الطوفــــــــــــــــــان[align=justify]
لم يكن ينغص على " ر" صفوه سوى شيئين اثنين.. كلمة جارحة وشعور قاتل بالوحدة . وفيما عدا ذلك ، كان يرى حياته تنساب هادئة لا يشوبها شائب ولا يعكرها شيء منذ أن اختار العزلة شعارا وهو يرى انفراط العقد الذي كان يجمعه بإخوته... فهذا يبتلعه الزواج وتستحوذ عليه امرأته فلم يعد يرى إلا كما يرى الهلال . وآخر صرفه انشغاله بعمله الدؤوب عن السؤال . وتلك انساقت إلى رغبة بعلها في عدم الإكثار من الدخول والخروج ، فلا يلتقيها إلا لماما ، وفي المناسبات الدينية التي لم تخل هي الأخرى من عتاب يتعدى في غالب الأحيان حدود اللباقة ، فينقلب إلى حلبة لتبادل اللوم و الاتهامات و لو مزاحا ... لكنه كان يعود بعدها كئيبا ويقبع في شقته مستعيدا كل حوار، متنهدا لتذكر أدنى كلمة قيلت وأريد بها شيء آخر، أو تلميح كان عرضة له .
هل تصدق نبوءة أحد الزملاء الذي استمع لشكواه من تعريض البعض به وقال له :" ستتعذب كثيرا هكذا
وستصير معيشتك ضنكا ." ؟ وأكثر ما يزيد في كآبته ، هذه السلالم القاتمة ، المفضية إلى الطابق السادس حيث ينظر إلى الوجوه الصاعدة النازلة في برود وجمود رهيبين.. لا سلام ولا كلام .. كأفواج من تماثيل قدت من صخر. فيهرع إلى شقته .. هناك ، ينتظر عودة صفية من مدرستها... هي كل ما تبقى له منذ غادرته أمها ، تاركة كل شيء ، عازفة عن كل مطلب .. حتى صفية ، تنازلت عنها كي تنال ، كما قالت ، حريتها بأسرع ما يمكن :".. لا أطيق البقاء مع رجل لا طموح له .. أقرانك يتفقدون كل السبل ويتحينون كل الفرص.. يدارون هذا ويسترضون ذلك .. يقترضون ويقتنون .. يسددون و.. إن عز الأمر يستمهلون.. و أنت ، لا هم لك سوى هذه الصباغة والفرشاة .. لا تسمن ولا تغني من جوع . أصدقت أنك فنان ؟.. انظر حواليك.. من كان صغيرا كبر ، ومن كان ذليلا عز... الكرامة ؟.. من قال لك قبل الأيادي أو توسل خانعا ؟..."
قالت أشياء وأشياء . فجرت مكنوناتها التي ظلت حبيسة صدرها طوال سنوات دون أن يحس يوما بنذيرها . وانطلقت ، فلم يعد يراها . وبكل بساطة لبى رغبتها قبل أن يفيق من الذهول الذي عمه :" الله يسامحك..."
طرق الباب . من يكون الطارق ؟ صفية لديها المفتاح . أدار ظهره للباب و أجال ببصره عبر الشارع الممتد
أسفل العمارة.. سيل من السيارات و الحافلات والشاحنات في زعيق لا ينقطع ، وطوفان من البشر في كل اتجاه وفي حركة دائبة كالنمل :" كم يبدو الإنسان تافها صغيرا . حتى أولئك الذين لا تسعهم الأرض كبرياء ، وتشمخ هاماتهم خيلاء وزهوا ، ويصولون بسيارات أشبه ما تكون بمجنزرات ، حتى أولئك يبدون أقزاما . بل وأقل من أقزام وهم في تهافتهم على قنينات الغاز التي جرفها الطوفان عبر ضفاف النهر."
يقرع الجرس فيحس بالضيق وينهض متثاقلا ليفتح الباب ..." ضيف لله." .. خال نفسه يستمع إلى إحدى حكايات أمه أو أساطير جدته ... ضيف لله ؟ أما زال هناك من يطلب الضيافة لله بين هذه البنايات الإسمنتية ؟ حدثته نفسه برده ردا كريما.. لكنه ليس متسولا.. ودون أن يعي ما يفعل ، فتح الباب على مصراعيه ، مفسحا الطريق أمام الشيخ ذي الجلباب الفضفاض والعمامة الصفراء المشدودة في إحكام :" مرحبا بضيف الله ."
