ثورة الصمت
بين عتمة الليل ورماديه اول بدايات الصباح, خرج خالد من باب شقته الصغيرة حاملاً كيسه على كتفه, وانساب داخل ازقة محلته الضيقة الرشيقة, تمتلئ رئتيه بنسيم صباحها البارد المعطر برائحه الشاي ابو الهيل مع رائحة فطور عوائلها المختلف من باب لأخر.
حتى وصوله لمكان جلوس اصحابه على رصيف الشارع العام, كانوا جالسين حلقات يتبادلون اطراف الحديث, وبعضهم يتوسد الارض بغفوة عميقة كأنه يلتحف ريش النعام.
سلم عليهم قبل ان يتوسط جلستهم بابتسامة. ضحك احد اصدقائه بعد قوله ان حلقة جلستنا هذه تذكرني بالجامعة عندما كنا نفترش الكتب بين ازهار حدائقها, منتظرين زميلاتنا الانيقات الباسمات والمعطرات بأجمل العطور كل صباح.
رد خالد - نعم تماما ولا فرق نحن ألآن نفترش الارض والحصى, على الأرصفة بين اكوام القمامة منتظرين الذهاب مع احد اصحاب العمل بوجهه العبوس. ضحك الجميع بانين, ضحكاً ببكاء او ربما بكاءً بضحك.
طالت احاديثهم كثيرا حتى دب الملل بين كلماتهم وهم بانتظار ساعه الفرج. بعد فتره طويلة من الترقب ركنت بجانبهم احدى سيارات الحمل, ركض لها مئات عمال المسطر امتلأت عن بكرة ابيها برمشه عين ولم يكن لهم بها نصيب. عادوا لجلستهم البائسة واحاديثهم اليائسة من جديد.
بين الملل من الحديث والحديث عن الملل وصل رب عمل آخر, نهض له الجميع يركضون ويصرخون: انا.....انا. الكل يشير الى نفسه, كان بإمكانهم الحصول على فرصة عمل, لولا افساحهم المجال لبعض العمال من كبار السن, كانوا يعرفونهم جيداً مسئولين عن أعاله عوائلهم الكبيرة, بالرغم من بياض شعرهم وألآم امراض شيخوختهم.
بقوا جالسين واحياناً راكضين لحين ولادة قرص الشمس من على سطوح العمارات القريبة, مثل اخطبوط اصفراً عملاق, باسطاً اذرعه الحارة الرهيبة المتعددة مبتلعاً بها بنايات المدينة.
حملوا اكياسهم هاربين للمقهى القريب بعد ان لفحهم قيظ أطرافه, دون جدوى انتظار فرصه عمل مع انتصاف النهار, تحولت احاديثهم عن مرارة الحياة وصعوبتها, حتى اصبحت أشد مرارة من كاسات القهوة التي امامهم. نهضوا جميعا واتجه كل منهم لداره تجمعهم خيبة الامل ومعاناة قسوة الحياة.
رجع خالد يمشي بنفس الازقة الضيقة البائسة مكتئبا يندب حظه, حتى توصل لفكرة. ( ان اعظم الافكار هي التي تأتينا ونحن نمشي)*. استقبلته امه بعد دخوله باب الشقة مقطب الوجه: - لا تدير بال يمه العيشة دابره والحمد لله وليدي... الله كريم. دخل غرفته واوصد الباب, دون ان ينطق بحرف.
بعد ساعة او اكثر, خرج مسرعاً صعد للسطح ثم نزل بيديه علبة (بويا حمراء) خرج وكتب على طول سياج شقته من الخارج بالخط العريض( اطالب بالتعيين). ثم عاد لغرفته ولم يبارح مكانه.
في صباح اليوم التالي بعد خروجه للعمل, ابتسم وسع ثغره عندما شاهد كل جدران ازقة المدينة, وربما كل جدران الوطن. قد اصطبغت بمختلف انواع المطالب....اطالب بالتعيين ...اطالب بالعمل...اطالب بالضمان الاجتماعي...اطالب بالماء والكهرباء...اطالب بالقضاء على الفساد...اطالب واطالب.......... واطالب.
