جُرْحُكَ يا وطني يُؤْلِمُنِي (بقلم: أحمد عكاش) - [المباراة بين الجزائر ومصر

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • أحمد عكاش
    أديب وكاتب
    • 29-04-2013
    • 671

    جُرْحُكَ يا وطني يُؤْلِمُنِي (بقلم: أحمد عكاش) - [المباراة بين الجزائر ومصر


    بسم الله الرحمن الرحيم

    جُرْحُكَ يا وطني يُؤلمُني

    بقلم: أحمد عكاش

    كتبت بمناسبة (مباراة كرة القدم) التي أقيمت في السودان بين الجزائر ومصر، في /18/11/ 2009/ وأثارت زوبعةَ غبارٍ في فنجانٍ.
    آهٍ يا وطني، يا وطنَ الجراحِ، يا وطناً تألّبَتْ على صدره الطعنات، حتّى أَلِفَها وأَلِفَتْهُ، وسال النَّجِيعُ القاني هَمَلاً، آهٍ يا جراحاً لا تُغادرُكَ، كلّما حسِبْنا أنَّكَ بَرِئْتَ مِنْ جُرْحٍ، وتوهّمْنا أنَّكَ تماثلْتَ للشّفاء منه، فتحْنا مآقينا على طعنةٍ نجلاء، يُنْسينا أَلَمُها ما كابدْناهُ من أوجاعِ الدّهورِ المنصرمةِ، فَمَاذا دهانا يا وطني وما دهاكَ؟ هل عَقَدْتَ مُعاهدةَ عشقٍ مع الآلامِ، فآلَتْ على نفسها لا تُغادرُكَ، وعقَّدْتَ لها أَيْماناً مُغلَّظةً لا تدفعُهَا عنكَ، ولا تَضِلُّ طريقَها إِليكَ؟.
    حِينَ فتحْنا أعيُنَنا صغاراً، وملأْنا ترائبَنا بعبيرِ نسماتِكَ، وأظلّتنا زُرقةُ سمائكَ، وأقلّتْنا خُضرةُ أَرضِكَ، فَعَلْنا ما فعلَتْهُ ملايينُ الأجيالِ الماضيةِ قبلَنا ... عشقْناك كما عشقوك، وكما نذروا أرواحَهم نذرْنا أرواحَنا في كلّ حينٍ وفي كلّ صُقْعٍ لِفداء أصغرِ حبّةِ رملٍ في صحرائِكَ، أَو ذرّةِ ترابٍ في سهولكَ أو أدقِّ حصباء في جبالكَ.
    عشقْناكَ يا وطني امتداداً جغرافياً يهزأُ بالحدُودِ المصطنعَةِ، ويستخفُّ بمن اصطنعَها، وتنبسطُ أجنحتُهُ منَ الخليجِ العربيِّ إلى المحيطِ الأطلسيِّ، ومنْ جبالِ طوروسَ إلى أقصى منابِعِ النّيلِ المُوغلةِ عمقاً في القارّة السَّمراءِ، يا إلهي كمْ ساورتْنا العزَّةُ ونحنُ نَحْتَسي نشوةَ الانتماءِ العظيمِ لهذا الوطنِ العظيمِ.
    وتسمو نفُوسُنا فوقَ تُخومٍ واهيةٍ رُسِمتْ على الورقِ، تُحاولُ لاهثةً أنْ تَنْأى بالمشرقِيِّ عنِ المغربيّ، وأن تَحُولَ بينَ يَدَيِ الشَّاميّ أنْ تمتَدَّ لِمصافحةِ يَدِ العراقيِّ، وأن تمنعَ وُصولَ البرتقالِ اليافاويِّ إلى مائدةِ المِصريّ، وأن تُصادرَ (المانجا) المِصريّةَ قبلَ تهتديَ طريقها إِلى فمِ المَغْربيِّ...
    عِشْقُنا يا وطني لكَ كانَ أرسخَ قَدماً من تُخُومِهمُ الممسُوخةِ، وأصلبَ عُوداً من خرائطهِم المُلوّنةِ، خرائطهم هذهِ كثيرةِ الخُطوطِ والتَّعاريجِ، عِشْقُنا لكَ يا وطني كالشّمسِ .. أكثر ضياءً وأطول خُلوداً، وأنصع سبيلاً، وأهدى عاقبةً.
