طوال حياته كان ( سالم ) صاحب ( عين فارغة لا يملؤها حتى تراب أرضه الزراعية التي ورثها).
كثير الشكوى والتذمر، لا يقنع بما لديه، دائم التطلع لما في يد الغير ..
لم يلهج لسانه بالشكر أو الحمد يوماً ..
بعكس زوجته ( بدرية )، الصابرة على أذاه، القانعة بالحالة التي يعيشونها .. ..
كلما أنجب بنتاً، ارتفعت وتيرة شكواه، وجعل من إنجابه للبنت ذريعة للتملص من توسيع رقعة (عزومة السبوع ) ويقتصرها على أهل بيته وجار الميمنة والميسرة، قابعاً في منزله ( ينهش ) اللحم الذي يجاور العظم و هو يتمتم :
( جحا أولى بخروف السبوع ) ..
أنجب من البنات ثلاثا، وفي كل مرة يلعن ( سلسفيل ) زوجته، ويعايرها بأن خِلْفة أسرتها في معظمها بنات لذا فقد ورثتْ هي ذلك منهم ..
يظل يلعن ويلعن حتى بداية الحِمْل التالي، فيبدأ بصب جام غضبه عليها ..
وتطال لعناته حتى المأذون الذي عقد قرانه .. و لا يسْلَم الشهود على زواجه من لسان لعناته ..
بقى رزقه بمقدار ما يصرفه، لحافاً على مقاس رجليه و هو يتمنى لحافاً يتدلى من كل جوانب مرقده.
يطمع في ثروة يطفو بها من قاع الفقر وضنك العيش ..
يرنو إلى مستوى معيشة ( شيخ الدين ) التاجر ..
ويتطلع إلى عيشة ( رزق الله ) صاحب الشاحنات والرافعات ..
لم يعتبر يوماً بالأمثلة التي يراها حقيقة واقعة ويسمعها عن كثب ..
أما ( عبد المطلب ) أغنى أغنياء الناحية وأثرى أثريائها، لم يُرْزق بغير فتاة واحدة، وُلِدتْ و هي تعاني من تخلف عقلي، عقلها لا يواكب عمرها وحجمها ..
يحبها والداها حباً جماً، ويقول أبوها إن عاهتها العقلية امتحان من عند الله له وهبه إياها لحكمة يعلمها الخالق ..
فحمد الله وشكره.
أبواب رزقه مفتوحة على مصراعيها وتقول له هل من مزيد ؟
أما ( سالم ) رفيق الشكوى وراكب مطية التذمر .. فقد جلس يوماً يدخن سيجارته تحت ظل شجرة..
فكّر و قدّر ..
ثم نظر وبسر ..
وسعل و تَـفَـل ..
وثبت وجفل ..
وتيقن أن تـغَـيُّـر حاله كسراب بقيع يحسبه الظمآن ماءاً ..
و أنه مهما إشتكى و بكى .. فلن يزده ذاك شيئاً ..
ثم أشعل سيجارة أخرى، أحس أن نكهتها ليست كالأولى فقد أحرقتْ تلافيف لسانه، وطاف طائف من فكرة لمعتْ في ذهنه، ثم ومضتْ كالبرق الخاطف ..
وزمجر أملٌ بين أضلاعه كهزيم الرعد في ليل بهيم ..
فإلتهم دخان سيجارته على دفعات متمهلة و هو ينفث دخانها إلى الأعلى وابتسامة رضا ترقد على كامل شفتيه ..
فقام غير عابيء بما علق به من أشواك وتراب.
وصل بيته و لم يدخل كعادته، فقد دخل كأنما يزحف مندلقا كأفعى تحمل زعافاً ..
أبتدر ( بدرية ) بموشح الشكوى اليومي، مبتدءاً بضمور الرزق وأتساع مطالب البيت ..
ثم عرج على خلفتها للبنات ..
وعزف كثيراً على وتر أن لا أمل في ولادتها لصبي ( يكبر و يشيل الحمل عنه ) ..
ثم بدأ في أداء سيمفونية جديدة، صاغ كلماتها في شأن العاقلات من النساء اللائي يرشدن أزواجهن إلى أبواب رزق جديدة تضمن للأسرة جمعاء الرفاهية المنشودة ..
وبدأ في تلحين كلماته بصوت دافئ حنون لم تألفه ( بدرية )..
مُلوّحاً لها بالبنات وحقهن في التعليم والزواج من أسر كبيرة والعيش في بحبوحة العيش ..
