منزلة الشعر و الشعراء عند العرب -1-
للشعر والشعراء عند العرب منزلة عظيمة ، ومكانة رفيعة خاصة عند القبيلة في عصر ما قبل الإسلام. فكان إذا نبغ شاعرٌ تحتفل به قبيلته، وتدق له طبول الفرح وتتباهى به عند القبائل الأخرى، فنبوغ الشاعر عند القبيلة أعظم درجة من الخطيب المفوَّه ، ويكاد يكون أعظم درجة من رئيسها وفارسها وذلك أنه يمجٍّد قبيلته ويرفع من قيمتها عند أعدائها وعند القبائل الأخرى ويحط من قيمة أعدائها، فهوالمنافح والمدافع عنها وهو الذي يسجِّل لها تاريخ مفاخرها و أمجادها ويباهي بمآثرها و يعظم من شأنها ويهِّول على أعدائها.
يقول الجاحظ "كانت العرب تحتال في تخليدها بإن تعتمد على الشعر الموزون والكلام المقفى، وكان ذلك هو ديوانها، وعلى أن الشعر يفيد فضيلة البيان.".
ومن أهمية الشاعر عند القبيلة أن أعداءها يتوددون إلى قبيلته مخافة من هجائه، وكان البيت الواحد من الشعر يرفع من شان القبيلة و يحط من منزلتها ، فالهجاء مفعوله أمض من السيف وافتك من النبال، حيث كانت القبائل في ذلك العصر تحارب أعداءها بالشعر قبل السيف. يقول الجاحظ "وهل أهلك عَنَزة وجَرماً وعُكلا وسَلول وباهلة وغنياً إلا الهجاء" . ومن أمثلة ذلك كان بنوأنف الناقة من بني تميم أن أحداً قسـَّم ناقة جزوراً ونسي أحد أبنائه فأرسلته أمه ولم يبق إلا رأس الناقة، فقال له أبوه شأنك هذا، فأدخل أصابعه في أنف الناقة وأخد يجره فلقبت القبيلة " ببني أنف الناقة ". وكانت العرب تستهزئ بهم وتسخر منهم، حتى إذا ُسئل أحدهم من أي قبيلة انت أجاب من بني قريع، حتى جاء الحطيئة ومدحهم من قصيدة منها الأبيات التالية :
سيري أمامَ فإنَّ الأكثرين حصَىً
والأكرمين إذا ما يُنْسبونَ أبا
قومٌ هم الأنفُ والأذناب غيرهمُ
ومنْ يسوِّي بأنف الناقةِ الذنبا
قومٌ إذا عقدوا عَقداً لجَارهمُ
شدُّوا العِناج وشَدُّ فوقه الكربا
أبلغ سَراةَ بني سعدٍ مغلغلةً
جهد الرِّسالة لا ألتاً ولا كذبا
بعد أن مدحهم الحطيئة إذا ُسئل أحدهم من أي قبيلة أنت قال باعتزاز وفخر: أنا من بني أنف الناقة. ويحكى عن الأعشى إنه لم يمدح قوماً إلا رفعهم ولم يهج قوماً إلا وضعهم ومن الذين مدحهم في شعره المحـَّـلق، وقصة المحـَّـلق كان أباً لثمان بنات عوانس رغبت عن خطبتهن الرجال لفقرهن، فطلب من الأعشى أن يمدحه وينوه بحسن ذكره في سوق عكاظ وما هي إلاّ سنة كاملة لم تبق جارية منهن إلا وقد تزوجت لسيد كريم في قومه .
ومن أهمية الشعر في ذلك العصر ، ما تكاد القصيدة تلقى حتى تتناقل بين القبائل، وتحدوا بها الحداة وتنتشرفي الوديان والسهول مثل الرياح، ومن سرعة انتشار القصيدة بين القبائل العربية يقول المسَّيب بن علس في ذلك:
فلأ هـديَّن مع الرياح قصيدة ً
مني مغـلغلـة إلى القعقاع ِِ
ترد الميــاه فما تزال غريبة
في القوم بين تمثل وسماع ِ
وكانت القبائل تعلّم صغارها وتحفظهم قصائد شاعرهم، وكان كل فرد في القبيلة يردد قصائد شاعرقبيلته افتخاراً بين القبائل الأخرى. وكانت قبيلة تغلب كثيراً ما تردد قصيدة شاعرها عمرو بن كلثوم حتى هجاهم شاعر بكربن وائل بقوله:
ألهت بني تغلب عن كل مكرمة ٍ
قصيدة قالها عمرو بن كلثوم ِ
يـروونها أبداً مذ كان أولهم
يا للرجال لشعر غير مـسئوم
يتبع -2-
للشعر والشعراء عند العرب منزلة عظيمة ، ومكانة رفيعة خاصة عند القبيلة في عصر ما قبل الإسلام. فكان إذا نبغ شاعرٌ تحتفل به قبيلته، وتدق له طبول الفرح وتتباهى به عند القبائل الأخرى، فنبوغ الشاعر عند القبيلة أعظم درجة من الخطيب المفوَّه ، ويكاد يكون أعظم درجة من رئيسها وفارسها وذلك أنه يمجٍّد قبيلته ويرفع من قيمتها عند أعدائها وعند القبائل الأخرى ويحط من قيمة أعدائها، فهوالمنافح والمدافع عنها وهو الذي يسجِّل لها تاريخ مفاخرها و أمجادها ويباهي بمآثرها و يعظم من شأنها ويهِّول على أعدائها.