    عشقْنَاكَ يا وطني حضارةً و رُقِيّاً وعِلْماً سطعَتْ شُمُوسُهُ في دَياجِي الجهلِ فصاغَتْها سَبْقاً حضاريّاً وصِناعِيّاً بَهَرَ الأَبصارَ، فإذا بِـ (شارِلْمانَ) مَلِكِ ألمانيةَ يُنادي بِرجالهِ: (هلُمّوا لِتَرَوْا معي هذه الآلةَ العجيبة الّتي لا أصدّقُ إلاَّ أَنَّ الجنَّ هم الذين يُدِيرُونَ أجزاءَها، والتي أهداها لنا ملكُ العربِ (هَارونُ الرّشيدُ) وقالَ لنا عنها: إنَّها ساعةٌ لقياسِ الزَّمنِ).
    عشقْناكَ ياوطني فُرساناً مُؤمنينَ فاتحين، انبرى الشَّعْرُ بينَ أرجلهمْ إِذ اتّخذوا صهوات جيادِهمْ عُروشاً يتبَوَّؤُونَها، وينشرون من فوقِها في أصقاعِ المَعْمورةِ شهادةَ الحقِّ وَالنّورِ، شهادة أن لا إله إلاَّ اللهُ وأنَّ محمّداً رسولُ اللهِ، فإِذا بأغنى امبراطورياتِ العالمِ حينَها تُصيخُ السّمعَ لصهيلِ أحصنتِهِم العربيّةِ المُسلمةِ وهيَ تدكُّ معاقلَ الظلمِ والظّلامِ في الصّينِ شرقاً والأندلس غرباً، وقسطنطينيّة شمالاً، وأدغالِ إفريقيّةَ جنوباً.
    يا إلهي كم تُساوِرُنا الآنَ النّشوةُ ونحنُ نُطالعُ صفحاتِ التّاريخِ يَرْوي لنا أنباءَ تلكَ الفُتوحاتِ السّواطعِ.
    عشقْناكَ يا وطني ثوَّاراً وشهداءَ، رجالاً أشاوسَ اندفعُوا إلى مشانقِ الاستعمارِ يهْتِفُونَ: أهلاً بكِ يا أُرْجُوحةَ الأَبطالِ. ثم تخفقُ أرجلُهم في الفضاءِ فوقَ كرسيِّ الجلادِ تمنحُ أوطانَهم وشعوبَهم الحرّيّةَ والاستقلالَ.
    آهٍ يا وطني، أيُّ بقعةٍ فيكَ لم ينلْها عشقُنا، بل أيُّ هباءةٍ في ترابِكَ أو فَنَنٍ في أشجارِكَ، أو قطرةٍ في أنهارِكَ وبحارِكَ لم تَحْظَ منَّا ببيادرِ العشقِ والهوى؟.
    عشِقْنَا يا وطني (أوراسَ) جزائرِنا الحبيبةِ، ينتفضُ مارداً أمامَ مدمِّراتِ الاستعمارِ الفرنسيِّ الفواتِكِ، ويُقْسِمُ بالنَّازلاتِ الماحقاتِ في الجبالِ الشَّامخاتِ الشَّاهقاتِ، والدِّماءِ الزّاكياتِ الطّاهراتِ، أنّ الجزائرَ ثارَتْ فإمَّا حياةٌ أو مماتٌ، وأنَّ الجزائريّين الأَباةَ عقدُوا العزمَ أنْ تحيا الجزائرُ، وَأَشْهَدُوا على ذلكَ العالمَ كلَّهُ: فاشْهدُوا .. فاشهدوا, فَشَهِدَ الأشقّاءُ العربُ والعالمُ الحرُّ كلُّهُ، وقالُوا: آمينْ ... آمين .
    عشقْناكِ يا جزائرَنا الحبيبةَ، عشقْنا فيكِ (العربيَّ بنَ مهيدي) يسلخُ الجلاّدُ المستعمرُ جِلْدَةَ رأسِهِ لِيَبوحَ بِسِرِّ الثوّارِ، فلمْ يفعلْ، أدخلَ الجَلاَّدُ في حلقِهِ سفُوداً خرجَ من قحفِ رأسِهِ، وفاضَتْ روحُهُ إلى بارئِها، ولم يفرحْ جلاّدوهُ وَلَوْ بكلمةٍ يَتيمَةٍ فاهَ بها.
    عشقْنا فيكِ يا جزائرَنا (يوسفَ زيروت) الذي لم تَجْرُؤْ في ذلكَ الوادي كتيبةٌ منَ السّفّاحينَ المدجَّجينَ بالحِقْدِ والدبَّاباتِ والطائراتِ، أنْ يقتربوا منْ معقلِهِ، لكنّهم بعدَ ساعاتٍ طوالٍ حينَ لم يَرَوْا منهُ مقاومةً، تقدَّمُوا منه بحذرٍ وهلعٍ فوجدوه قدْ أسلمَ الرُّوحَ منذُ عهدٍ، بعدَ أنْ غدا جسمُهُ كالغربالِ من غزارةِ الرَّصاصاتِ الآثمةِ التي انهمرَتْ عليْهِ، فلمْ يسعْهم إلاَّ أنْ يُفْرِغوا كلَّ ما في جِعَابِهم منَ الرَّصاصِ في ذلكَ الجسدِ الهامدِ.
