور الفرح و السرور.. و كان المواطنون راضين عن أداء واجباتنا، كل واحد ينجز له شغله، يرفع أكفه و يدعو لنا، و لأبي جزرة، بالخير و الفلاح و طول العمر.. لم يكن الاستثناء في هذا الكورال المتناغم سوى المدير الذي كان يدخل مكتبه الفخم بانفعال واضح..
فحين يوصله السائق بسيارة العمل، يرمقنا بنظرات غاضبة و يصفق الباب خلفه بقوة، يظل سجين مكتبه سويعات، ثم يخرج سريعا و كأن النار قد اشتعلت بمكتبه توا، يبغي النجاة، يقله السائق من جديد إلى منزله، ليتمدد على الكنبة يتابع برامج التلفزة في غير ما اشتهاء في انتظار أذان المغرب، حيث يتحرر من ضغطه الزائد بالتهام الطعام بشراهة منقطعة النظير..و ينام سعيدا يحلم بحافلة غاصة بالصبايا يكون فيها الذكر الوحيد..
*طبعا احترست حتى لا يقع لي ما وقع لبطل " في المتجر ".انظر النص المنشور هنا بهذا العنوان.
تعليق