فراس عبد الحسين
*فريدريك نيتشه (1844-1900) - فيلسوف وشاعر الماني
بين عتمة الليل ورماديه اول بدايات الصباح, خرج خالد من باب شقته الصغيرة حاملاً كيسه على كتفه, وانساب داخل ازقة محلته الضيقة الرشيقة, تمتلئ رئتيه بنسيم صباحها البارد المعطر برائحه الشاي ابو الهيل مع رائحة فطور عوائلها المختلف من باب لأخر.
حتى وصوله لمكان جلوس اصحابه على رصيف الشارع العام, كانوا جالسين حلقات يتبادلون اطراف الحديث, وبعضهم يتوسد الارض بغفوة عميقة كأنه يلتحف ريش النعام.
سلم عليهم قبل ان يتوسط جلستهم بابتسامة. ضحك احد اصدقائه بعد قوله ان حلقة جلستنا هذه تذكرني بالجامعة عندما كنا نفترش الكتب بين ازهار حدائقها, منتظرين زميلاتنا الانيقات الباسمات والمعطرات بأجمل العطور كل صباح.
رد خالد - نعم تماما ولا فرق نحن ألآن نفترش الارض والحصى, على الأرصفة بين اكوام القمامة منتظرين الذهاب مع احد اصحاب العمل بوجهه العبوس. ضحك الجميع بانين, ضحكاً ببكاء او ربما بكاءً بضحك.
طالت احاديثهم كثيرا حتى دب الملل بين كلماتهم وهم بانتظار ساعه الفرج. بعد فتره طويلة من الترقب ركنت بجانبهم احدى سيارات الحمل, ركض لها مئات عمال المسطر امتلأت عن بكرة ابيها برمشه عين ولم يكن لهم بها نصيب. عادوا لجلستهم البائسة واحاديثهم اليائسة من جديد.
بين الملل من الحديث والحديث عن الملل وصل رب عمل آخر, نهض له الجميع يركضون ويصرخون: انا.....انا. الكل يشير الى نفسه, كان بإمكانهم الحصول على فرصة عمل, لولا افساحهم المجال لبعض العمال من كبار السن, كانوا يعرفونهم جيداً مسئولين عن أعاله عوائلهم الكبيرة, بالرغم من بياض شعرهم وألآم امراض شيخوختهم.
بقوا جالسين واحياناً راكضين لحين ولادة قرص الشمس من على سطوح العمارات القريبة, مثل اخطبوط اصفراً عملاق, باسطاً اذرعه الحارة الرهيبة المتعددة مبتلعاً بها بنايات المدينة.
حملوا اكياسهم هاربين للمقهى القريب بعد ان لفحهم قيظ أطرافه, دون جدوى انتظار فرصه عمل مع انتصاف النهار, تحولت احاديثهم عن مرارة الحياة وصعوبتها, حتى اصبحت أشد مرارة من كاسات القهوة التي امامهم. نهضوا جميعا واتجه كل منهم لداره تجمعهم خيبة الامل ومعاناة قسوة الحياة.
رجع خالد يمشي بنفس الازقة الضيقة البائسة مكتئبا يندب حظه, حتى توصل لفكرة. ( ان اعظم الافكار هي التي تأتينا ونحن نمشي)*. استقبلته امه بعد دخوله باب الشقة مقطب الوجه: - لا تدير بال يمه العيشة دابره والحمد لله وليدي... الله كريم. دخل غرفته واوصد الباب, دون ان ينطق بحرف.
بعد ساعة او اكثر, خرج مسرعاً صعد للسطح ثم نزل بيديه علبة (بويا حمراء) خرج وكتب على طول سياج شقته من الخارج بالخط العريض( اطالب بالتعيين). ثم عاد لغرفته ولم يبارح مكانه.
في صباح اليوم التالي بعد خروجه للعمل, ابتسم وسع ثغره عندما شاهد كل جدران ازقة المدينة, وربما كل جدران الوطن. قد اصطبغت بمختلف انواع المطالب....اطالب بالتعيين ...اطالب بالعمل...اطالب بالضمان الاجتماعي...اطالب بالماء والكهرباء...اطالب بالقضاء على الفساد...اطالب واطالب.......... واطالب.
فراس عبد الحسين
*فريدريك نيتشه (1844-1900) - فيلسوف وشاعر الماني
تعليق