    عشقْنا فيكِ يا جزائرَنا (الشَّهيدَ الحيَّ)، وآلافَ آلافِ الشُّهداءِ الأبرارِ، عشقْنا (جميلةَ بوحيرد) والأَيدي الحرّةَ يعضُّها القيدُ، ويُرْمَى بها في غَياباتِ السُّجونِ، تنهشُ الزنزاناتُ أعمارَهم الفتيَّةَ، وأبدانَهمُ الغضَّةَ، والمناضلينَ (عبدَ القادرِ الجزائريَّ) و .. و.. عشقْناكِ تُعْلِنِينَها للقاصي والدَّاني، للوامِقِ وَالشَّانئِ قويّةً صريحةً مدويّةً: (شعبُ الجزائرِ مسلمٌ، وإلى العروبةِ ينتسبُ).
    مَنْ مِنَ العربِ لم يعشقِ الفكرَ النيِّرَ، والنوايا المخلصةَ الصَّادقةَ في أشخاصٍ كانُوا شموخَ هدايةٍ وأقمارَ علمٍ، وأساطينَ إبداعٍ، فمَنْ في أمَّتنا لم يصلْهُ إشعاعٌ منْ رائدِ النَّهضةِ الجزائريَّةِ المُفَكِّرِ (عبدِ الحميدِ بنِ باديس) وَ(مالك بنِ نبيٍّ) و(البشيرِ الإبراهيميِّ) و(الشَّيخِ العربيِّ التبسيِّ) ....
    وأيُّ أديبٍ عربيٍّ لم تأخذْهُ المتعةُ وهوَ يَتَغنَّى بأشعارِ (مُفْدي زكريّا) و(محمَّد العيدِ آل خليفةَ)، و(محمّدِ الأخضرِ السَّائحيِّ)...
    وأيّ روائيٍّ وقصّاصٍ لم يضعْ يدَهُ على صدرِهِ وينحني إجلالاً لِـ (محمّد ديب) وَ(مولود فرعون) وَ(الطّاهرِ وطّار)([1])....
    دلَّني يا أخي على سَائحٍ واحدٍ تَطَوَّفَ في الآفاقِ ولم يَعْقِدِ الدَّهَشُ لسانَهُ وهوَ ينقلُ بصرَهُ فيما حولَهُ في (وهرانَ) السّاحرةِ، وحينَ يُلْقي عصا التَّرحالِ في (تِلِمْسانَ) لا يردِّدُ معَ القائلين: (كلُّ جَمالٍ على تِلمسانَ وَقْفُ)؟.أَلا ما أروعَكِ يا جزائرَنا منْ شواطئِ العاصمةِ إلى مُصْطافِ (الشَّريعةِ) إلى صحرائِكِ الذهبيَّةِ الشَّاسعةِ ...
    والآنَ يا وطني.. ما الذي جَدَّ؟ مالي –والعجبُ يعصفُ بي– أَرَى أشقاءَنا في وادي النِّيلِ يرمونَكِ يا جزائرَنا بـ....غيرِ الورْدِ؟. تَتَعالى حناجرُهمْ - وأُوشِكُ أنْ أُنْكرَ سمْعي– بهُتافاتٍ نضبَ في شرايينِها الوُدُّ ؟.
    عَهْدُنَا يَا وَطَني بماءِ النِّيلِ يملأُ أَعْطافَ شارِبيهِ حُبّاً وأُلْفةً وإيثاراً، فَمِنْ أَيِّ مَشْرَبٍ غريبٍ كَدِرٍ تسرّبَتْ هذهِ القطراتُ غيرُ المَألوفةِ؟. أبناءُ مصرَ.. همْ أبناءُ مصرَ، فَمَا بمقدوري أنا، وما بمقدورِ غيري أن يقولَ في مصرَ وأبناءِ مصرَ؟.