ثم دلف إلى نقطة ضعف حواء، وهمس لها بلطف غير معهود بأن :
ما أجمل ( بضع خواتم ) تزيِّن أصابعك.. و ما أجمل ( دستة من الأساور ) على معصميك تموسق يومك و أنت تقومين بأعمال البيت .. و يا لجمال ( سلسال ) يرتاح مترجرجاً أعلى الصُرة عيار 21.
وكلما وجد أن عينيها الجميلتين تشعان بعصافير الأمل الواقفة على شجرة وعوده البراقة، كلما زاد جرعات فحيحه ..
وأمسك بأصابع يديها وفردهما أمامه قائلا بأن خواتم بفصوص كبيرة تتوارى خجلا أمام هذا البريق الذي يشع من بين فرجاتها..
أترعها بأحلامه، فأصابتها تخمة العيش فيه ..
ثملتْ بتحليقه اللذيذ .. فأصابها خدرٌ منعها الكلام ..
فقالت بأسى بأنها لا تملك حاليا أي خطط ..
فقفز إلى آخر حرف من كلامها و ألصق بها جملته التي أعدّها سلفا :
أنا عندي الحل ..
نظرت إليه نظرة تستحثه على الإستمرار ..
قال و هو يركز بصره على عينيها حتى لا يعطيها فرصة للتراجع : الحاج عبد المطلب عنده بنت أسمها (فاطنة)، ما فيش حد بيفكر يتزوجها علشان هي متخلفة عقليا .. إيه رأيك إتزوجها أناااااااااااا ؟.......
ثم توقف ليرى وقع كلامه عليها ..
قالت وحاجب الشك يرتفع : عشان حتتزوج بنته حيديلك كل اللي قلت عليه دلوقتي ؟
قال في همس إبليس : لا يا عبيطة .. أبوها بيحبها موت و أمها بتحبها أكتر .. و طلباتها مجابة .. و البنت دي وحيدة ومدللة .. أنا مستعد إستحمل الهبل بتاعها عشان خاطرك.
طوال الليل قـلَّـبا الأمر على جمر الإحتمالات ..
مرة تركب (بدرية) تيار الغيرة وفكرة ( الضرة )، فتحْرَد الفكرة برمتها ، لاوية بوزها.
وعندما يذكرها بفقرهم وحاجتهم تلين قليلاً ..
في الصباح الباكر تأنق ( سالم ) رافلا في ( جلبابه ) الوحيد الذي لا يلبسه إلا في الأعياد والمناسبات واعتمر عمامته التي تغير لونها.... وأنطلق إلى وجهته يسبقه حلمه .
والد (فاطنة) لم تغبْ عن فطنته وذكائه ما يرمي إليه (سالم) من طلبه يد أبنته المعاقة .. فأضمر أمراً في سره، ونصْب عينيه أن ينقل إبنته من حالتها الراهنة إلى عالم آخر لعل وعسى، فوافق على تزويجه وحيدته ..
لم يمض أسبوع من طلب (سالم) يد البنت المعتوهة، حتى كان عريساً بمراسم زواج ظل الناس يتناقلون مجرياتها لسنوات عديدة.
كان عرساً خرافياً دامت احتفالياته لأسبوعين ..
ذبح ( عبد المطلب ) الثيران والخراف و امتدت الموائد ..
أطلقوا رصاصاً يكفي لإبادة كل كلاب القرية وثعالبها ..
غنى كل فناني الحى ورقصتْ كل الصبايا ..
العروس كانت ترمق الكل وكأن الأمر لا يعنيها في شيء .. وقسمات وجهها لا تنم عن الحدث.
قاومتْ كل طقوس تهيئتها كعروس ..
كلما زغردتْ النساء، تجري للخروج والفرجة ..
فتلحقها وصيفات العرس و هن يتضاحكن ويرجعنها لغرفة الدخلة و هي تقاوم في عناد طفولي ..
لتعاود المحاولة في عبث بريء ..
قالن لها مازحات : زوجك إسمو إيه ؟
قالت و هي تتقافز في مربعات رسمتها داخل الغرفة: ما عندوش إسم ..
ثم تقول وعيناها تجول بينهن في تحفز تكسوه الشقاوة :
أنا حأسميه .. حأسميه ... حأسميه عبد المطلب ..
قالن لها بضحك ساخر : عبد المطلب أسم أبوك يا هبلة ..
تقول و هي تحاول شد شعر فتاة بقربها : إسمو العريس ..
ليلتها ..
دخل ( سالم ) ... و لم يدخل ..
