وغربت شمس اليوم الثامن

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • حارس الصغير
    أديب وكاتب
    • 13-01-2013
    • 681

    وغربت شمس اليوم الثامن

    وغربت شمس اليوم الثامن
    =====
    قالت العرافة :
    - انتظروه عند غروب شمس اليوم الثامن..
    أدمعت عينا أمي،وأزاحت ثديها الفارغ من اللبن عن فم أخي ثم أسندت رأسها إلي ضلفة باب المنزل،وقالت بصوت متهدج :
    - أثق
    في كلامها،وتجاربها السابقة خير دليل .
    ونهضت العرافة مسرعة،وكانت ترتدي ثيابا زرقاء مزركشة،وتضع صرة كبيرةعلي رأسها،وأسرعت خلفها،وأمسكت طرف ثيابها،وسألتها بلهفة وإلحاح :
    - هل صحيح سيعود الغائب؟
    رمقتني بنظرة حادة،ومضت في طريقها دون أن تنطق.
    أقبل اليوم الأول،وقالت أمي محذرة :
    - لا تذهب بأخيك بعيدا،فهناك لص يخطف الأطفال الصغار .
    دارت في عقلي الصغيرأفكارمخيفة،وتخيلت اللص يذبحنا خلف صخرة نائية بسكين حادة،ثم يطهو لحمنا ويأكله،غيرأن طعم اللحم كان مرا.
    أمسكت يد أخي،وتسلقنا شجرةعجوزا خارج المنزل،وبحثنا عن أعشاش العصافير،فوجدناها ميتة،ويبست أغصان الشجرة،وذبلت أوراقها،وألقت بها بعيدا ثم قذفت بنا في أرض وحلة كانت نهراعذبا رحلت عنه الأسماك.
    تلطخت ثيابناالممزقة بالوحل،فألفيت وجه أمي غاضبا ينظرألينا بقسوة وينهرنا : "من أين أتي لكما بثياب أخري" ،ولابد إنها ستضربنا . أحدقت القرية بنظرة حانقة،فكانت ذابلة العروق،وفارقتها الحياة .
    وفي اليوم الثاني،قالت أمي بلهجة أمرة :
    - اذهبا
    لتعملا مع أبيكما .
    تذكرت
    وجه صاحب الأرض الغاضب،وشاربه الكث،وعصاه الصغيرة التي دوما ماتضع بصمتها فوق أجسادنا . وتذكرت ابنه السمين الذي دائما ما يتشاجرمعنا،ويسخر منا ويعايرنا بملابسه الجديدة ولعبه الكثيرة . فأقسمت بأني لو رأيته لأضربه ضربا مبرحا،ثم أقتل أباه . قلت لأخي :
    - هيا نتسابق .
    - أنت كبير،وأقدامك كبيرة وستسبقني مثل كل مرة .
    قلت له مداعبا :
    - سأبطئ
    من جري حتى تسبقني .
    صاح بسعادة شديدة :
    - صحيح
    !!
    - صحيح
    .
    وتسابقنا حتى وصلنا إلي الحقل،وقد سبقته كالعادة،فحزن مني،وقال بأنه لن يكلمني بعد اليوم .
    وجدنا
    صاحب الأرض وابنه جالسين يتابعان الأنفار،وقد اعتلت صيحاتهما بالتهديد والوعيد لمن لايعمل بجد. وكان أبونا منكباعلي فأسه يضرب بها في الأرض بقوة،وقد ربط خاصرته بقميص أزرق ممزق بانت له ساقاه الرفيعتان .
    ورآنا ابن صاحب الأرض،ونظر إلينا نظرة هازئة ثم نهض واقترب منا،وقال ساخرا :
    -
    لاعمل لكما هنا،وسأطرد أباكم .
    رمقته بنظرة حانقة،وودت لو أصفعه :
    - سأضرب أباكم .
    صفعته علي وجهه،فصرخ باكيا،ثم اندفع أبوه نحونا،وضربنا بقوة حتى أسال الدماء من وجهينا،بينما ظل أبونا ساكنا ينظر إلينا في حسرة وألم .
    قفزنا
    في الهواءغضبا،وضربنا الأرض بأقدامنا الصغيرة،فغضبت وأقسمت بأنها لن تثمر بعد اليوم .
    وفي اليوم الثالث،نادي ميكرفون الجامع :
    - مطلوب
    أنفارللعمل بالعراق .
    شددت أمي علي أبي :
    - بسرعة ...العدد المطلوب قليل .
    هرع أبي مسرعا،ولكزت أخي في قدمه،وأسرعنا خلفه .
    واكتظ
    الجامع بالمصلين علي غيرعادته،ففرحت وقلت لأخي :
    - النهاردة العيد!!
    رمقنا
    رجل يرتدي بالطو أصفر!ممسكا بعصى صغيرة تحت إبطه،وقال بصوت أجش :
    - أطفالأغبياء .
    خفنا منه،ثم جاءالقطار فركب الرجل صاحب البالطو الأصفر،وتبعه المصلين،ومضي القطاربعيدا.
    وفي اليوم الثالث،حملت كتبي وكراريسي وذهبت إلي المدرسة مليئا بالحماسة والنشاط.وقفت في الطابور منتظراً تحية العلم،بيد أن الناظر استقبلني بابتسامة صفراء،وقال بصوت حاد :
    - لم تدفع المصاريف.
    نظرت إلي الأرض وخرج صوتي واهنا:

    - أمي لا
    تستطيع دفع المصاريف .
    أوجعني بعصاه
    علي ظهري،وطردني من الطابور،وقال بصوت نزق:
    -
    لامكان هنا لأبناءالخادمات .
    غضبت
    ،وأمسكت بقلم رصاص جعلته مدية طعنت بها الناظر،فنظر لي هازئا دون أن ينزف .
    خرجت من المدرسة مسرعا،ونظرات التلاميذ تتابعني متألمة.
    وفي اليوم الرابع،نظرت أمي إلي وجه أختي الذابل،وقالت باكية :
    - أجرة
    الطبيب غالية،وإذا وجدنا أجرة الطبيب،فمن أين لنا بثمن الدواء؟!
    كانت أختي زهرة يافعة في بستان أخضرملئ بالورود،وكان وجهها أبيض مستديرا مختلطا بحمرة خجلة،وكانت حينما تنظرإلي نهديها الصغيرين خلففستان أصفرممزق تغني بصوت عذب أغنية حزينة،وكانت تشاركها العصافيرالغناء .
    وتطلعنا إلي أختي فصار وجهها أصفر ممتقعا. صرخت أمي صرخة مفزعة انطفأت لها أنوارالمنزل . وجاء أهل القرية وحملوا أختي في نعش خشبي،وذهبوا بها إلي أرض نائية،وأهالوا عليها التراب،ونبت فوق التراب زهرأحمر .
    وفي اليوم الخامس،تطلعنا إلي السماء،فوجدنا طائرة صغيرة تحلق بعيدا،فهتفنا :
    - ياطائرة أحضري لنا الغائب .. ولم تسمع الطائرة نداءنا،وتحولت غرابا أسود نعق بصوت قمئ،وأمسك لتوه بفأرصغير؛فتذكرنا الجوع،ورجعنا إلي البيت،وقلنا لأمي :
    - نريد طعام .
    نظرت أمي متجهمة،وأشاحت بيديها ثم أشارت إلي أواني فارغة،وذهبت إلي غرفتها وأغلقت خلفها الباب،وسمعنا نحيبا،وبتنا دون عشاء مثل ليال ماضية .
    وفي اليوم السادس،انطلقت الزغاريد في القرية،فسألت أمي :
    - ما
    الخبر؟
    لم تكترث أمي،وألححت عليها فأجابت ممتعضة :
    - زينب
    بنت احمد المنجد ستتزوج.
    طرقت كلماتها صدري،وأدركت أن الحياة لاتستحق،وتذكرت زينب،وتذكرتوجهها الندي،وفمها الأحمر،وعينيها الخضراوين،وتذكرت حديثها " أحبك،ولن أتزوج أحداغيرك "
    انطلق صوتي يائسا :
    - ومن ستتزوج؟
    أجابتني :
    - ابن
    رجل غني عنده بيت كبير،وتلفزيون وطبق دش وأجهزة كثيرة .
    وجدت نفسي أمسك سكينا أذبح بها شخصا مجهولا دائما ما يتربصبي .
    وفي اليوم السابع،سألت أمي جارتنا :
    - ألم
    تسمع أخبارا جديدة في التلفزيون .
    ثرثرت جارتنا كعادتها،وكانت مكتنزةيطفح لحمهامن تحت الثياب،وأجابت:
    - الحرب دائرة والموتى كثيرون.
    تضايقت أمي،وأردفت جارتنا :
    - قلبي
    معك،فالغائب عزيزعلينا .
    وجمت
    أمي،وأغلقت الباب،ونظرت إلي نفسها في المرآة،فوجدت شعرها صار لونه أبيض . وفي اليوم الثامن،جلست أمي القرفصاء علي أريكتها الملاصقة لباب المنزل،وأحنت وجهها إلي الأمام،وطقطقت بمسبحة في يدها،منتظرة تحقيق نبوءة العرافة عند غروب الشمس. وبعينين واهنتين فقدتا كثيرامن نورهما أخذت تبحث عنا، ثم قالت بصوت واهن ضعيف :
    - انتظرا الغائب عندغروب الشمس .
    اقتربت منها وأخذتها في حضني،وتذكرت وجوها كثيرة رأيناها نبحث فيها عنه مع كل قطار قادم جريا وراء خبر أو إشاعة دون فائدة . ومكثت في حضنها طويلا حتى غربت الشمس وغابت بعيدا..
    وما عاد
    الغائب.
    23/01/2013
    التعديل الأخير تم بواسطة حارس الصغير; الساعة 06-08-2013, 10:41.
  • حسن لختام
    أديب وكاتب
    • 26-08-2011
    • 2603