    ماذا بمقدوري أنْ أقولَ في الذين الأهراماتُ ومنارةُ الإسكندريَّةِ مُعْجِزتَا الإِبداعِ وَثُلُثُ أَعاجيب الدُّنيا السّبْعِ ... بعضُ ما قدَّمُوهُ للبشريَّةِ ؟، ماذا بمقدوري أنْ أقولَ فيهم والنِّيلُ مشربُهمْ، و(يوسفُ الصِّدّيقُ) و(موسى وَهَارون) عليهم السَّلامُ ثَمَّةَ منشؤُهم، و(يعقوبُ) عليه السّلامُ ضَيفُهم، و(هاجرُ) ابنتُهمْ، وَ(مَارِيَّةُ القِبْطِيَّةُ المِصْرِيَّةُ) أُمُّنَا .. زَوجَةُ نبيِّنا صلَى اللهُ عليهِ وسلّمَ؟.
    هل حاوَلْتَ يوماً يا سيِّدي أنْ تنظرَ إلى الشَّمسِ في رابعةِ النَّهارِ؟ إنِ استطاعَ بَصَرُكَ أنْ يحيطَ بالشَّمسِ، فباستطاعتِكَ أنْ تحيطَ بمصرَ تعريفاً وتقْريظاً؛ مصرُ يا سيّدي كالشَّمسِ في وَضَحِ النَّهارِ،
    عصيَّةٌ على أنْ تُحَدَّ، عصيَّةٌ على أنْ يُحيطَ بها نَعْتٌ أوْ أنْ يَرْقَى إلى سمائِها مُتَعَمْلِقٌ ...
    فَلْنَنْصرفْ إذنْ إلى شأنٍ آخرَ منْ شؤونِها، فهيَ أمُّنا نحنُ العربَ قبلَ أنْ تكونَ أُمَّ الدُّنْيا، فَهَلْ سمعْتَ يا سيِّدي منْ قبلُ أمّاً تَرْمي أبناءَهَا بـ .... غيرِ الوردِ؟ هلْ يمكنُ أنْ يدورَ في خَلَدِكَ أنَّ أمّاً عظيمةً يمكنُ أنْ تُمْطِرَ أبناءَها بغيرِ... ماء ِالوردِ؟!.
    آهٍ يا جزائرَ البطولاتِ والتضحياتِ، آهٍ يا مصرَ التَّاريخِ والحضاراتِ، صَدّقاني –يَا مِصْرُ وَيا جَزَائِرُ- أَنِّي أجدُ نفسي الآنَ نهباً لحرَجٍ كبيرٍ حينَ أسألُكما: كيفَ سمحْتُما لهذا البالونِ الأجوفِ، بأنْ يضرِبَ بوشائجِ الرَّحِمِ بينَكُما عُرْضَ حائطِ النِّزاعِ والتَّراشقِ بالكلماتِ؟!.
    ليسَ بينَكما ما بينَنا –نحنُ العربَ– وبينَ أعدائنا، فلمْ تَقْتُلْ واحدةٌ منكما منَ الأُخرى مليونَ شهيدٍ، ولم ينتصبْ بينَكُما جدارُ عزلٍ عنصريٌّ، ولم تَرْتَكِبْ واحدةٌ منُكما بحقِّ الأُخرى مَا ارْتُكِبَ في (صَبْرا) و(شاتيلا)، ولم تُحاصِرْ إحْداكما الأُخرى سنواتٍ حتّى تموتَ جوعاً ومرضاً...، ولم تنتزعْ – والحمدُ للهِ – واحدةٌ منْكما منَ الأُخرى أرضَها وزيتُونها وبرتقالَها وأَمْنَها ومساجدَها وكنائسَها وبسَماتِ أطفالِها، والأملَ مِنْ عُيُونِ صَباياها...، لَمْ يَحدثْ شيءٌ من هَذا بينَكُما؛ فعَلامَ نَرى منكما الآنَ ما نرى؟ ونسمعُ منكما الآنَ ما نسمعُ؟ حاشَا أنْ أسمحَ لِنفسي بِأَنْ تقولَ: لقد فعَلَ بِكُما " بَالُونٌ أجوفُ " ما لم يحلمْ بفعلِهِ صهاينةُ العالمِ كلِّهِ.
    فَواخَجَلِي لو قالَتْ أجيالُ الغدِ عنَّا -نحنُ جيلَ اليومِ- : دولَتا العربِ العُظْمَيانِ (مصرُ والجزائرُ) أثارَ الفتنةَ حديثاً بينَهما (بالونٌ أجوفُ)، تماماً كما أثارَ الفتنَةَ قَديماً بينَ أَبْنَاءِ العَمِّ (تغلبَ) و(ذُبيان) فَرَسَا الرِّهَانِ داحسٌ والغَبْراءُ.