جلسا قبالة بعضهما البعض . ونظر الشيخ حواليه حيث الأوراق والأقلام والصباغة . ثم حملق في رزم من أغلفة الرسائل على مكتب صغير...
- أنا مدرس الرسم... وأهوى المراسلة .
لم يقل إنه يبحث عن أصدقاء عبر العالم ، يبثهم شكواه من وحدته ويأنس بردودهم .
- عفوا.. لا شك أنك قادم من سفر.. سأعد الطعام .
تناهى إليه صوت المفتاح . جاءت صفية أخيرا . دخلت كعادتها هادئة ، صامتة كأنها تعودت على جو البيت الكئيب :
- تعالي يا ابنتي .. عندنا ضيف .. سلمي على عمك .
لاحظ الدهشة تعلو محياها فأشار إليها بحاجبيه .. وحين لحق بها في المطبخ بادرها :
- هذا شيخ يطلب الضيافة .. طبعا لم أستطع الاعتذار .. ملامحه تدل على طيبوبته.. قولي.. هل وضعت الرسائل في صندوق البريد ؟.. والطوابع ؟
أومأت برأسها متنهدة إلى محفظتها على أحد الكراسي ، ثم انشغلت بإعداد الطعام . ربت على كتفيها وعاد ليجد الضيف قد راح في سبات عميق . حدثته نفسه أن يدعوه ليستريح متمددا على السرير، لكنه عدل عن ذلك وهو يرى انبساط أسارير وجهه .. نظر إليه مليا ، فارتاحت نفسه لمنظره وشرد ذهنه فلم يفطن إليه وهو يتنحنح .. بحث عن موضوع يبدأ به الحديث فلم يفلح .. وأنى له ذلك وهو لا يتكلم إلا لماما .. حتى مع صفية.. لا يعدو كلامه معها استفسارا عن سير الدراسة وما أنجزته من تعليمات تخصه . فقال والفتاة تضع الطعام على المائدة :" لا تؤاخذنا .. طعامنا لا يليق بمقدمك.
- لا تقل هذا.. الطعام كله طيب .
ماذا بعد ؟.. آه.. الأمطار الغزيرة.. إفراغ السد.. الطوفان .
- هل رأيت يا سيدي ؟ كأنها القيامة . و غدا تنحسر المياه عن جثث يفوق عددها قنينات الغاز الطافية منها والراسبة في قعر النهر .
- أخيرا عاد الغول إلى معقله .. لم ينتبه الناس لبيضه .
الغول ؟ عم يتكلم ؟ .. انسحبت صفيه في هدوء لكنه استبقاها متسائلا :
- هل تأكدت من وضع الطوابع اللازمة ؟.. لا أدري لم لا تصلني ردود مع أن أولى رسائلي مر على بعثها أكثر من شهر.
وحين انفرد بالشيخ من جديد ، وجد متعة في التحدث عن فنه ووحدته ، ثم عن هجران إخوته له ويأسه من لم الشمل ، وكذا عن معاناته من كبرياء الآخرين أو برودهم في التعامل معه .
- هل أستطيع زيارة إخوتك ؟
- كيف ؟.. هل تعرفهم ؟
- ربما ، ولكن يمكن أن يكونوا قد نسوني .
حدق فيه برهة مندهشا.. من هذا الشيخ ذو اللكنة الجبلية ؟ أيكون حقا من معارف بعض إخوته ؟ لكنه يروم رؤيتهم كلهم .. أيحق له أن يسأله ؟
- عفوا.. لكني لم أرهم منذ مدة طويلة . وأنت تعلم.. لقد حكيت لك . لكن ما دامت هذه رغبتك..
- الله يرضى عليك . لم يخب ظني فيك .. غير أني أريد رؤيتهم وأنت معي دون أن يعرفوا رغبتي في ذلك .
