قراءة في نص الشاعرة سليمى السرايري : أراجيح في اسفل الحلم

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • شكري مسعي
    عضو الملتقى
    • 27-09-2012
    • 13

    قراءة في نص الشاعرة سليمى السرايري : أراجيح في اسفل الحلم

    أراجيح في أسفل الحلم
    قصيد للشاعرة المبدعة:
    ~~ سليمى السرايري
    ~~



    الليلة، تعود اليمامة
    تنبئني أنّك مازلتَ تطعم حرفك السندسيّ للأرض...
    لأراجيح ملوّنة عند أسفل الظلّ


    ألمحك هناك ...

    في البياض الفاصل بين عشب وماء ..
    انتماء وفراغ
    يسقط سهوا على وجوه الغائبين


    الغائبين الذين تجتاحهم الدموع بلا أمل في العودة
    حين يشتدّ صقيع يتكسّر كلّ ليلة على أطرافهم.


    هل مازالتْ العصافير تشاركهم الصمت؟؟

    هل مازالت البيوت تنحني للريح
    تصلّي على رجع الصدى؟؟


    حين ينهض صوت المؤذّن
    تبتعد الخطوات كعادتها ثم تركض نحو واو مبهمة


    "وداع" ...


    ألمحك تبسط يدك قليلا للأبديّة

    تمسح عن جبيني آهة صعدت من بئرها عنوة
    ومنديلي يلوّح لذاك الغائب...
    في زاوية من حجارة تتعانق...



    هل لك الآن أن تشرب معي نخب الأشياء الهاربة؟؟
    حتما ستموت أيائل الحزن ..

    دمي سيرقص عنبا ، ويسكر
    أيكة الخزامى


    ستزهر عند آخر العتمة
    وتأوي المشاهد المنسيّة خلف صواري النهار


    فأيّ شرنقة سنمتطي ؟
    و أغاني الدهشة لم تكتمل بعد؟
    ليتك لم تشعل أرضي لوزا
    ليتني زنبقة تنبت من أضلاعك
    متدلية كأعناق العنب


    حينها، سينتشي الأقحوان
    يفيض اللمعان على المدى



    فاركض إلى حرقتي قبل بلوغ الطلع عند أسفل الغسق
    وحدنا نفرح بالهمس في فسحة العشق
    وبلاغة البوح المليئ باليمام...



    الليلة، سنؤثّث بيوتا للنحل
    وحدائق للأشجار الوحيدة في العراء


    هناك تستجير الحمائم بدفء الأعشاش
    القصيدة تعزف لحن الأزل..



    ستنبت "الليزانسيث" قبل ان تقرّر الرحيل
    على ضفاف المشاهد والأوراق


    فامكث هنا حبيبي لنتوسّد معا نزق العشاق
    ثم نمضي ....غرقا...


    قراءة في نصّ : أراجيح أسفل الحلم

    للشاعرة سليمــى السرايــري .
    بقلم : الشاعر و النـــّاقد التونسي شكري مسعـــي .




    البوح على البوح مجازفة .. مغامرة في عمق الكلام .. ارتياد لمسامات الحرف و غوص في لجّ اللّغة .. و هذا الأمر ليس بالهيـّن لاسيما إذا كان ما نروم مقاربته و السير في ظلاله نصّ سامق نافذ ، غزير محتكم ساحر .. و نصوص الشاعرة المبدعة سليمى السرايري جميعها درر ثمينة المعدن ... تحتكم على قامات من الإبداع و فيض من اللغة الآسرة ، قد يسرقنا ألق النصّ فنتوه في سراديب جماله ، و قد يغرينا وهجه فنستلذّ سناه و نضيع في مرافئه.. و في هذه المقاربة الجريئة وعد بالتماهي مع روح النصّ نرجو أن نملك عنان الكلام لنمنح للبوح نبضه الحقّ و نعطي للنصّ جلاله و أشراقه دون تغبين أو تقصير ..فهل نقدر؟؟