    يا (مصرُ)! لنْ أقولَ: أليسَ فيكِ رجلٌ رشيدٌ؟ لأنَّ الرَّاشدينَ فيكِ بِمِنّةِ اللهِ أكثرُ منْ أنْ يُحْصَوْا، ها هوَذا صوتي –وَأَنا مُحِبٌّ مُشْفِقٌ– يَعْلو إليكِ منْ بلادِ الشَّامِ، يُهيبُ بالعاملينَ في شتَّى مصادرِ الإعلامِ عندَكِ أنْ يأْمُرُوا بالإبْقاءِ على وَشَائِجِ الإخاءِ والمحبَّةِ بينَ الأشقَّاءِ العربِ، أُهِيبُ بهمْ أنْ يُهِيلُوا على شجرةِ الوفاقِ ماءَ النَّماءِ والخيرِ، لا .. سِوَاهُ، أهيبُ بهم أنْ يُصِيخوا السَّمعَ والبصرَ والفؤادَ لـ (نداءِ الحبِّ) الطيَّبِ المُنبعثِ فَوَّاحاً منْ تلكَ (القَناةِ) الطَّيّبةِ العطرةِ (قَناةِ النَّاس)، والمُنسابِ عذْباً من تلك الأَفْواهِ الطَّاهرةِ، والنُّفوسِ الغَيُورةِ، وَالقُلوبِ الكبيرةِ المشحُونة بالحبِّ والإنسانيّة، فَنِداؤُها وايْمُ اللهِ نداءٌ رشيدٌ.
    لا يَسْتَفِزَّنَّكمُ الشَّيطانُ ببالونٍ أجوفَ، فَيَنْثُرَ في قلوبِكم بذوراً ثِمارُها واللهِ ليسَتْ إلاَّ عاراً علينا نحنُ العربَ، وفرحةً وشماتةً لأعدائِنا الحقيقيّينَ، ولا تَسْمَحُوا لِفرحةِ فريقٍ رياضيٍّ عربيٍّ أنْ تتحوَّلَ إلى جُرْحٍ جديدٍ يُدْمي قلبَ أمَّتِنا.. يَكْفينا جِراحاً.
    كمْ كانَ جليلاً وسامياً يدعو إلى الاعتزازِ لو كنْتُ جلسْتُ جِلستي هذهِ لأكتبَ في شأنٍ مُغَايرٍ لِمَا كتبْتُهُ، كانَ جديراً بي أنْ أكتبَ مهنِّئاً بنصرةِ الأقصى الذي تَتَربَّصُ به الصِّهْيَوْنيَّةُ الدَّوائرَ، كانَ جديراً بي أنْ أُهِّنئَ بنجدةِ المرابطينَ في (غزَّةَ) الصَّامدةِ المجاهدةِ، كان جديراً بي أنْ أُشيدَ بافتتاحِ مصنعٍ لإنتاجِ الطّائراتِ أوِ الدَّباباتِ أوِ السَّياراتِ أوِ البوارجِ ...، كانَ جديراً بي أنْ أتغنَّى بانْضِوائي معَ العربِ قاطبةً تحتَ عَلَمٍ عربيٍّ واحدٍ، ونشيدٍ وطنيٍّ عربيٍّ واحدٍ، في وطنٍ عربيٍّ واحدٍ.
    آهِ يا وطني! ثَمَّةَ ألفُ ألفِ مفخرةٍ يُمْكنُ أنْ أجلسَ لأهنِّئَكَ بها، لَكِنِّي -معَ الألمِ والخيبةِ- أجلسُ وأكتبُ لعلِّي أنتزعُ منْ نفسِ شقيقيَّ الجليلينِ أشواكاً تَسَبَّبتْ بها مُباراةٌ ببالونٍ أجوفَ منَ اللَّدائنِ؟!. أَلَيْسَ هذا بربِّكمْ ممّا تَتفطَّرُ لَهُ قُلُوبُ الغَيارى على هذا الوَطَنِ وهذهِ الأُمَّةِ ؟!.
    وأخيراً: (عَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ)، لَعَلَّ مَا حَدَثَ يُعَلِّمُنا أَنَّنا نحنُ العربَ نُولي صغائرَ الأُمورِ اهتماماً عظيماً نَفْتَقِدُهُ أمامَ جليلِها، وَأَنَّ فينا عُيُوباً مُشِينَةً يُحَتِّمُ علينا عصرُنا وواقعُنا وَعَراقَةُ مَاضِينا، أَنْ نُعْمِلَ فيها مِبْضَعَ الاستِئْصالِ وَالمُعالجةِ، لعلَّنا نَسْتَوي يوماً أصحّاءَ تعافَيْنا منْ مُوبِقاتٍ تُحْدِقُ بنَا وتَفْتُكُ بعقولِنا وأفئدتِنا.
    ختاماً أسألُ المولى أنْ يكونَ غدُنا خيراً منْ يومِنا، وأنْ يكونَ ماضينا حافزاً لنا لأنْ نعودَ كما كنّا شموسَ هِدايةٍ وحَضارةٍ ورُقيٍّ، وخيرَ أمَّةٍ أخرجَتْ للنَّاسِ، نأمرُ بالمعروفِ وننهى عنِ المنكرِ.