فقد جرب معها ناعم الكلام لتهدأ .. فأزداد هياجها وهي تصرخ في وجهه : أطلع برة .. روح نوم عند أمك ..
حاول أن يأمرها بغضب .. فصرخت بأعلى صوتها و هي تخبط على باب الغرفة المغلقة : بابا تعال إدبح الراجل دة.
وضع يده على فمها ليسكتها .. فغرزت أسنانها في يده .. فصرخ صرخة مكتومة .. و تمتم قائلا :
( لو الناس سمعت صوتي حتقول إيه دلوقت ؟ مصيبة إيه دي؟ بس الصبر طيب ) ..
ثم جرب أن يستعمل القوة كحل أخير ، ففوجيء بأنها في قوة فرس جامحة، فقد أدْمتْ وجهه بخربشات أظافرها ..
إستكان مستسلماً على طرف السرير، فدفعته برجليها حتى أنزلق على الأرض، فأطلقتْ ضحكة جزلى وكأنها تستحثه على اللعب ..
جلس على الكرسي الوحيد في الغرفة يحملق فيها صامتاً محتاراً ..
ظل حال ( سالم ) في كر و فر مع عروسه على نفس هذا الحال لفترة طويلة قبل أن ينجح في ترويضها وتهدئتها وكسْب ثقتها دون كلل أو ملل يحدوه ما خطط له ويحفزه أمل ظل محفوراً في باطن عقله ( فهو قد نوى أن يصبر صبر الذي يحفر البئر بإبرة ) ..
و أخذ الأمر منه فترة أخرى قبل ينقلها من عالم عذريتها إلى عالمها الجديد ..
قاومت محاولاته بين مندهشة ومستنكرة ..
ليلتها ..
فبينما كان يستدعي كل فحولته، كانت هي في البدء هائمة في عوالم أخرى لا صلة لها بما يحاك ضد جسدها البِكر ..
ثم بدأ الخوف مما يحدث لها في كسر شوكة تمردها، مستسلمة لتجربتها، تقاوم تارة ثم تستكين تارة أخرى لتستكشف كُنْه ما يجري، ربما كانت تعتقد أن ما يقوم به هو نوع من العقاب على ما فعلته به طيلة الأيام السابقة، فتعاود استعمال أظافرها بشراسة و لكن سرعان ما تتوقف عن المقاومة ..
جعلته في صباح اليوم التالي يندم على فعلته التي فعلها ..
طفقتْ تحدث الجميع في البيت بمجريات ليلتها .. بتفصيل ممل.
تحكي لهم بتفصيل يخدش حياء الكل، وكأنها تحكي لهم قصة ( حسن ونعيمة ) :
قالت في غيظ طفولي : ( عريسي قليل أدب ) ..
ثم تضربه على قفاه بكلتا يديها ، وتارة تقذفه ( بكوز الماء )، لتعود لتشد شعر رأسه ..
فتتوارى أمها خجلا ..وتضحك خالتها و هي تدير وجهها محاولة كتم ضحكتها ..
ثم بدأ (سالم) في الاستعداد لجنى قطافه التي إعتقد أنها قد أينعتْ .. ..
وعلى صينية العشاء أطلق قنبلته الأولى : يا حاج عبد المطلب أنا عاوز أبدأ تجارة كدة بمبلغ صغير.
فقال الحاج و هو منهمك في مصمصة ( ورك ) دجاجة : و الله عين العقل .. راس مالك كم ؟
وقفتْ اللقمة قليلا في حلق (سالم) قبل أن تنزلق للأسفل وكأنه يبتلع شوكة سمكة ..
قال بنبرة منكسرة : إنت عارف البير و غطاه يا حاج ..
فقال الحاج غير مبالٍ : الغطا أنا أعرفه تماما .. و لكن اللي جوة البير علمه عندك و عند الله ..
قال متوسلاً : أنا ما إستغناش عن مساعدتك يا حاج ..
فقال الحاج و هو يكرع الشوربة : مساعدتي لك حتكون مشورة ونصايح و تجربتي الطويلة في التجارة .. أنا بحب الراجل يعتمد على نفسه في أي شي يا ( سالم ) .. و أنا بشوف إنو من بكرة تاخد مراتك لبيتك ..
رغم أن قرار الحاج أصابه في مقتل إلا أنه قدّر أن يكون السكن في بيته مع (فاطنة) ستجعل الحاج يساعده على الأقل من أجل إبنته الوحيدة ..
ولكن الحاج وزوجته تجاهلاهما تماما وكأنهما نسيا أن لديهما بنت ..
