الحـــــرباء // أنطــــون تشيكـــــوف

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • خديجة راشدي
    أديبة وفنانة تشكيلية
    • 06-01-2009
    • 693

    الحـــــرباء // أنطــــون تشيكـــــوف

    الحـــــرباء

    بقلم : أنطــــون تشيكـــــوف
    بميدان السوق، يسير مفتش الشرطة"اتشوميلوف" في معطف جديد، ويحمل في يده لفافة، ومن خلفه يسير شرطي أحمرالشعر، ومعه غربال مملوء لحافته بثمار عنب الثعلب المصادرة، والسكون مخيم، ولا أحدفي السوق، وتطل أبواب المتاجر والحانات المفتوحة على العالم، بنظرة كابية،كالأشداق الجائعة، ولا يوجد بجوارها حتى الشحاذون، وفجأة يسمع"اتشوميلوف" صوتا يقول:

    ـ "آه، إذن فأنت تعض أيهاالملعون، امسكوه يا أولاد! العض الآن ممنوع ّامسك!...آه
    "
    ويتردد عويل كلب، ويلتفت"اتشوميلوف" فيرى كلباً يركض، من مخزن الحطب التابع للتاجر"بتشوجين"، وهو يقفز على ثلاثة أرجل، ويتلفت، ويطارده شخص في قميص منالشيت المنشي، وصديري مفتوح، يركض وراء الكلب ثم يسقط على الأرض ماداً جذعه الىالأمام، ويقبض على ساقي الكلب الخلفيتين، ويتردد من جديد، عويل الكلب وصيحة:
    "امسكوه"، وتطل من المتاجر سحنناعسة، وسرعان ما يتجمع الناس، بالقرب من مخزن الحطب، وكأن الأرض انشقت عنهم.
    ويقول الشرطي:
    ـ "يبدو هنا اضطراب ياصاحب المعالي!"
    ويستدير "اتشوميلوف"نصف دورة إلى اليسار، متجها إلى الجمع، ويرى بجوار بوابة المخزن مباشرة، الشخصالمذكور في الصديري المفتوح، وهو يرفع يده اليمنى ليرى الجمع إصبعه المدماة،وكأنما كتب على سحنته الثملة:
    "
    سوف أريك ايها الملعون"،وإصبعه نفسها، تشبه علامة النصر، ويتعرف "اتشوميلوف" في هذا الرجل على الصائغ"خريوكين"، وفي وسط الجمع، يجلس المتسبب في هذه الضجة ـجرو صيد أبيض، ذوأنف حاد وبقعة صفراء على ظهره، مادا ساقيه الأماميتين، وجسده كله يرتعش، وفي عينيهالدامعتين، نظرة حزن ورعب.
    ويسأل "اتشوميلوف"،وهو يقتحم الحشد:
    ـ "بأية مناسبة أنتم هنا؟لماذا هنا؟ وأنت لماذا إصبعك؟، من الذي صاح؟"
    ويشرع "خريوكين" فيالكلام، وهو يتنحنح في قبضته:

    ـ "كنت سائرا يا صاحبالمعالي لا أمس أحداً، بخصوص الحطب مع "ميتري ميتريتش"، وفجأة إذا بهذاالوغد، ودون أي سبب، ينهش إصبعي، أرجو المعذرة، فأنا رجل، يعني، من العاملين،وعملي دقيق، فليدفعوا لي، لأني ربما لا أستطيع أن أحرك هذه الإصبع أسبوعا، ولايوجد في القانون يا صاحب المعالي، ما ينص على أن يتحمل الإنسان هذه المخلوقات، فلوأن كل واحد أخذ يعض، فالأفضل ألا يعيش الإنسان على ظهر الأرض".

    فيقول "اتشوميلوف"بصرامة، وهو يسعل ويحرك حاجبيه:

    ـ "هم! حسنا، حسنا، كلبمن هذا؟ أنا لن أدع ذلك هكذا! سأريكم كيف تطلقون كلابكم! آن أن ننتبه إلى أولئكالسادة، الذين لا يريدون أن يمتثلوا للقوانين! عندما يدفع الغرامة هذا الوغد،سيعرف ما معنى الكلاب، وغيرها من الدواب الضالة، سأريه العفاريت الزرق!"
    ويخاطب الشرطي:
    ـ "يلديرين"! إعرفكلب من هذا واكتب محضرا! أما الكلب فينبغي إعدامه فوراً، لا بد أنه مسعور، إننيأسألكم.. كلب من هذا؟"
    ويقول شخص من الجمع:
    ـ "يبدو أنه كلب الجنرالجيجالوف!".
    ـ "الجنرال جيجالوف؟ هم!انزع عني المعطف يا "يلديرين"، أف، يا للحر! يبدو أن المطر سيسقط، شيءواحد لا أفهمه، كيف استطاع أن يعضك -يقول مخاطبا "خريوكين"- أمن المعقول أنه يطالإصبعك؟، إنه صغير، أما أنت فانظر ما طولك! يبدو أنك جرحت إصبعك بمسمار، وخطرت لكفكرة أن تحصل على تعويض، أنتم هكذا، أعرفكم أيها الشياطين!"
    ـ "يا صاحب المعالي، كانيلسعه بالسيجارة في وجهه، ليضحك عليه، فلم يكذب الكلب خبراً وعضه، إنه شخص مشاكسيا صاحب المعالي".
    ـ كذاب يا أحول! أنت لم ترَشيئا فلماذا تكذب؟، إن معاليه سيد ذكي ويعرف من الكذاب ومن الشريف النقي الضميرأمام الله، إذا كنت أكذب فليحكم القاضي، فلديه مكتوب في القوانين، الجميع الآنسواسية، وأنا لي أخ في الدرك، إذا أردت أن تعلم".
    ـ "ممنوع الكلام!"
    ويقول الشرطي بنبرة تأمل عميق:

    ـ "كلا، هذا ليس كلبالجنرال، ليس لدى الجنرال كلاب كهذه، كلابه أكثرها سلوقية".
    ـ "هل أنت متأكد؟".
    ـ "متأكد يا صاحب المعالي".
    ـ "أنا نفسي أعرف ذلككلاب الجنرال غالية، أصيلة، أما هذا، فالشيطان، فالشيطان يعلم ما هو! لا بشعر ولاهيئة، مجرد حقارة لا غير، أهذا كلب يُقتنى؟! أين عقولكم؟ لو أن كلباً كهذا ظهر في"بطرسبرج" أو "موسكو"، أتعلمون ماذا كان يحدث؟ ما كان أحد ليلتفت إلى القانون، بل علىالفور ولا كلمة! هس! أنت "يا خريوكين" قد تضررت ولا تدع الأمر يمر هكذا،ينبغي أن نؤدبهم.. آن الأوان!"
    ويقول الشرطي، وهو يفكر بصوتمسموع:
    ـ "وربما كان كلبالجنرال، فليس مكتوبا على سحنته، رأيت من مدة كلباً مثله في فناء منزله".
    ويقول صوت من الحشد:

    ـ "واضح، كلب الجنرال!"
    ـ "هم! ألبسني المعطف يا"يلديرين"، يبدو أن النسيم يهب، لقد بردت، احمله إلى الجنرال واسألهناك، قل لهم إنني وجدته وأرسلته، وقل لهم أيضا ألا يخرجوه إلى الشارع، فهو كلبربما غال، وإذا أخذ كل خنزير يلسعه بالسيجارة في وجهه فمن السهل إتلافه، الكلبحيوان مهم، وأنت أيها الغبي أنزل ذراعك! كفاك إبرازاً لإصبعك الحمقاء! أنت المذنب!"
    ـ "ها هو طباخ الجنرالقادم، فلنسأله، إي يا "بروخور"، تعال هنا يا عزيزي، انظر إلى هذاالكلب.. أهو كلبكم؟".
    ـ "يا سلام! لم يكن لديناأبدا كلاب مثله!".
    فيقول "اتشوميلوف":
    ـ "ليس هناك داع للسؤال،هذا كلب ضال! لا داع للكلام الكثير، إذا قلت إنه ضال فهو ضال، ينبغي إعدامه وكفى".
    واستطرد الطباخ:

    ـ "ليس كلبنا, إنه كلبشقيق الجنرال الذي وصل من مدة، جنرالنا لا يحب كلاب الصيد، أما أخوه فيحبها".
    ويسأل "اتشوميلوف"،ويفيض وجهه بابتسامة تأثرا:

    ـ "أحقا وصل شقيقالجنرال؟ "فلاديمير ايفلنتش"؟ آه يا ربي! وأنا لا أعلم! هل جاء للزيارة؟"
    ـ "للزيارة".
    ـ "آه ياربي، أوحشهشقيقه، وأنا لا أعلم؟ إذن فهذا كلبه؟، سعيد جدا، خذه، ياله من كلب! شقي، هبش هذامن إصبعه، هاـ هاـ ها، مالك ترتعش؟ أوه إنه غاضب هذا الماكر، يالك من صغير!".
    ويدعو "بروخور"الكلب، ويمضي معه مبتعدا عن مخزن الحطب، ويقهقه الجمع سخرية "بخريوكين"،ويقول له "اتشوميلوف" متوعدا:
    ـ "مهلا, سوف أفرغ لك!".
    ويمضي في طريقه عبر ميدانالسوق متدثرا بالمعطف.
    .........................................
    الكاتبالروسيأنطونتشيكوف ( 1860 - 1904 ) منروادالقصةالقصيرة. تميزتقصصتشيكوفبتصويرهالبؤسالحياةالاجتماعيةفيروسيا..
  • عواطف ابو حمود
    كاتبة .
    • 08-11-2013
    • 567

    #2
    من المضحك كيف ينتقل المفتش من المدح الى الهجاء .. ثم المدح .. ثم الهجاء .. وهكذا .. يتلون كلامه مثل تلون الحرباء .. شخصية عجيبة مثيرة للضحك ..

    شكرا لك على عرض القصة الجميلة .

    .
    .



    .

    تعليق

    • خديجة راشدي
      أديبة وفنانة تشكيلية
      • 06-01-2009
      • 693

      #3
      أسعدني حضورك الراقي
      شكرا عواطف لأنك هنا
      تحياتي عزيزتي

      تعليق

      • بثينة غمّام
        أديبة وكاتبة
        • 02-03-2014
        • 29

        #4
        قصة تحكي الكثير عن المعاملات و المحسوبية التي لا نزال و بعد أكثر من قرن نشهدها في مجتمعاتنا المعاصرة و لذلك يبقى النص حيّا لا يموت. شكرا لك أختي الكريمة على هذا الإختيار الموفق.

        تعليق

        يعمل...
        X