- وكيف أبرر لهم زيارتي .. واصطحابي لك ؟
- أجد لك وسيلة .. هذه أمنيتي ، ولن أثقل عليك بعد ذلك أبدا . "
عجبا.. إنه يحار كيف انساق لخطواته تذرع الدروب المتشابكة ويقرع الأبواب فتعلو الدهشة الوجوه مستفهمة ، لكنها تبش و ترحب و تعانق ، ثم تلح على المكوث و.. أخيرا ، تودع وتعد بالزيارة . كل هذا والشيخ يحيي ويعاتب ويلوم بل ويلتزم الصمت في أغلب الأحيان ، ثم يتأهب للانصراف ، فينقاد لرغبته. عند الفجر ، يجافيه النوم ، فينهض متثائبا و يفتح شيش النافذة فتبدو المدينة ساطعة أنوارها ، بينما أصوات المؤذنين تتعالى في نداء متواصل.. تعم نفسه طمأنينة شاملة و فرحة غامرة لا يدري كنهها ، ويدلف إلى الحمام ليتوضأ للصلاة .. هل يوقظ الشيخ ؟.. لا فائدة .. إنه يعلم مسبقا أنه رحل... ربما لمح له بذلك أمس بعد وجبة العشاء .. بل إنه يشك وهو في صحوته هذه ، أنه استضاف أحدا .
في الحجرة المجاورة كانت صفية تغط في النوم.. تأملها قليلا وربت على شعرها ثم قبلها على جبينها ففتحت عينيها لحظة و أغمضتهما . لفت نظره بعض الأشياء المبعثرة.. دمية.. مشط.. شريط غنائي .. كتاب و أغلفة رسائل.. من بعثرها ؟.. أمسك بها يرتبها ثم انتبه إلى الطوابع البريدية الملصقة عليها. كيف ؟ ألم ترسلها وقد مرت على كتابتها أسابيع ؟ .. وهذه ؟.. لقد كتبها منذ شهرين . تردد برهة ثم انتفض ، والتفت نحو الفتاة .. كانت جالسة القرفصاء في وجل واضح ، مسندة ذقنها بقبضة يدها ...
في الأيام التي تلت تلك الليلة ، لم يغادر حجرته ، أو على الأصح ، ورشته . وقضى عطلته ملازما إحدى اللوحات . أعطاها إسم "صفية" . لا يكاد ينهيها حتى يعود إلى أدق تفاصيلها ليغير لونا قاتما بآخر فاتحا ، ووجها كالحا مقطبا بوجه صبوح بشوش . يحس بلوحته تشده إليها ليمخر في عبابها ، ملقيا كيانه في خضمها يصرخ وينتحب ، ثم يهدأ ويرضى .. الآن عرف أنه قطعة من لوحته وألا غنى له عنها ولا مفر له منها ، وأن عليه أن يشارك ويقاوم و ألا يترك الأمور على عواهنها ، حتى وإن اضطر لتغيير لون بلون ووجه بآخر ، رغم ما يبدو له أحيانا من وجوه تكيد وأخرى تخنس . وينتبه من غفوته متنفسا الصعداء وقد تصبب عرقا ثم ينتصب واقفا . الشمس تميل للغروب . تاقت نفسه للتجوال ، فصاح بمرح :" صفية..."
أقبلت الفتاة واجمة . تحسب ألف حساب لما قد يستفسرها عنه : " كيف ترين هذه اللوحة ؟".. علت وجهها الدهشة ، ثم غضت بصرها وهي تغمغم :" رائعة ."
- ما رأيك بجولة عبر شارع النخيل في هذه الساعة الرومانسية ؟
تلت جولة النخيل جولات أخرى عبر أنحاء المدينة ، حتى إذا آبا ليلا إلى المنزل ، كان الإعياء قد أخذ منهما كل مأخذ . فجلسا قبالة النافذة العريضة يتأملان الجبل المتلألئ...
- هل أعد الطعام ؟
- لا تتعبي .. أعدي شيئا خفيفا .. حساء أو عجة .
- كيف ؟.. أنسيت أن عمتي ستقدم عندنا ؟
- أوه.. تذكرت..