يزورانها لِماماً من وقت لآخر .. فإزداد عبؤه على عبئه القديم ..
عروسه ظلت لاهية باللعب مع بناته الصغيرات ..
تجوع فتطلب الأكل ..و إن لم يعجبها الطعام .. تقوم بقلْب المائدة بما حوتْ رأسا على عقب ..
هاجت ذات يوم .. فكسرتْ نصف أطباق المطبخ .. ودولاب الملابس الوحيد .. ثم قامت برمى (جلباب) زوجها الوحيد في (الفرن) .. وكسرت زيرا من مجموع زيرين و هو الزير الذي يعتمدون عليه في تبريد الماء صيفاً .. وقامت بخنق عدة دجاجات نكاية في زوجها .. ثم إستكانت عندما نادتها إحدى بنات (سالم) لتلعب معهن ..
ذهب (سالم) للحاج في محاولة أخيرة : يا حاج .. أنا تعبت .. و ..
لم يجعله الحاج يكمل .. قال له مقاطعا : هساعدك .. بس بشرط ..
طار قلب سالم فرحاً فقال فرحا : أشرط يا حاج ..
فقال الحاج بصوت أشبه بصرير الباب مختبراً معدنه : تطلق مراتك أم عيالك و تجي تعيش إنت وفاطمة هنا معانا ..
وسط دموع زوجته .. طلق سالم (بدرية) .. بوعد منه أن يرجعها إلى عصمته عندما ينال ما يخطط له ..
أخذ حاجياته في ( بقجة ) و إنتقل إلى منزل الحاج ..
صار عمله الجديد هو الوقوف مع الحاج في الدكان أحياناً، وأحياناً يرسله لمراقبة العمال في المزرعة، وتارة يرسله لقضاء أمور تتعلق بتجارته.
لم يتغير شيء في حياته غير أصناف أكله وفراش مخدعه ..
بدأ صبره ينفد ، والملل يأخذ طريقه إلى نفسه ..
فاجأته أم (فاطنة) بخبر حمل زوجته، و (فاطنة) لاهية .. لا تكترث لتوابع الحمل ..
تقفز هنا وهناك غير مبالية بالجنين يكبر في أحشائها ..
وتمر الشهور، والخوف يملأ قلب (سالم)، فخطته تراوح محلها ..
و في شهرها الرابع انزلقت (فاطنة) و هي تلهو وتلعب، صرختْ و دم النزف يبلل قدميها وتفقد جنينها.
لم تكد شمس ذاك اليوم تغرب .. حتى فارقت (فاطنة) الحياة رغم ما بذله الحاج من إنقاذها بشتى السبل.
وأوجس (سالم ) خيفة في نفسه من قادم الأيام ومصير بقائه في منزل الحاج ..
و ما أن إنتهت أيام العزاء و أنفض جمع المعزين ..
ناداه الحاج : يا سالم .. أظن مافيش داعي تسكن معانا بعد كدة ..
قال سالم فزعا : ممكن أكون شغال معاك ..و أروح أسكن في بيتي ؟
قال الحاج بإصرار جازم : أنا قبلت بيك عشان خاطر بنتي الله يرحمها .. و دلوقت مالكش لازمة ..
مجرجراً رجليه نحو بيته أحس أن روحه أيضا تنسحب خلفه ..
عندما وصل بيته عند أطراف الحى، يقدم رِجْلا ويؤخر أخرى .. انتابته الوساوس:
كيف ستقابل بناتك ؟ فأنت لم تسأل عنهن منذ طلقت أمهن ؟ ماذا ستقول لأمهن ؟ و هل سترضى بأن تعود إليك ؟
أسئلة كثيرة جعلت تهوى إلى رأسه كالمطارق ....
لعن اليوم الذي فكر فيه في إصلاح حاله ..
قال له جاره و هو ينظر إليه بإحتقار : مراتك أخدتْ البنات وسافرت البندر .... أخواتها هناك خدوها عندهم وسمعنا إنو واحد صاحبهم حيتزوجها .. واحد الظاهر بيعرف قيمة بنات الناس ..
منذئذ يعيش (سالم) وحيداً هائماً لا يحادث أحداً، يمارس عمله القديم ..
قانعاً بما جرى له هاجراً التذمر ..
لم يعد يجأر بالشكوى ..
وعندما يتذكر بناته، يكابر معانداً دموعه الواقفة عند أطراف مآقيه..
وينظر هناك بعيدا في فضاء القرية متحاشياً أن يمد بصره إلى السراب المترقرق عند نهاية خط الأفق فقد جرب الإمساك به ذات مرة ..