    #2
    قص ممتع ومشوّق، يختصر حياة.. بكل معاناتها وبؤسها وأحلامها التي لاتتحقّق..راقت لي إضافتك يوم آخر إضافي للأسبوع، لتأكيد عبثية هذا الوجود التافه، والبئيس، والمثقل بالأحزان والإنتظار.. انتظار الذي لايأتي
    محبتي وكل التقدير، أخي حارس الصغير

    تعليق

    • حارس الصغير
      أديب وكاتب
      • 13-01-2013
      • 681

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة حسن لختام مشاهدة المشاركة
      قص ممتع ومشوّق، يختصر حياة.. بكل معاناتها وبؤسها وأحلامها التي لاتتحقّق..راقت لي إضافتك يوم آخر إضافي للأسبوع، لتأكيد عبثية هذا الوجود التافه، والبئيس، والمثقل بالأحزان والإنتظار.. انتظار الذي لايأتي
      محبتي وكل التقدير، أخي حارس الصغير
      الاخ القدير/حسن
      اشكر مرورك الكريم
      محبتي

      تعليق

      • عائده محمد نادر
        عضو الملتقى
        • 18-10-2008
        • 12843

        #4
        الزميل القدير
        حارس الصغير
        الله عليك
        كنت هنا وأبصم بخمسة أصابعي
        نص جميل ومفعم بالروح
        نص جعلني أستنزف كل روحي معه وأنجر بين سطوره
        جميل حارس جميل
        نص تمنيت لو أنه لا ينتهي بكل هذه التساؤلات والغائب
        أحببته جدا وأحببتك أكثر
        فزدنا وأكثر فاليوم مطلوب منك أن تكون أكثر حذرا وأشد حرصا كي تبقى محافظا على مقام نصوصك
        تحياتي ومحبتي لك
        الله عليك وعلى اليوم الثامن
        فلابد أن يكون هذا اليوم مميزا
        الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