- وأن زوجها أكول ...؟
لم تكمل . فقد انطلقا في ضحكة رنت لها أرجاء الشقة حتى خيل إليهما أن اللوحة تهتز على إيقاعها ، وأن الألوان تتراقص على جلجلتها .[/align]
لم يكن ينغص على " ر" صفوه سوى شيئين اثنين.. كلمة جارحة وشعور قاتل بالوحدة . وفيما عدا ذلك ، كان يرى حياته تنساب هادئة لا يشوبها شائب ولا يعكرها شيء منذ أن اختار العزلة شعارا وهو يرى انفراط العقد الذي كان يجمعه بإخوته... فهذا يبتلعه الزواج وتستحوذ عليه امرأته فلم يعد يرى إلا كما يرى الهلال . وآخر صرفه انشغاله بعمله الدؤوب عن السؤال . وتلك انساقت إلى رغبة بعلها في عدم الإكثار من الدخول والخروج ، فلا يلتقيها إلا لماما ، وفي المناسبات الدينية التي لم تخل هي الأخرى من عتاب يتعدى في غالب الأحيان حدود اللباقة ، فينقلب إلى حلبة لتبادل اللوم و الاتهامات و لو مزاحا ... لكنه كان يعود بعدها كئيبا ويقبع في شقته مستعيدا كل حوار، متنهدا لتذكر أدنى كلمة قيلت وأريد بها شيء آخر، أو تلميح كان عرضة له .
هل تصدق نبوءة أحد الزملاء الذي استمع لشكواه من تعريض البعض به وقال له :" ستتعذب كثيرا هكذا
وستصير معيشتك ضنكا ." ؟ وأكثر ما يزيد في كآبته ، هذه السلالم القاتمة ، المفضية إلى الطابق السادس حيث ينظر إلى الوجوه الصاعدة النازلة في برود وجمود رهيبين.. لا سلام ولا كلام .. كأفواج من تماثيل قدت من صخر. فيهرع إلى شقته .. هناك ، ينتظر عودة صفية من مدرستها... هي كل ما تبقى له منذ غادرته أمها ، تاركة كل شيء ، عازفة عن كل مطلب .. حتى صفية ، تنازلت عنها كي تنال ، كما قالت ، حريتها بأسرع ما يمكن :".. لا أطيق البقاء مع رجل لا طموح له .. أقرانك يتفقدون كل السبل ويتحينون كل الفرص.. يدارون هذا ويسترضون ذلك .. يقترضون ويقتنون .. يسددون و.. إن عز الأمر يستمهلون.. و أنت ، لا هم لك سوى هذه الصباغة والفرشاة .. لا تسمن ولا تغني من جوع . أصدقت أنك فنان ؟.. انظر حواليك.. من كان صغيرا كبر ، ومن كان ذليلا عز... الكرامة ؟.. من قال لك قبل الأيادي أو توسل خانعا ؟..."
قالت أشياء وأشياء . فجرت مكنوناتها التي ظلت حبيسة صدرها طوال سنوات دون أن يحس يوما بنذيرها . وانطلقت ، فلم يعد يراها . وبكل بساطة لبى رغبتها قبل أن يفيق من الذهول الذي عمه :" الله يسامحك..."
طرق الباب . من يكون الطارق ؟ صفية لديها المفتاح . أدار ظهره للباب و أجال ببصره عبر الشارع الممتد
أسفل العمارة.. سيل من السيارات و الحافلات والشاحنات في زعيق لا ينقطع ، وطوفان من البشر في كل اتجاه وفي حركة دائبة كالنمل :" كم يبدو الإنسان تافها صغيرا . حتى أولئك الذين لا تسعهم الأرض كبرياء ، وتشمخ هاماتهم خيلاء وزهوا ، ويصولون بسيارات أشبه ما تكون بمجنزرات ، حتى أولئك يبدون أقزاما . بل وأقل من أقزام وهم في تهافتهم على قنينات الغاز التي جرفها الطوفان عبر ضفاف النهر."
يقرع الجرس فيحس بالضيق وينهض متثاقلا ليفتح الباب ..." ضيف لله." .. خال نفسه يستمع إلى إحدى حكايات أمه أو أساطير جدته ... ضيف لله ؟ أما زال هناك من يطلب الضيافة لله بين هذه البنايات الإسمنتية ؟ حدثته نفسه برده ردا كريما.. لكنه ليس متسولا.. ودون أن يعي ما يفعل ، فتح الباب على مصراعيه ، مفسحا الطريق أمام الشيخ ذي الجلباب الفضفاض والعمامة الصفراء المشدودة في إحكام :" مرحبا بضيف الله ."