    أن نقفو أُثـرَ البوح السندسيّ و نتفيـّأ أكمام الكلام الملائكيّ .. و نستمرئ لذيذ الغمام نتعطـّر من وهج الحرف و نركب أراجيح التغريد رحلة على أجنحة الجمال في أراجيح الحلم السماويّ ..أراجيح في أسفل الحلم .. ذلك هو قدر القصيد .. حلم بطعم الثلج .. أمنية مبعثرة تتشظـّى على رخام الكلام .. انفتح النصّ معلنا زمن التّماهي .. زمنا محكوما بهدأة الليل ..الليلة تبدأ المناجاة .. مناجاة الآخر الذي يسكن شغاف الحكاية ، يأسرها بظلاله .. هو الموسوم بالتخفـّي و الضبابيّة .. الحرف جوّال بين أطياف الأماني و العشق إثم جميل يسكن الرّوح .. هو الشفق المخمليّ بين بياض قاهر بين عشب و ماء .. هنا تسكن المواجع دفّة القلب تعطيها انتشاء هادئا .. هو الانتماء الموءود الفراغ الآسر .. تقول الشاعرة الرائعة سليمى و هي تعتـّق الكلام :

    انتماء وفراغ يسقط سهوا على وجوه الغائبين.
    الغائبين الذين تجتاحهم الدموع بلا أمل في العودة ..

    غربة قاهرة و ضياع فاتن ..يلفـّها الصقيع الجبّار .. و يكبر السؤال .. سؤال الوجع ..منه تقتات الذات التائهة و تتعطـّر في غيبة الروح .. سؤال الوجيعة التي تثوي بين ضلوع الذات التائهة .. :

    هل مازالتْ العصافير تشاركهم الصمت؟؟
    هل مازالت البيوت تنحني للريح تصلّي على رجع الصدى؟؟ ..

    و يحمل السؤال فتنة الحيرة .. ألم البحث عن عالم مفقود ..ذات متعطـّشة للبوح ، للاعتراف .. لرسم حقيقتها على ضباب الروح .. عندما ولدت زنبقة الوجع من رحم الفجيعة كانت ابتسامة الكلمة .. رسمت الشاعرة كون الكلمة الواعدة ، تمنحها الغائب الحاضر بين الضلوع .. هو في كيانها يعشّش ، يبني قصورا من الجمال و العطر .. و هي صامتة ، تائهة ..تتعبـّد في محراب الضوء العاتم و تتعطـّر بمياه الورد البلوريـّة .. تبوح الشاعرة و تعلن انعتاقها من ربقة الوهم السرمديّ الآسن ..و تقول :

    هل لك الآن أن تشرب معي نخب الأشياء الهاربة؟؟

    حتما ستموت أيائل الحزن دمي سيرقص عنبا ، ويسكر .
    أيكة الخزامى ستزهر عند آخر العتمة
    ..

    هي الصور المتوالدة تنسج من عقيق الشفق أبرادا للقاء الروحي ..هل يرقص الدم عنبا إلاّ في وحي الملائكة ؟ هل هي الرغبة في السكينة .. في السكون إلى مرافئ الوجد المضني ..؟ يحضر الخشوع في صلاة العشق .. و يتبتــّل العشق هائما .. يضوع منه عبق السرور ..هي المواكب العطشى إلى صفاء الروح .. تتلبـّس بلغة شعريــّة فائقة النعومة باذخة الصور .. غزيرة الدلالات .. منمـّقة ، صافية صفاء الروح .. تسري سريان الوعد المتوهـّج في جلال الدعة و نبل السكينة ... و تكبر الأماني و تعظــم الأمنيات و كلمة التمنـّي " ليت " هي فيصل العبق الموءود ..تقول الشاعرة الرائعة سليمى مترنّحــة جذلى هائمة :

    ليتك لم تشعل أرضي لوزا
    ليتني زنبقة تنبت من أضلاعك متدلية كأعناق العنب
    حينها سينتشي الأقحوان يفيض اللمعان على المدى