كثير الشكوى والتذمر، لا يقنع بما لديه، دائم التطلع لما في يد الغير ..
لم يلهج لسانه بالشكر أو الحمد يوماً ..
بعكس زوجته ( بدرية )، الصابرة على أذاه، القانعة بالحالة التي يعيشونها .. ..
كلما أنجب بنتاً، ارتفعت وتيرة شكواه، وجعل من إنجابه للبنت ذريعة للتملص من توسيع رقعة (عزومة السبوع ) ويقتصرها على أهل بيته وجار الميمنة والميسرة، قابعاً في منزله ( ينهش ) اللحم الذي يجاور العظم و هو يتمتم :
( جحا أولى بخروف السبوع ) ..
أنجب من البنات ثلاثا، وفي كل مرة يلعن ( سلسفيل ) زوجته، ويعايرها بأن خِلْفة أسرتها في معظمها بنات لذا فقد ورثتْ هي ذلك منهم ..
يظل يلعن ويلعن حتى بداية الحِمْل التالي، فيبدأ بصب جام غضبه عليها ..
وتطال لعناته حتى المأذون الذي عقد قرانه .. و لا يسْلَم الشهود على زواجه من لسان لعناته ..
بقى رزقه بمقدار ما يصرفه، لحافاً على مقاس رجليه و هو يتمنى لحافاً يتدلى من كل جوانب مرقده.
يطمع في ثروة يطفو بها من قاع الفقر وضنك العيش ..
يرنو إلى مستوى معيشة ( شيخ الدين ) التاجر ..
ويتطلع إلى عيشة ( رزق الله ) صاحب الشاحنات والرافعات ..
لم يعتبر يوماً بالأمثلة التي يراها حقيقة واقعة ويسمعها عن كثب ..
أما ( عبد المطلب ) أغنى أغنياء الناحية وأثرى أثريائها، لم يُرْزق بغير فتاة واحدة، وُلِدتْ و هي تعاني من تخلف عقلي، عقلها لا يواكب عمرها وحجمها ..
يحبها والداها حباً جماً، ويقول أبوها إن عاهتها العقلية امتحان من عند الله له وهبه إياها لحكمة يعلمها الخالق ..
فحمد الله وشكره.
أبواب رزقه مفتوحة على مصراعيها وتقول له هل من مزيد ؟
أما ( سالم ) رفيق الشكوى وراكب مطية التذمر .. فقد جلس يوماً يدخن سيجارته تحت ظل شجرة..
فكّر و قدّر ..
ثم نظر وبسر ..
وسعل و تَـفَـل ..
وثبت وجفل ..
وتيقن أن تـغَـيُّـر حاله كسراب بقيع يحسبه الظمآن ماءاً ..
و أنه مهما إشتكى و بكى .. فلن يزده ذاك شيئاً ..
ثم أشعل سيجارة أخرى، أحس أن نكهتها ليست كالأولى فقد أحرقتْ تلافيف لسانه، وطاف طائف من فكرة لمعتْ في ذهنه، ثم ومضتْ كالبرق الخاطف ..
وزمجر أملٌ بين أضلاعه كهزيم الرعد في ليل بهيم ..
فإلتهم دخان سيجارته على دفعات متمهلة و هو ينفث دخانها إلى الأعلى وابتسامة رضا ترقد على كامل شفتيه ..
فقام غير عابيء بما علق به من أشواك وتراب.
وصل بيته و لم يدخل كعادته، فقد دخل كأنما يزحف مندلقا كأفعى تحمل زعافاً ..
أبتدر ( بدرية ) بموشح الشكوى اليومي، مبتدءاً بضمور الرزق وأتساع مطالب البيت ..
ثم عرج على خلفتها للبنات ..
وعزف كثيراً على وتر أن لا أمل في ولادتها لصبي ( يكبر و يشيل الحمل عنه ) ..
ثم بدأ في أداء سيمفونية جديدة، صاغ كلماتها في شأن العاقلات من النساء اللائي يرشدن أزواجهن إلى أبواب رزق جديدة تضمن للأسرة جمعاء الرفاهية المنشودة ..
وبدأ في تلحين كلماته بصوت دافئ حنون لم تألفه ( بدرية )..
مُلوّحاً لها بالبنات وحقهن في التعليم والزواج من أسر كبيرة والعيش في بحبوحة العيش ..