جلسا قبالة بعضهما البعض . ونظر الشيخ حواليه حيث الأوراق والأقلام والصباغة . ثم حملق في رزم من أغلفة الرسائل على مكتب صغير...
- أنا مدرس الرسم... وأهوى المراسلة .
لم يقل إنه يبحث عن أصدقاء عبر العالم ، يبثهم شكواه من وحدته ويأنس بردودهم .
- عفوا.. لا شك أنك قادم من سفر.. سأعد الطعام .
تناهى إليه صوت المفتاح . جاءت صفية أخيرا . دخلت كعادتها هادئة ، صامتة كأنها تعودت على جو البيت الكئيب :
- تعالي يا ابنتي .. عندنا ضيف .. سلمي على عمك .
لاحظ الدهشة تعلو محياها فأشار إليها بحاجبيه .. وحين لحق بها في المطبخ بادرها :
- هذا شيخ يطلب الضيافة .. طبعا لم أستطع الاعتذار .. ملامحه تدل على طيبوبته.. قولي.. هل وضعت الرسائل في صندوق البريد ؟.. والطوابع ؟
أومأت برأسها متنهدة إلى محفظتها على أحد الكراسي ، ثم انشغلت بإعداد الطعام . ربت على كتفيها وعاد ليجد الضيف قد راح في سبات عميق . حدثته نفسه أن يدعوه ليستريح متمددا على السرير، لكنه عدل عن ذلك وهو يرى انبساط أسارير وجهه .. نظر إليه مليا ، فارتاحت نفسه لمنظره وشرد ذهنه فلم يفطن إليه وهو يتنحنح .. بحث عن موضوع يبدأ به الحديث فلم يفلح .. وأنى له ذلك وهو لا يتكلم إلا لماما .. حتى مع صفية.. لا يعدو كلامه معها استفسارا عن سير الدراسة وما أنجزته من تعليمات تخصه . فقال والفتاة تضع الطعام على المائدة :" لا تؤاخذنا .. طعامنا لا يليق بمقدمك.
- لا تقل هذا.. الطعام كله طيب .
ماذا بعد ؟.. آه.. الأمطار الغزيرة.. إفراغ السد.. الطوفان .
- هل رأيت يا سيدي ؟ كأنها القيامة . و غدا تنحسر المياه عن جثث يفوق عددها قنينات الغاز الطافية منها والراسبة في قعر النهر .
- أخيرا عاد الغول إلى معقله .. لم ينتبه الناس لبيضه .
الغول ؟ عم يتكلم ؟ .. انسحبت صفيه في هدوء لكنه استبقاها متسائلا :
- هل تأكدت من وضع الطوابع اللازمة ؟.. لا أدري لم لا تصلني ردود مع أن أولى رسائلي مر على بعثها أكثر من شهر.
وحين انفرد بالشيخ من جديد ، وجد متعة في التحدث عن فنه ووحدته ، ثم عن هجران إخوته له ويأسه من لم الشمل ، وكذا عن معاناته من كبرياء الآخرين أو برودهم في التعامل معه .
- هل أستطيع زيارة إخوتك ؟
- كيف ؟.. هل تعرفهم ؟
- ربما ، ولكن يمكن أن يكونوا قد نسوني .
حدق فيه برهة مندهشا.. من هذا الشيخ ذو اللكنة الجبلية ؟ أيكون حقا من معارف بعض إخوته ؟ لكنه يروم رؤيتهم كلهم .. أيحق له أن يسأله ؟
- عفوا.. لكني لم أرهم منذ مدة طويلة . وأنت تعلم.. لقد حكيت لك . لكن ما دامت هذه رغبتك..
- الله يرضى عليك . لم يخب ظني فيك .. غير أني أريد رؤيتهم وأنت معي دون أن يعرفوا رغبتي في ذلك .