    [1]-ملاحظة: لَقدْ كتبْتُ عامَ (1983) دراسةَ نقدٍ مُطوَّلةً عَنْ قصّة (الشهداء يعودون هذا الأسبوع) تأليف: القاص الجزائري (الطاهر وطار) ونشرَتْها صحيفةُ (العروبة) في مدينة حمص، فِي صفحتها الأدبيّةِ مُسَلْسلةً في عدّة أيّام.
    يَا حُزْنُ لا بِنْتَ عَنْ قَلْبِي فَمَا سَكَنَتْ
    عَرَائِسُ الشِّعْرِ فِي قَلْبٍ بِلا حَزَنِ
    الشاعر القروي
  • ريما الجابر
    نائب ملتقى صيد الخاطر
    • 31-07-2012
    • 4714

    #2


    ستشرق الشمس مبتسمة
    سيزهر الحقل ويغيثنا مدد الحق
    فكن بخير ياوطني
    ريما

    جرح الوطن جرحنا
    ورونق قلمك أضفى على المعنى جمالا
    راق لي ماقرأت
    http://www.pho2up.net/do.php?imgf=ph...1563311331.jpg

    تعليق

    • أحمد عكاش
      أديب وكاتب
      • 29-04-2013
      • 671

      #3
      الأخت الموقّرة (ريما الجابر):
      جبر الله خاطرك، فقد كان كرمك في استقبال (خاطرتي) ثوباً سابغاً أُراني هزيلاً تحته،
      فما حيلتي ؟ وهذا ديدن الأجواد، يُكافئون على القليل بالكثير ؟.
      كلماتك يا سيّدتي شعرٌ متنكّرة بثوب (النثر)، فما أنت ؟ أشاعرة أم ناثرة ؟
      زادك الله عطاء، وثبّت في طُرُقِ المعالي خُطاك.
      يَا حُزْنُ لا بِنْتَ عَنْ قَلْبِي فَمَا سَكَنَتْ
      عَرَائِسُ الشِّعْرِ فِي قَلْبٍ بِلا حَزَنِ
      الشاعر القروي

      تعليق

      • أبوقصي الشافعي
        رئيس ملتقى الخاطرة
        • 13-06-2011
        • 34905

        #4
        يؤلمنا كلنا
        أذكر تلك المباراة
        و كيف شرخت العلاقات بين بلدين شقيقين.

        النص جدا جدا رائع
        للوطن العربي الكبير
        و أمجاده التليدة..
        لله درك ..
        أديبنا الجميل / أحمد عكاش
        و غيرتك على عروبتنا و وحدتنا
        و شجبك ما حصل لأجل كرة قدم
        في سرد ٍ لغوي بديع
        ذكرت فيه أسماء الأدب و الجمال
        و أمانيك بوطن ٍ واحد يجمعنا
        و كانت الخاتمة جدا رائعة
        تنم عن نقاء روحك و هدفك
        فلك منا كل الشكر و التقدير..
        لما طرحت من رقي و سمو
        و رؤى جليلة و طاهرة
        نتشرف بتواجدك دوما
        أديبنا القدير...
        نفع الله بعلمك البلاد و العباد
        تقديري و تحية تليق

        ختاماً أسألُ المولى أنْ يكونَ غدُنا خيراً منْ يومِنا، وأنْ يكونَ ماضينا حافزاً لنا لأنْ نعودَ كما كنّا شموسَ هِدايةٍ وحَضارةٍ ورُقيٍّ، وخيرَ أمَّةٍ أخرجَتْ للنَّاسِ، نأمرُ بالمعروفِ وننهى عنِ المنكرِ.


        اللهم أمين
        اللهم أمين



        كم روضت لوعدها الربما
        كلما شروقٌ بخدها ارتمى
        كم أحلت المساء لكحلها
        و أقمت بشامتها للبين مأتما
        كم كفرت بفجرٍ لا يستهلها
        و تقاسمنا سوياً ذات العمى