ثم دلف إلى نقطة ضعف حواء، وهمس لها بلطف غير معهود بأن :
ما أجمل ( بضع خواتم ) تزيِّن أصابعك.. و ما أجمل ( دستة من الأساور ) على معصميك تموسق يومك و أنت تقومين بأعمال البيت .. و يا لجمال ( سلسال ) يرتاح مترجرجاً أعلى الصُرة عيار 21.
وكلما وجد أن عينيها الجميلتين تشعان بعصافير الأمل الواقفة على شجرة وعوده البراقة، كلما زاد جرعات فحيحه ..
وأمسك بأصابع يديها وفردهما أمامه قائلا بأن خواتم بفصوص كبيرة تتوارى خجلا أمام هذا البريق الذي يشع من بين فرجاتها..
أترعها بأحلامه، فأصابتها تخمة العيش فيه ..
ثملتْ بتحليقه اللذيذ .. فأصابها خدرٌ منعها الكلام ..
فقالت بأسى بأنها لا تملك حاليا أي خطط ..
فقفز إلى آخر حرف من كلامها و ألصق بها جملته التي أعدّها سلفا :
أنا عندي الحل ..
نظرت إليه نظرة تستحثه على الإستمرار ..
قال و هو يركز بصره على عينيها حتى لا يعطيها فرصة للتراجع : الحاج عبد المطلب عنده بنت أسمها (فاطنة)، ما فيش حد بيفكر يتزوجها علشان هي متخلفة عقليا .. إيه رأيك إتزوجها أناااااااااااا ؟.......
ثم توقف ليرى وقع كلامه عليها ..
قالت وحاجب الشك يرتفع : عشان حتتزوج بنته حيديلك كل اللي قلت عليه دلوقتي ؟
قال في همس إبليس : لا يا عبيطة .. أبوها بيحبها موت و أمها بتحبها أكتر .. و طلباتها مجابة .. و البنت دي وحيدة ومدللة .. أنا مستعد إستحمل الهبل بتاعها عشان خاطرك.
طوال الليل قـلَّـبا الأمر على جمر الإحتمالات ..
مرة تركب (بدرية) تيار الغيرة وفكرة ( الضرة )، فتحْرَد الفكرة برمتها ، لاوية بوزها.
وعندما يذكرها بفقرهم وحاجتهم تلين قليلاً ..
في الصباح الباكر تأنق ( سالم ) رافلا في ( جلبابه ) الوحيد الذي لا يلبسه إلا في الأعياد والمناسبات واعتمر عمامته التي تغير لونها.... وأنطلق إلى وجهته يسبقه حلمه .
والد (فاطنة) لم تغبْ عن فطنته وذكائه ما يرمي إليه (سالم) من طلبه يد أبنته المعاقة .. فأضمر أمراً في سره، ونصْب عينيه أن ينقل إبنته من حالتها الراهنة إلى عالم آخر لعل وعسى، فوافق على تزويجه وحيدته ..
لم يمض أسبوع من طلب (سالم) يد البنت المعتوهة، حتى كان عريساً بمراسم زواج ظل الناس يتناقلون مجرياتها لسنوات عديدة.
كان عرساً خرافياً دامت احتفالياته لأسبوعين ..
ذبح ( عبد المطلب ) الثيران والخراف و امتدت الموائد ..
أطلقوا رصاصاً يكفي لإبادة كل كلاب القرية وثعالبها ..
غنى كل فناني الحى ورقصتْ كل الصبايا ..
العروس كانت ترمق الكل وكأن الأمر لا يعنيها في شيء .. وقسمات وجهها لا تنم عن الحدث.
قاومتْ كل طقوس تهيئتها كعروس ..
كلما زغردتْ النساء، تجري للخروج والفرجة ..
فتلحقها وصيفات العرس و هن يتضاحكن ويرجعنها لغرفة الدخلة و هي تقاوم في عناد طفولي ..
لتعاود المحاولة في عبث بريء ..
قالن لها مازحات : زوجك إسمو إيه ؟
قالت و هي تتقافز في مربعات رسمتها داخل الغرفة: ما عندوش إسم ..
ثم تقول وعيناها تجول بينهن في تحفز تكسوه الشقاوة :
أنا حأسميه .. حأسميه ... حأسميه عبد المطلب ..
قالن لها بضحك ساخر : عبد المطلب أسم أبوك يا هبلة ..
تقول و هي تحاول شد شعر فتاة بقربها : إسمو العريس ..
ليلتها ..
دخل ( سالم ) ... و لم يدخل ..
فقد جرب معها ناعم الكلام لتهدأ .. فأزداد هياجها وهي تصرخ في وجهه : أطلع برة .. روح نوم عند أمك ..