- وكيف أبرر لهم زيارتي .. واصطحابي لك ؟
- أجد لك وسيلة .. هذه أمنيتي ، ولن أثقل عليك بعد ذلك أبدا . "
عجبا.. إنه يحار كيف انساق لخطواته تذرع الدروب المتشابكة ويقرع الأبواب فتعلو الدهشة الوجوه مستفهمة ، لكنها تبش و ترحب و تعانق ، ثم تلح على المكوث و.. أخيرا ، تودع وتعد بالزيارة . كل هذا والشيخ يحيي ويعاتب ويلوم بل ويلتزم الصمت في أغلب الأحيان ، ثم يتأهب للانصراف ، فينقاد لرغبته. عند الفجر ، يجافيه النوم ، فينهض متثائبا و يفتح شيش النافذة فتبدو المدينة ساطعة أنوارها ، بينما أصوات المؤذنين تتعالى في نداء متواصل.. تعم نفسه طمأنينة شاملة و فرحة غامرة لا يدري كنهها ، ويدلف إلى الحمام ليتوضأ للصلاة .. هل يوقظ الشيخ ؟.. لا فائدة .. إنه يعلم مسبقا أنه رحل... ربما لمح له بذلك أمس بعد وجبة العشاء .. بل إنه يشك وهو في صحوته هذه ، أنه استضاف أحدا .
في الحجرة المجاورة كانت صفية تغط في النوم.. تأملها قليلا وربت على شعرها ثم قبلها على جبينها ففتحت عينيها لحظة و أغمضتهما . لفت نظره بعض الأشياء المبعثرة.. دمية.. مشط.. شريط غنائي .. كتاب و أغلفة رسائل.. من بعثرها ؟.. أمسك بها يرتبها ثم انتبه إلى الطوابع البريدية الملصقة عليها. كيف ؟ ألم ترسلها وقد مرت على كتابتها أسابيع ؟ .. وهذه ؟.. لقد كتبها منذ شهرين . تردد برهة ثم انتفض ، والتفت نحو الفتاة .. كانت جالسة القرفصاء في وجل واضح ، مسندة ذقنها بقبضة يدها ...
في الأيام التي تلت تلك الليلة ، لم يغادر حجرته ، أو على الأصح ، ورشته . وقضى عطلته ملازما إحدى اللوحات . أعطاها إسم "صفية" . لا يكاد ينهيها حتى يعود إلى أدق تفاصيلها ليغير لونا قاتما بآخر فاتحا ، ووجها كالحا مقطبا بوجه صبوح بشوش . يحس بلوحته تشده إليها ليمخر في عبابها ، ملقيا كيانه في خضمها يصرخ وينتحب ، ثم يهدأ ويرضى .. الآن عرف أنه قطعة من لوحته وألا غنى له عنها ولا مفر له منها ، وأن عليه أن يشارك ويقاوم و ألا يترك الأمور على عواهنها ، حتى وإن اضطر لتغيير لون بلون ووجه بآخر ، رغم ما يبدو له أحيانا من وجوه تكيد وأخرى تخنس . وينتبه من غفوته متنفسا الصعداء وقد تصبب عرقا ثم ينتصب واقفا . الشمس تميل للغروب . تاقت نفسه للتجوال ، فصاح بمرح :" صفية..."
أقبلت الفتاة واجمة . تحسب ألف حساب لما قد يستفسرها عنه : " كيف ترين هذه اللوحة ؟".. علت وجهها الدهشة ، ثم غضت بصرها وهي تغمغم :" رائعة ."
- ما رأيك بجولة عبر شارع النخيل في هذه الساعة الرومانسية ؟
تلت جولة النخيل جولات أخرى عبر أنحاء المدينة ، حتى إذا آبا ليلا إلى المنزل ، كان الإعياء قد أخذ منهما كل مأخذ . فجلسا قبالة النافذة العريضة يتأملان الجبل المتلألئ...
- هل أعد الطعام ؟
- لا تتعبي .. أعدي شيئا خفيفا .. حساء أو عجة .
- كيف ؟.. أنسيت أن عمتي ستقدم عندنا ؟
- أوه.. تذكرت..
- وأن زوجها أكول ...؟
لم تكمل . فقد انطلقا في ضحكة رنت لها أرجاء الشقة حتى خيل إليهما أن اللوحة تهتز على إيقاعها ، وأن الألوان تتراقص على جلجلتها .[/align]
تعليق