        https://www.facebook.com/mrmfq

        تعليق

        • أحمد عكاش
          أديب وكاتب
          • 29-04-2013
          • 671

          #5
          الأخ (قصي الشافعي):
          تأخّرتُ بالردّ عليك، ولو عرفْتَ -صديقي- المشاعرَ التي اعترتني آنَ علّقْتَ على مقالي لعذرتَ تأخُّري، فقد تلبّسني إحساسٌ بأنّي زَجَجْتُ بنفسي في ميدان لست أهلاً للصول والجول فيه، وما عسى بمثلي أن يقول لِمثلك ؟ وبأيّة كلمات ألقاك؟ وهل سيكون حالي خيراً من حال مَنْ (استبضع التمر إلى هجر)؟. كنتُ خلال الفترة المنصرمة نهباً لتردّد يدعوني تارةً للكتابة، إذ هي واجبٌ وخُلُقٌ في مثل هذه الحال، وتارة أُخرى لإرجاء الكتابة إلى أن يفتح الله عليّ بما يليق بكم، من امتنان وتقدير، ولمّا طال المدى وخشيتُ الفَوْتَ، تحاملتُ خَجلاً وجئتكم أقدّم رجلاً وأُؤخّر أُخرى ... والكريم من عذر، وأنتم خير من تحلّى بهذه الشيم.
          الأدبُ الجمّ، والإحساس المُرهف بالتعامُل مع الآخرين، وسعة الاطلاع ... الذي تبدّى بجلاء في ردّكم لي، جَلَّى لي بوضوح السرَّ الكامن خلفَ هذه (الشّعبيّة الكاسحة) التي تتبوَّؤون سدّتها بين معارفكم في هذا (المُلتقى الحبيب)، وجلّى لي الدافع لاختياركم رئيساً لمنتدى الخاطرة فيه، فكان اختيار (الرجل المناسب للمكان المناسب) حقيقةً، ولعلّكم - صديقي - تذكرون أنّي كنتُ في الوهلة الأولى مُعترضاً لاختيار (شاعر) رئيساً لزاويةٍ ميدانُها (النثر)، لكنّ المشرفين على (الملتقى) -بحمد الله- كانوا أعرف منّي بمَنْ يختارون، فلله المنّة، ولن أُفوّت هذه الفرصة التي سنحتْ فأغتنمها، لأتوجّه إليكم بالتهاني على هذا التّكليف المُشرّف، وعسانا نحظى في عهدكم بالنّافع المُمتعِ.
          تقبّلوا شكري وتقديري، وأدعو الوليّ المُجيب أن يأخذ بأيديكم إلى الخير، وأن يسدّد خطاكم إلى الفلاح، وإلى لقاء.
          (أحمد عكاش).
          التعديل الأخير تم بواسطة أحمد عكاش; الساعة 31-08-2013, 09:23.
          يَا حُزْنُ لا بِنْتَ عَنْ قَلْبِي فَمَا سَكَنَتْ
          عَرَائِسُ الشِّعْرِ فِي قَلْبٍ بِلا حَزَنِ
          الشاعر القروي

          تعليق

          • ويس كروان
            محظور
            • 29-12-2013
            • 37

            #6
            [align=justify]مـن المعــروف ياأخــي أحمد عكــــاش أن عنــاصر الوحدة (الديـن واللغـة والتاريــخ والمجـال الجغرافـي .) فأين نحن من هذا ؟ أين عروبتــنا وهويتــنا وثقافتنـا ومصيــرنا ....وسـط هذا "البالون السحري" من الهـواء الذي يقذف بنا حيث شــاء ,؟ كـيف سيسـلم جيلـنا رايــة نظـيفة إلى الأجيـال القــادمـة ؟ . إن مهمة الكـاتب أن يجعل من قــلمه خـادمـا لبـلده وأمــته وعقيــدته وهويـته... برســم الطـــريق الأمثــل للمستقبـل جـاعلا ممـا وقع ويقــع عـبرة, ومن صــلاحه مثــلا .ومــا تنــاولته يــاأخي في رســالتك النبــيلة, تنــم عــن روحك الطيبــة وبصيــرتك النيرة , بداهة حــلم ومنــارة علـم ورسـالة سلـم, وســلام عليـك وعلـى أشرف المرسليــن ومن اتبع الهـدى إلـى يــوم الدين .[/align]

            آميـــن آميــن يارب العالميـــن.
            ويـس كــروان
            التعديل الأخير تم بواسطة ويس كروان; الساعة 12-01-2014, 18:34.

            تعليق

            • حور العازمي
              مشرفة ملتقى صيد الخاطر
              • 29-09-2013
              • 6329

              #7
              غداً اجمل وانقى لمصر الحبيبة
              لاتقلق فإنها بإذن الله ستكون
              اجمل مما سبق
              ام الدنيا ستبقى ام الدنيا

              استاذي / الفاضل احمد عكاش
              مصر لها في قلبي مكان كبير
              وهي بالنسبه لي وطني الثاني
              ستبقى جميلة دائما

              هي مسألة وقت ليس الا
              حفظها الله وجعلها آمنة
              ( ادخلو مصر آمنين )
              لاانسى هذه اللوحه
              عند دخولنا مطارها

              دمت بخير يارب

              حور

              تعليق

              • ويس كروان
                محظور
                • 29-12-2013
                • 37

                #8
                أجل ياحـــور, مصــر لها في قلبـنا مكــان كبيـر,ستجــدد الشـراع للإبحــار في رحــلة الإقــلاع والإبداع والإشـعاع,وستحطــم صخـورشــاطئ الضيــاع ,خــطوة أو خطـوتــان ثم إلـى الطــريق.ستــرجع خمــيلة وأبنـاؤهـا في ذراهــا بلابل.
                (ويــس كــروان)
                التعديل الأخير تم بواسطة ويس كروان; الساعة 12-01-2014, 22:48.