حاول أن يأمرها بغضب .. فصرخت بأعلى صوتها و هي تخبط على باب الغرفة المغلقة : بابا تعال إدبح الراجل دة.
وضع يده على فمها ليسكتها .. فغرزت أسنانها في يده .. فصرخ صرخة مكتومة .. و تمتم قائلا :
( لو الناس سمعت صوتي حتقول إيه دلوقت ؟ مصيبة إيه دي؟ بس الصبر طيب ) ..
ثم جرب أن يستعمل القوة كحل أخير ، ففوجيء بأنها في قوة فرس جامحة، فقد أدْمتْ وجهه بخربشات أظافرها ..
إستكان مستسلماً على طرف السرير، فدفعته برجليها حتى أنزلق على الأرض، فأطلقتْ ضحكة جزلى وكأنها تستحثه على اللعب ..
جلس على الكرسي الوحيد في الغرفة يحملق فيها صامتاً محتاراً ..
ظل حال ( سالم ) في كر و فر مع عروسه على نفس هذا الحال لفترة طويلة قبل أن ينجح في ترويضها وتهدئتها وكسْب ثقتها دون كلل أو ملل يحدوه ما خطط له ويحفزه أمل ظل محفوراً في باطن عقله ( فهو قد نوى أن يصبر صبر الذي يحفر البئر بإبرة ) ..
و أخذ الأمر منه فترة أخرى قبل ينقلها من عالم عذريتها إلى عالمها الجديد ..
قاومت محاولاته بين مندهشة ومستنكرة ..
ليلتها ..
فبينما كان يستدعي كل فحولته، كانت هي في البدء هائمة في عوالم أخرى لا صلة لها بما يحاك ضد جسدها البِكر ..
ثم بدأ الخوف مما يحدث لها في كسر شوكة تمردها، مستسلمة لتجربتها، تقاوم تارة ثم تستكين تارة أخرى لتستكشف كُنْه ما يجري، ربما كانت تعتقد أن ما يقوم به هو نوع من العقاب على ما فعلته به طيلة الأيام السابقة، فتعاود استعمال أظافرها بشراسة و لكن سرعان ما تتوقف عن المقاومة ..
جعلته في صباح اليوم التالي يندم على فعلته التي فعلها ..
طفقتْ تحدث الجميع في البيت بمجريات ليلتها .. بتفصيل ممل.
تحكي لهم بتفصيل يخدش حياء الكل، وكأنها تحكي لهم قصة ( حسن ونعيمة ) :
قالت في غيظ طفولي : ( عريسي قليل أدب ) ..
ثم تضربه على قفاه بكلتا يديها ، وتارة تقذفه ( بكوز الماء )، لتعود لتشد شعر رأسه ..
فتتوارى أمها خجلا ..وتضحك خالتها و هي تدير وجهها محاولة كتم ضحكتها ..
ثم بدأ (سالم) في الاستعداد لجنى قطافه التي إعتقد أنها قد أينعتْ .. ..
وعلى صينية العشاء أطلق قنبلته الأولى : يا حاج عبد المطلب أنا عاوز أبدأ تجارة كدة بمبلغ صغير.
فقال الحاج و هو منهمك في مصمصة ( ورك ) دجاجة : و الله عين العقل .. راس مالك كم ؟
وقفتْ اللقمة قليلا في حلق (سالم) قبل أن تنزلق للأسفل وكأنه يبتلع شوكة سمكة ..
قال بنبرة منكسرة : إنت عارف البير و غطاه يا حاج ..
فقال الحاج غير مبالٍ : الغطا أنا أعرفه تماما .. و لكن اللي جوة البير علمه عندك و عند الله ..
قال متوسلاً : أنا ما إستغناش عن مساعدتك يا حاج ..
فقال الحاج و هو يكرع الشوربة : مساعدتي لك حتكون مشورة ونصايح و تجربتي الطويلة في التجارة .. أنا بحب الراجل يعتمد على نفسه في أي شي يا ( سالم ) .. و أنا بشوف إنو من بكرة تاخد مراتك لبيتك ..
رغم أن قرار الحاج أصابه في مقتل إلا أنه قدّر أن يكون السكن في بيته مع (فاطنة) ستجعل الحاج يساعده على الأقل من أجل إبنته الوحيدة ..
ولكن الحاج وزوجته تجاهلاهما تماما وكأنهما نسيا أن لديهما بنت ..
يزورانها لِماماً من وقت لآخر .. فإزداد عبؤه على عبئه القديم ..