    استعارة التـّماهي و التلبــّس بالذات .. صورة عميقة الحسّ ، حين ينتشي الأقحوان يتـسربل المدى باللمعــان .. حينها يكون للعشق طعم آخر ، لون آخر ، لذّة واعدة موعودة .. دعوة ضاربة في عمق الروح .. تستأنس بعناق السرور ..دعوة إلى العشق السرمديّ ..هنا يكون للذات المتألـّهة عشقا و صبابة أن تتنزّل كما الروح على قلب الحبيب ..هنا يستزيد القلب من نسغ الهيام ..

    فاركض إلى حرقتي قبل بلوغ الطلع عند أسفل الغسق ..

    سرّ أسرار العشق أن تتّحــد أرواح العاشقين و تعيش الحلول .. تندمج في بوتقة من الضباب الفاتن و تلتحف السماء ... و للنفس الرومنسي في النصّ حضور كبير .. واعد يستلهم اليمام و البوح و الفرح و بيوت النحل أعطافا سوسنيّة ..أليس من الجمال و الجلال أن يكون المدى رحلة لا متناهية ، رحلة سرمــديــّة .. غوص في اللاوجود ... في العدم .. في اللاحياة .. إنــّه التيه .. ذات تناشد الآخر أن يحتفي بها روعة و لذة ، امتلاء و انتشاء ، بداية و نهاية ..تقول الشاعرة حالمة مستبشرة :

    سنؤثّث بيوتا للنحل وحدائق للأشجار الوحيدة في العراء
    هناك تستجير الحمائم بدفء الأعشاش القصيدة
    تعزف لحن الأزل..

    ستنبت "الليزانسيث" قبل ان تقرّر الرحيل على ضفاف المشاهد والأوراق ..

    أسطورة الوجد السرمديّ تغتسل في محراب الليزانسيث عروسا تتباهى بأنوثتها الصارخة و تتعطـّر من حوض الأزل .. لحظة من الولادة الساحرة .. دعوة للبقاء ..
    امكث حبيبي
    ...يا لها من صرخة تتردّد في أعماق الروح .. تتأجّج في عمق النّفس ..تسري كما الإثم المشروع في شغاف القلب ..

    لنتوسّد معا نزق العشاق ثم نمضي
    ....غرقا...

    إنــّه الغرق الجميل .. إبحار في يمّ غريب .. سفر في كون موءود .. تيه في بحر عميق المدى شفيف الشذى .. و ينغلق النص الواعد بترنيمة البداية الآسرة .. حيث الاحتفال برقصة المدى في ليلة الوجد .. حيث الأراجيح الملوّنــة في أسفل الحلم الورديّ الواعد ..
    هكذا ولد النصّ صارخا من رحم الشوق حالما و قضى واعدا.. وصول إلى ضفـّة الحبّ .. حيث لا حياة سوى للحياة التائهة في لجّ المدى .. و يبقى الوجد و العشق مليئا بالوعد ، و التمنـّي و يبقى للحلم مفتوحا على قارعة القلب ...
    و للشاعرة الرقيقة و الأنثى البلوريـّة الأخيرة في كون العشاق سليمى السراريري .. كونها السرمديّ الحالم....
    شاعرة لا تعرف السكون و لا تؤمن بالسكينة المترهّلة .. شاعرة رحــّالة ، جوّابة .. ساحرة ، فنــّانة تمنح الحياة طعمها السماويّ و الملائكيّ ..ليضوع مسك قلمها عابقا بأريج الروح السماويـّة ..


    هكذا هي الشاعرة سليمى فراشة في دهشة الضوء ...ملاك في رياض البوح ..



