جنون امرأة
خرجت إيمان علوان من الباب الخلفي للبيت حين كانت الشمس، هي الأخرى، تخرج متعبة من الباب الخلفي للأفق، يطغي عليها احمرار كما العيون التي أتعبها البكاء، وكانت موجة الحرّ التي أشعلت الفضاء والهواء، وطاردت الإنسان حتى مخابئه العميقة المزوّدة بالمكيّفات الحديثة تخرج، هي الأخرى، من الباب الخلفي للنهار، لتُفسح المجال لنسمة منعشة، تحمل معها، حين تهبّ، رطوبةخفيفة، تبشّر بانحسار موجة الحر التي لا يذكر مثلها من أوغل في مسارب غابات الحياة، حين خرجت إيمان من الباب الخلفي، كانت بكامل قواها العقلية، وزينتها المتواضعة، ورجاحة عقلها المعروفة بها، حاول زوجها أن ينسيها لحظات الموت التي عاشتها، حين كان أبوها يربط أمّها بعامود البيت، ويضربها بعنف غريب، ويفتش عنها وهي تختبئ خارج البيت، ترتعد خوفا من السكين التي كان يحملها او القضيب او السوط ، حين خرجت من الباب الخلفي للبيت، كان زوجها يعيش لحظات من السعادة منغمسا مع أبنائه، يساعدهم على أداء واجباتهم المدرسية، ويحل مشاكلهم الصبيانية المألوفة بين الأولاد وفي جميع البيوت، مسترسلا، كأنه في عالم آخر غير عالمنا، لا يحس بقدوم الظلام الزاحف بصمت إلى أن فاجأه ليل موغل.
حين عادت إيمان من جولتها، عند جاراتها، كان وجهها كالغيمة السوداء التي تنتظر شرارة لتشتعل، وتشعل الفضاء حولها، تحمل من الغضب ما غيّر معالم وجهها الملبد بكآبة ثقيلة آيلة للانفجار كالدمّل المزمن الملتهب بالقيح، وكانت عيناها حمراوين متعبتين كالشمس الملتهبة الخارجة من الباب الخلفي للنهار.
سألها ما بها تبدو كالعائدة من مجزرة جماعية، وهما لا يعيشان في بلد يعاني حربا أهلية، تُرْتكب فيها أبشع الجرائم؟ قالت وهي تشدّ على كلماتها وحروفها كلمة كلمه وحرفا حرفا:
_ مَنْ لا يشعر بمصائب الناس ليس من الناسّ.
تكدّر هو الآخر، واستعاذ بالله من شياطين البشر الذين فاقوا شياطين الجن، يبثون سمومهم أينما كانوا، ومن لهجة الشر المتدفق من نبرات صوتها، والمطل من خلف حروف كلماتها، فازداد تصميما على أن يعرف ما تحمله من حزن أوغضب، ليشاركها ألمها، مخففا عنها قدر استطاعته. فقالت:
_ ألم تسمع عن الرجل الذي صعد مع ولديه الصغيرين إلى سطح الدور الحادي عشر،وألقى بهما من ذاك العلو ثم رمى نفسه بعدهما منتحرا!
_ سمعت وتألمت..
_ هل سمعت عن الرجل الذي قتل زوجته وأولاده الأربعة نَحْراً؟؟
_ وهل أنا الذي فعل ذلك لتخاطبيني بلهجة الاتهام؟؟
_ والرجل الذي قتل زوجته لأنها قصرت معه؟ وذاك الذي قتل زوجته لأنها لم تسهر معه؟
_ وهل أنا مسئول عن المنحرفين والشواذ من الرجال؟؟ وما علاقتي بكل هؤلاءالمجرمين رغم دوافعهم التي لا نعرفها ؟؟
_ بدأتَ تتكلم عن الدوافع! لتبرر جرائم الرجال، كيف ستبرر جريمة ذاك الذي قتل صديقته، وبتر أعضاءها، ووضعها في حقيبة رمى بها في برميل القمامة، ثم هرب خارج البلاد؟؟
_ وما علاقتي أنا بهذه الأعمال التي تقشعرّ لها الأبدان؟؟
_ هي جرائم، وبشعة! وليست أعمالا، لكنكم تبسّطون الأمور فتحولون الجريمة إلى عمل، وتدّعون أنها قد تكون لها دوافع خفية، أو دفاعا عن النفس، هي طبيعتكم أيها الرجال، لا تستعيرونها، ولا تشترونها، تولد معكم ولا تموت بموتكم.
_ إتقِ الله يا امرأة! إننا نعيش بأمان وراحة بال، لسنا أسعد الناس، لكننا لسنا أتعسهم.
_ لا يمكن الاطمئنان لكم!
ألا يكفيك التاريخ الطويل الذي عشناه معا لتقتنعي أننا نعيش بأمان؟!
_ لا، لا أمان لكم، ولا بينكم، ولن أعيش بين القبور بعد اليوم!
_ لا حول ولا قوّة إلا بالله، ماذا عليّ أن فعل؟؟
_ نفترق!
_ ماذا!!!!!؟
_ نفترق.
_ كيف؟؟
_ بالطلاق.
_ أتق الله يا امرأة! وعودي إلى رشدك وعقلك الكبير الذي نعرفه!
_لا عقل ولا تعقّل بعد اليوم، فإمّا الطلاق أو الخلع.
_ وأولادك !!؟؟
_ لهم رب يحميهم.
_ ونعم الرب! لكنه لن يتفرغ لهم، ولن يلبسهم ويطعمهم ويحل لهم واجباتهم المدرسية ومشاكلهم الصبيانية.
_لا تحاول
_ تعرفين أنني مريض في القلب، لا أتحمل الصدمات، وبطلبك هذا قد تقضين على حياتي!
_ لا يهمني.
أُصيب الرجل بذهول وسقط مغشيا عليه، نقلته سيارةإسعاف إلى أقرب مستشفى، ليُعلن الأطباء وفاته!
وعندما وصل خبر وفاته، عقدت الدهشة لسانها،وأصابها ذهول غيّر ملامح وجهها، وطغى عليها حزن جمّد الدمعة في عينها، وأوقف الصرخة في حنجرتها، فلم تصرخ أو تولول كما تفعل النساء، واستولت عليها كآبة عقدت لسانها لأيام طوال، ولبست سوادا لم تستطع الأيام تبديله، أو أن تنسيها حزنها على زوجها، وصارت رغم أنها لم تتجاوز العقد الثالث من عمرها تبدوا كأنها تودع الخمسينات، ورغم إحساسها بالذنب والندم، ظلّت تتعقب أخبارالعنف، وما يفعله الرجال الشواذ مع نسائهم المخلصات، وتتهم الرجال بأنهم وراء موت المرأة، حتى عندما يتوقف قلبها ذاتيا عن النبض !
تعليق