عروسه ظلت لاهية باللعب مع بناته الصغيرات ..
تجوع فتطلب الأكل ..و إن لم يعجبها الطعام .. تقوم بقلْب المائدة بما حوتْ رأسا على عقب ..
هاجت ذات يوم .. فكسرتْ نصف أطباق المطبخ .. ودولاب الملابس الوحيد .. ثم قامت برمى (جلباب) زوجها الوحيد في (الفرن) .. وكسرت زيرا من مجموع زيرين و هو الزير الذي يعتمدون عليه في تبريد الماء صيفاً .. وقامت بخنق عدة دجاجات نكاية في زوجها .. ثم إستكانت عندما نادتها إحدى بنات (سالم) لتلعب معهن ..
ذهب (سالم) للحاج في محاولة أخيرة : يا حاج .. أنا تعبت .. و ..
لم يجعله الحاج يكمل .. قال له مقاطعا : هساعدك .. بس بشرط ..
طار قلب سالم فرحاً فقال فرحا : أشرط يا حاج ..
فقال الحاج بصوت أشبه بصرير الباب مختبراً معدنه : تطلق مراتك أم عيالك و تجي تعيش إنت وفاطمة هنا معانا ..
وسط دموع زوجته .. طلق سالم (بدرية) .. بوعد منه أن يرجعها إلى عصمته عندما ينال ما يخطط له ..
أخذ حاجياته في ( بقجة ) و إنتقل إلى منزل الحاج ..
صار عمله الجديد هو الوقوف مع الحاج في الدكان أحياناً، وأحياناً يرسله لمراقبة العمال في المزرعة، وتارة يرسله لقضاء أمور تتعلق بتجارته.
لم يتغير شيء في حياته غير أصناف أكله وفراش مخدعه ..
بدأ صبره ينفد ، والملل يأخذ طريقه إلى نفسه ..
فاجأته أم (فاطنة) بخبر حمل زوجته، و (فاطنة) لاهية .. لا تكترث لتوابع الحمل ..
تقفز هنا وهناك غير مبالية بالجنين يكبر في أحشائها ..
وتمر الشهور، والخوف يملأ قلب (سالم)، فخطته تراوح محلها ..
و في شهرها الرابع انزلقت (فاطنة) و هي تلهو وتلعب، صرختْ و دم النزف يبلل قدميها وتفقد جنينها.
لم تكد شمس ذاك اليوم تغرب .. حتى فارقت (فاطنة) الحياة رغم ما بذله الحاج من إنقاذها بشتى السبل.
وأوجس (سالم ) خيفة في نفسه من قادم الأيام ومصير بقائه في منزل الحاج ..
و ما أن إنتهت أيام العزاء و أنفض جمع المعزين ..
ناداه الحاج : يا سالم .. أظن مافيش داعي تسكن معانا بعد كدة ..
قال سالم فزعا : ممكن أكون شغال معاك ..و أروح أسكن في بيتي ؟
قال الحاج بإصرار جازم : أنا قبلت بيك عشان خاطر بنتي الله يرحمها .. و دلوقت مالكش لازمة ..
مجرجراً رجليه نحو بيته أحس أن روحه أيضا تنسحب خلفه ..
عندما وصل بيته عند أطراف الحى، يقدم رِجْلا ويؤخر أخرى .. انتابته الوساوس:
كيف ستقابل بناتك ؟ فأنت لم تسأل عنهن منذ طلقت أمهن ؟ ماذا ستقول لأمهن ؟ و هل سترضى بأن تعود إليك ؟
أسئلة كثيرة جعلت تهوى إلى رأسه كالمطارق ....
لعن اليوم الذي فكر فيه في إصلاح حاله ..
قال له جاره و هو ينظر إليه بإحتقار : مراتك أخدتْ البنات وسافرت البندر .... أخواتها هناك خدوها عندهم وسمعنا إنو واحد صاحبهم حيتزوجها .. واحد الظاهر بيعرف قيمة بنات الناس ..
منذئذ يعيش (سالم) وحيداً هائماً لا يحادث أحداً، يمارس عمله القديم ..
قانعاً بما جرى له هاجراً التذمر ..
لم يعد يجأر بالشكوى ..
وعندما يتذكر بناته، يكابر معانداً دموعه الواقفة عند أطراف مآقيه..
وينظر هناك بعيدا في فضاء القرية متحاشياً أن يمد بصره إلى السراب المترقرق عند نهاية خط الأفق فقد جرب الإمساك به ذات مرة ..
تعليق