يقول الجاحظ "كانت العرب تحتال في تخليدها بإن تعتمد على الشعر الموزون والكلام المقفى، وكان ذلك هو ديوانها، وعلى أن الشعر يفيد فضيلة البيان.".
ومن أهمية الشاعر عند القبيلة أن أعداءها يتوددون إلى قبيلته مخافة من هجائه، وكان البيت الواحد من الشعر يرفع من شان القبيلة و يحط من منزلتها ، فالهجاء مفعوله أمض من السيف وافتك من النبال، حيث كانت القبائل في ذلك العصر تحارب أعداءها بالشعر قبل السيف. يقول الجاحظ "وهل أهلك عَنَزة وجَرماً وعُكلا وسَلول وباهلة وغنياً إلا الهجاء" . ومن أمثلة ذلك كان بنوأنف الناقة من بني تميم أن أحداً قسـَّم ناقة جزوراً ونسي أحد أبنائه فأرسلته أمه ولم يبق إلا رأس الناقة، فقال له أبوه شأنك هذا، فأدخل أصابعه في أنف الناقة وأخد يجره فلقبت القبيلة " ببني أنف الناقة ". وكانت العرب تستهزئ بهم وتسخر منهم، حتى إذا ُسئل أحدهم من أي قبيلة انت أجاب من بني قريع، حتى جاء الحطيئة ومدحهم من قصيدة منها الأبيات التالية :
سيري أمامَ فإنَّ الأكثرين حصَىً
والأكرمين إذا ما يُنْسبونَ أبا
قومٌ هم الأنفُ والأذناب غيرهمُ
ومنْ يسوِّي بأنف الناقةِ الذنبا
قومٌ إذا عقدوا عَقداً لجَارهمُ
شدُّوا العِناج وشَدُّ فوقه الكربا
أبلغ سَراةَ بني سعدٍ مغلغلةً
جهد الرِّسالة لا ألتاً ولا كذبا
بعد أن مدحهم الحطيئة إذا ُسئل أحدهم من أي قبيلة أنت قال باعتزاز وفخر: أنا من بني أنف الناقة. ويحكى عن الأعشى إنه لم يمدح قوماً إلا رفعهم ولم يهج قوماً إلا وضعهم ومن الذين مدحهم في شعره المحـَّـلق، وقصة المحـَّـلق كان أباً لثمان بنات عوانس رغبت عن خطبتهن الرجال لفقرهن، فطلب من الأعشى أن يمدحه وينوه بحسن ذكره في سوق عكاظ وما هي إلاّ سنة كاملة لم تبق جارية منهن إلا وقد تزوجت لسيد كريم في قومه .
ومن أهمية الشعر في ذلك العصر ، ما تكاد القصيدة تلقى حتى تتناقل بين القبائل، وتحدوا بها الحداة وتنتشرفي الوديان والسهول مثل الرياح، ومن سرعة انتشار القصيدة بين القبائل العربية يقول المسَّيب بن علس في ذلك:
فلأ هـديَّن مع الرياح قصيدة ً
مني مغـلغلـة إلى القعقاع ِِ
ترد الميــاه فما تزال غريبة
في القوم بين تمثل وسماع ِ
وكانت القبائل تعلّم صغارها وتحفظهم قصائد شاعرهم، وكان كل فرد في القبيلة يردد قصائد شاعرقبيلته افتخاراً بين القبائل الأخرى. وكانت قبيلة تغلب كثيراً ما تردد قصيدة شاعرها عمرو بن كلثوم حتى هجاهم شاعر بكربن وائل بقوله:
ألهت بني تغلب عن كل مكرمة ٍ
قصيدة قالها عمرو بن كلثوم ِ
يـروونها أبداً مذ كان أولهم
يا للرجال لشعر غير مـسئوم
يتبع -2-
تعليق