                تعليق

                • أحمد عكاش
                  أديب وكاتب
                  • 29-04-2013
                  • 671

                  #9
                  الأخ (ويس كروان):
                  أهلاً بإطلالتك الغالية،
                  وبمشاعرك النبيلة المكلّلة بالإخلاص،
                  وبغيرتك على أمّتك الكبيرة، ووطنك الكبير،
                  وهما برهانان على أنَّ بين جنبيك نفساً كبيرة، وبين حناياك قلباً كبيراً.
                  أخي ويس: أنا أومن أنَّ مقوّمات الوحدة العربيّة بين أقطارنا العربيّة
                  أمتن وأيسر من الوحدة بين شطري ألمانيا،
                  وأمتن وأيسر من الوحدة بين الولايات الأمريكيّة ...
                  لكنّ الذي ينقصنا هو (الإرادة الحقيقيّة) لتحقيق الوحدة ..
                  ثمَّ لو توفّرت الإرادة الصادقة لسهلت الصعاب، وأُقيلت العثرات ..
                  أشكر لك زيارتك لهذه المنسيّة القابعة في هذا الركن المهمل،
                  ولا أعرف كيف قادتك قدماك إلى ربوعها.
                  يَا حُزْنُ لا بِنْتَ عَنْ قَلْبِي فَمَا سَكَنَتْ
                  عَرَائِسُ الشِّعْرِ فِي قَلْبٍ بِلا حَزَنِ
                  الشاعر القروي

                  تعليق

                  • أحمد عكاش
                    أديب وكاتب
                    • 29-04-2013
                    • 671

                    #10
                    السيّدة (حور العازمي):
                    إنَّها الإشراقة الأولى لهالتك في سمائي،
                    فقد أنارت لي إشعاعاتها قبل أن تلامس كلماتك مسمعي،
                    وأشاعت حروفك في نفسي بهجة وطّدت في نفسي إيماني بأنّ جمال وطني
                    (من بغداد إلى بيروت، ومن حلب إلى صنعاء، مروراً بالحرمين الشريفين،
                    والكويت الغالي، إلى مليلة وسبتة ..)
                    لن تنال من بهائه عاديات الليالي،
                    وسيبقى حبُّه منارة تهدينا نحن العرب إلى سهوله وجباله وبساتينه ورياحينه ..
                    خاطر واحد أبوح لك به يا سيّدتي (حور) هو:
                    - أنَّ الألم يعتصر فؤادي حين أتخيّل الشعوب الأخرى تنتقل طليقة كالعصافير بين أجزاء وطنها، وأنا العربي أعيش حياتي أحلم أن أرى (القاهرة) مدينة المُعزّ، أن أرى أهرامات أجدادي، أن أرى (برج العرب) في (إماراتنا الحبيبة)، أن أرى جامع (الزيتونة)، أن أرى (بغداد) عاصمة العبّاسيين...
                    أليست هذه أوطاننا؟ أليست هذه حضارتنا وتاريخنا؟ أليس هذه مواطن ثقافتنا؟ أليست هذه إحدى أروع مفاخرنا؟..
                    أليس من أوجع الحرمان أن أموت دون أن أراها ؟.
                    ولماذا لا أراها؟ ....
                    سيّدتي: سامحيني إذ أخذتُ بيدك إلى مواطن الوجع، وكان يجدر بي أن أُشْرِفَ بكِ على خضرة الأشجار، و نداوة الأنهار، وتغريد الأطيار، ونور النهار، ومسامرة الأقمار...
                    منذ آلاف الأيّام والشمس تشرق، ولا أرتاب بإشراقتها غداً أيضاً.
                    لك مني يا سيدتي عقد من الياسمين الأبيض تزيّنين بك جيدك.
                    يَا حُزْنُ لا بِنْتَ عَنْ قَلْبِي فَمَا سَكَنَتْ
                    عَرَائِسُ الشِّعْرِ فِي قَلْبٍ بِلا حَزَنِ
                    الشاعر القروي

                    تعليق

                    يعمل...
                    X