أين .. أنا ؟

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محمد الطيب العربي
    أديب وكاتب
    • 24-02-2013
    • 54

    أين .. أنا ؟

    [gdwl] أين أنا ؟



    نشأ الزاكي مدللا بين أفراد أسرة تشبعت بتقاليد القبيلة الصارمة ، فرضت على الإناث التفرغ للتربية وتدبير الأشغال داخل البيت . وعلى الذكور السعي لكسب الرزق .

    تفوق الطفل في دراسته وتميز بذكائه ، إلا أن والده اختار له الانضمام في سن مبكرة إلى ورشة العائلة التي تتوسط أحد الأحياء المهمشة بالمدينة .

    بها أتقن السباكة والتلحيم مع بعض المعلومات عن ميكانيك المحركات .

    ارتياح الأب يزداد مع نمو الفتى .

    واطمئنانه على الورشة ومستقبل العائلة يكثر بما أحرزه ابنه

    " المعلم الزاكي "

    من خبرة مهنية وقدرة على التدبير والتسيير .

    طموح الفتى يسابق تراكم سنوات عمره .

    يتتبع بإعجاب المهاجرين من أبناء مدينته ، العائدين بسيارات فارهة ،

    المدمنين على اللهو والتبذير .

    يشاهد أنهم يعودون بحقائب الهدايا النفيسة ،

    ويعتقد أن لديهم أرصدة بنكية لا تنفد ...

    يتوق ليعمل على التأسي بهم .

    يطمح إلى

    امتلاك آخر أنواع السيارات الرياضية الجذابة ، يطوف بها على دوره الفسيحة ، المتواجدة بمدن شاطئية عديدة .

    وإلى التوفر على العديد من الحسابات بأشهر البنوك وأعرقها .

    عندها سيقتني لكل يوم بذلة ومع كل بذلة زوجة ...

    لا زال عمره المتدحرج نحو السنة السادسة عشرة يحول دون إتمام وثائق وإجراءات السفر خارج الوطن .

    اقترح عليه أحد أقاربه التوجه نحو الجنوب حيث تتيسر عمليات الهجرة الجماعية في اتجاه بعض دول الأورو .

    تسلل عبر الكتبان والواحات وأقام هناك بالعاصمة مختفيا بضعة أيام ،

    يشتغل بإحدى الشركات .

    يبحث بجد عن الذين سيسهلون عملية عبوره .

    تلقى عدة وعود بمختلف الشروط ،

    اختار أيسرها ورحل ممتطيا جنح الظلام .

    قبل انبلاج الضياء ،

    حطت القافلة بمركز لانتظار العتمة القادمة ، لمتابعة المسير

    استلقى بكوة خيمة ،

    يئن من تعب الطريق ،

    بعد غفوة أفاق على صوت ملثم يخبره بأن القافلة التي وفد معها رحلت .

    وعليه أن ينتظر وصول قافلة أخرى .

    انتفض ... مشدوها ...

    متسائلا ..

    وكم ستكون مدة الانتظار ؟

    لا تقل عن شهر أو شهرين وقد تمتد إلى عدة شهور .

    شعر بضياع يلفه بإحكام .

    سرت عبر عروقه وتعاقبت أمواج الفشل والإحباط .

    ثم نهض متثاقلا يستطلع المكان .

    خيام مرصوصة في صفوف طويلة ،

    يقطنها رجال ونساء وأطفال

    ذووا وجوه كالحة ، وأعين متحجرة ، وبشرة متفحمة ،

    لغاتهم مختلفة ،

    توحدهم الإشارة من أجل التخاطب والتفاهم ،

    وراء كل منهم عالم من الأسرار والفواجع .

    أحياء الخيام مسيجة بجدار من الأسلاك الشائكة .

    الممرات كلها مغلقة ، والأبواب موصدة محروسة .

    قبل زوال قرص الشمس ،

    شاهد عربات مجرورة أو مدفوعة تطوف عبر الدروب والأزقة ،

    اقترب منها فأمره أحدهم بالعودة إلى خيمته قبل ضياع حصته من الطعام .

    الطعام قليل والماء نادر

    ولن يتسلم إلا وجبة واحدة مع قنينة ماء صغيرة عن يوم بليله .

    لقد حاول الهرب مرارا فلم يفلح ،

    وضع داخل مستودع السيارات المعطوبة ، وأمر بسبك وترميم بعض أجزائها .

    تساءل مع نفسه ..

    من أخبرهم بحرفتي ؟

    سأشتغل مكرها وسأبحث دائما عن وسيلة للنجاة .

    لا أدري ما الذي حل بأسرتي بعد رحيلي .

    استعاد بمخيلته أيام دراسته وفترة اشتغاله إلى جانب والده . ومستوى النعيم

    الذي عاش فيه

    بهجة دائمة ، وسعادة شاملة .

    يأكل حتى بعد الشبع ، ويشرب متى شاء وقدر ما شاء . يستحم في كل وقت ، ويتصرف داخل أسرته الآمر الناهي بعد أبيه .

    هجره النوم فجلس يبكي ويردد آخر كلمات أمه وهي طريحة على سرير مرض الموت .

    أصبح منهكا من الأرق .

    لم يلتحق بعمله الجديد .

    مر به أحدهم يصيح ويتوعد ، فعنفه على تأخره وحاول ضربه .

    انتزع الفتى منه العصا ، وهوى بها على رأسه .

    فسقط أرضا مدرجا بالدماء .

    سيق إلى السجن . فقال :

    وأي فرق بين خيمة الإقامة وخيمة السجن ؟

    نقل أحدهم همسه ،

    فحكموا عليه بالأشغال الشاقة المهينة

    وأولها :

    إفراغ الحفرة الضخمة المخصصة لاستقبال مياه الصرف الصحي

    للمراحيض .

    رفض تنفيذ العقوبة .

    انتابه هيجان . فقد التحكم في أعصابه .

    أخذ يشتم ويهدد ويتوعد .

    فأخذه ثلاثة أشداء ،

    وألقوا به وسط حفرة الصرف الصحي ،

    فهوى وسط محتوياتها إلى أن لفظ أنفاسه

    وكانت له المثوى الأخير.

    [/gdwl]

  • خالد أبجيك
    أديب وكاتب
    • 26-05-2009
    • 284

    #2
    تلك هي الأقدار.. لا تترك لنا مجالا للاعتراض.. اللهم الرضا بما كُتب علينا..
    الصحبة الطيبة مفتاح لكل خير

    http://sohba-liberter.blogspot.com/

    تعليق

    • محمد الطيب العربي
      أديب وكاتب
      • 24-02-2013
      • 54

      #3
      الفاضل خالد ابجك

      مشكور على الاهتمام والتتبع

      مقدر على القراءة والتشجيع

      لك مودتي

      تعليق

      يعمل...
      X