        تعليق

        • حارس الصغير
          أديب وكاتب
          • 13-01-2013
          • 681

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة عائده محمد نادر مشاهدة المشاركة
          الزميل القدير
          حارس الصغير
          الله عليك
          كنت هنا وأبصم بخمسة أصابعي
          نص جميل ومفعم بالروح
          نص جعلني أستنزف كل روحي معه وأنجر بين سطوره
          جميل حارس جميل
          نص تمنيت لو أنه لا ينتهي بكل هذه التساؤلات والغائب
          أحببته جدا وأحببتك أكثر
          فزدنا وأكثر فاليوم مطلوب منك أن تكون أكثر حذرا وأشد حرصا كي تبقى محافظا على مقام نصوصك
          تحياتي ومحبتي لك
          الله عليك وعلى اليوم الثامن
          فلابد أن يكون هذا اليوم مميزا
          المبدعة الرائعة/عائدة محمد نادر
          أعتذر عن تأخيري في الرد
          فلقد نسيت أنني وضعت النص هنا
          وكم كانت سعادتي حين قرأت ردك
          فهي بمثابة شهادة أعتز بها وخطوة على تطوير حرفي حتى يليق بقراءتك وبقراءة كل المبدعين هنا
          تحيتي وتقديري

          تعليق

          • بسباس عبدالرزاق
            أديب وكاتب
            • 01-09-2012
            • 2008

            #6
            هل أصمت عندك أم أتكلم
            و ما عساي أتكلم

            جرح هناك و جرح هنا

            جرح في العراق و جرح في قلوب المنتظرين

            سرد ممتع و قص مدهش
            قصة حملت الكثير و الكثير

            ما أن تبدأ القراءة حتى تقع في شرك القص الممتع و اللغة العذبة و الأفكار و التساؤلات
            فتغدو تنتظر غروب الشمس في اليوم الثامن

            و تغدو معلقا مع قلوب المرأة و الولدين


            الأستاذ حارس الصغير

            جميل جدا ما وجدت هنا و أعتذر أن لم أرى نصك قبلا
            أعتذر و بشدة أن فاتتني متعة القص هنا
            و أحمد الله أن دخلت عندك


            تقديري و محبتي أستاذ حارس الصغير
            السؤال مصباح عنيد
            لذلك أقرأ ليلا .. حتى أرى الأزقة بكلابها وقمامتها

            تعليق

            • حارس الصغير
              أديب وكاتب
              • 13-01-2013
              • 681

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة بسباس عبدالرزاق مشاهدة المشاركة
              هل أصمت عندك أم أتكلم
              و ما عساي أتكلم

              جرح هناك و جرح هنا

              جرح في العراق و جرح في قلوب المنتظرين

              سرد ممتع و قص مدهش
              قصة حملت الكثير و الكثير

              ما أن تبدأ القراءة حتى تقع في شرك القص الممتع و اللغة العذبة و الأفكار و التساؤلات
              فتغدو تنتظر غروب الشمس في اليوم الثامن

              و تغدو معلقا مع قلوب المرأة و الولدين


              الأستاذ حارس الصغير

              جميل جدا ما وجدت هنا و أعتذر أن لم أرى نصك قبلا
              أعتذر و بشدة أن فاتتني متعة القص هنا
              و أحمد الله أن دخلت عندك


              تقديري و محبتي أستاذ حارس الصغير
              القدير/بسباس عبدالرازق
              يكفيني حضورك هنا صديقي
              يكفيني عذب كلماتك
              والأجمل هي روحك الجميلة وأخلاقك النبيلة
              تحيتي وتقديري

              تعليق

              يعمل...
              X