  • صادق حمزة منذر
    الأخطل الأخير
    مدير لجنة التنظيم والإدارة
    • 12-11-2009
    • 2944

    #2
    قصيدة رائعة وقراءة جميلة للشاعر والناقد الجميل شكري مسعي

    أعجبني النظر إلى النص من بؤرة العشق المطلق والإحاطة بلوحاته من هذه النقطة
    والحقيقة أننا عندما نستلهم قيمة إنسانية كبرى كالحب في الكتابة فهذا سيعطي للنص
    طيفا فكريا مكلالا بالهالات وعندما نستلهم تلك القيمة في قراءة النص فلا بد أن
    الهالات ستشع وتزداد ألقا ولقد كانت الكاتبة مبدعة والناقد موفقا في تقديم هذا النص
    ملونا بالهالات ..
    بدءا من هنا سأتابع نصوصك النقدية أخي شكري ..

    تحيتي وتقديري




    تعليق

    • سليمى السرايري
      مدير عام/رئيس ق.أدب وفنون
      • 08-01-2010
      • 13572

      #3

      الشاعر و الناقد الجميل
      ~~
      شكري مسعي ~~

      إلتفاتة كبيرة لم أكن أحلم بها ...
      في الحقيقة لم أجد مفردات التعبير عن مدى امتناني العميق لكلّ ما غمرت به القصيدة
      من جمال اخّاذ فاق حرفي المتواضع
      فإذا بالقراءة خمائل من السحر يقطر من سماء نقيّة ..
      جاءت القراءة النقديّة كعروس بهيّة الشكل ، ساحرة القسمات،
      تتهادى في غنج أنيق محبب إلى القلب والروح.

      لك قلم عميق سيّدي الناقد،
      قلم يعرف كيف يغوص في خبايا المعنى ويقف على كلّ الاحتمالات الممكنة...

      ليس لي إلاّ أن أرفع قبّعتي احتراما لهذا الجمال الذي غمرتني به اليوم
      فكانت الابتسامة
      وكانت السعادة................

      محبتي يا صديق الحرف.

      /

      /

      /
      سليمى
      لا تلمني لو صار جسدي فاكهة للفصول

      تعليق

      • شكري مسعي
        عضو الملتقى
        • 27-09-2012
        • 13

        #4
        الصديق الرائع و الفنـّان المبدع و النـّاقد الرّاقي :
        ** صـــــــادق حمــــــزة منـــــــذر **

        أسعدني مرورك البهيّ و توقيعك السّامي لقراءتي المتواضعة لقصيد المبدعة الرّقيقة سليمى السرايري .. و إنّي لسعيد سعادة كبيرة أن تحظى قراءتي بلفتتك الكريمة و ثنائك المحفّز ..

        شكرا لبهاء حروفك و كلّ المحبّة و التـّقدير لشخصك الرّاقي ..



        تعليق

        • شكري مسعي
          عضو الملتقى
          • 27-09-2012
          • 13

          #5
          المبدعة الرقيقة و صاحبة القلم الذهبي/

          ----
          سليمــــــى السرايـــــــري ----

          أنت أديبة راقية و حرفك عميق و وهـّاج و أتمنّى أنّني وُفِّقت في منحك حقّه دون تقصير أو إخلال .. ليس من السهل أن يكتب الواحد منا قراءة مجازفة لنصّ خطير من نصوصك .. خطير بمعناها الأدبي العميق .. و أنت مبدعة استثنائية ..شكرا للحرف البهيّ الذي يقطر من قلمك الذهبيّ .. شكرا للكلمة الصادقة العميقة التي كانت جسر التواصل بيننا أيتها الصديقة الرائعة ..

          شكرا لهذا الملتقى الراقي ولكل القائمين عليه لأنّه يمنحنا حقّ المصافحة النبيلة الراقية في دنيا الأدب و الفكر ..



          تعليق

          • سليمى السرايري
            مدير عام/رئيس ق.أدب وفنون
            • 08-01-2010
            • 13572

            #6
            أرجو عودة الشاعر والناقد التونسي
            شكري مسعي
            كم نحتاج مثل هذه الأقلام
            لا تلمني لو صار جسدي فاكهة للفصول

            تعليق

            يعمل...
            X