الصائحون في مدينتي
أذان العشاء كان مميزاً هذا المساء، يغلب عليه طابع الشجن، أنين مسكوب بين ثنايا الدعاء إلى الصلاة، كأن من نادى به، فيه قَبسٌ من حزن، خاف أن يُودعه في القلوب ، فأودعه في لا إله إلا الله...وبكى! دون ورع. فليس البكاء فقط أن تجهش بالدموع، أحيانا تبكي وأنت في أوج ثرثرتك، فتبكي :حروفك، رنة صوتك ، ارتجافة شفتيك، ذبلان الزهر في عينيك، هذا بكاء وذاك بكاء ، بكاء مُتخفٍ في ضوء الحضور، لا يلحظه المدعوون إلى موائد الطرائف والثرثرات الإجتماعية .
في نهار مدينتنا بائع قهوة كفيف يصيح، ينادي "قهوة...قهوة"، في صوته قَبس من حزنٍ،أيضا. يسكب في قهوته روايته الكئيبة، ومشواره الذي وضعه بين فكيّ رحى: ابريق قهوة وأكواب بلاستيكية، ليُنبّه شارباً غافلاً عن مُر العيش وضنكه!. أتُراها تكون مصادفة أم قدراً هذه المزاوجة بين القهوة التي يقتات من ورائها وسواد عيشه؟ أيّاً يكن ، فهذا القهوجي ليس إلا راوٍ و حكاواتي يقص بلسانه وبصياحه وبندائه وشرابه قصصنا جميعاً ، ويعطي للمدينة عنوان حزنٍ تاه بين قدوح فرح مزيف ، أبراج سرطانية ، ووجهين متلونين لو تمعنت فيهما لوجدت لهما ثالثاً وعاشراً.
هنالك ليس بعيداً عنه، عجوز تصيح ، تنادي ،تقص حكاية ما، عن حق سلبه مُحام، مشوارها اليومي يبتدأ من حيث ترافع ذاك المحامي وينتهي إلى طرق المدينة الضيقة. ولأننا محكومون بالظاهر والمظاهر صارت مجنونة بحكم العقل الذي ندّعيه!
في حكايتها ظلم فاق عقلها ، فخرجت إلى العقلاء تصيح بهم ،تُنادي عليهم وربما تلتمس في عتمة الظلم الواقع عليها ضوء سؤال ،تعاطف، تراحم أو ربما تبتغي ذراعيّ غريب تحتضناها ،لتبكي مطولاً ! لِتُطمئنّ الطفل الخائف فيها، فتصمت الحروف الصائحة، الهائجة لينطق الأنين داخلها، بدموع حارقة. لتبكي كأنها لم تبكِ يوماً، كأنها ما تعلمت كيف يكون البكاء إلا اللحظة والساعة.
الصائحون في مدينتي بكّائون، أناس اعتراهم حزن ما، ظلم ما ،فضاقت به صدورهم فأطلقوا العنان لحناجرهم! الصّائحون هنا هم الوجه الآخر لهذه المدينة المتنكرة ذاتها، وللإنسانية المهدورة بيد ذات الانسان. الصّائحون هنا هم -وحدهم- عنوان الحقيقة لهذا المكان ولهذا الزمان.
أذان العشاء كان مميزاً هذا المساء، يغلب عليه طابع الشجن، أنين مسكوب بين ثنايا الدعاء إلى الصلاة، كأن من نادى به، فيه قَبسٌ من حزن، خاف أن يُودعه في القلوب ، فأودعه في لا إله إلا الله...وبكى! دون ورع. فليس البكاء فقط أن تجهش بالدموع، أحيانا تبكي وأنت في أوج ثرثرتك، فتبكي :حروفك، رنة صوتك ، ارتجافة شفتيك، ذبلان الزهر في عينيك، هذا بكاء وذاك بكاء ، بكاء مُتخفٍ في ضوء الحضور، لا يلحظه المدعوون إلى موائد الطرائف والثرثرات الإجتماعية .
في نهار مدينتنا بائع قهوة كفيف يصيح، ينادي "قهوة...قهوة"، في صوته قَبس من حزنٍ،أيضا. يسكب في قهوته روايته الكئيبة، ومشواره الذي وضعه بين فكيّ رحى: ابريق قهوة وأكواب بلاستيكية، ليُنبّه شارباً غافلاً عن مُر العيش وضنكه!. أتُراها تكون مصادفة أم قدراً هذه المزاوجة بين القهوة التي يقتات من ورائها وسواد عيشه؟ أيّاً يكن ، فهذا القهوجي ليس إلا راوٍ و حكاواتي يقص بلسانه وبصياحه وبندائه وشرابه قصصنا جميعاً ، ويعطي للمدينة عنوان حزنٍ تاه بين قدوح فرح مزيف ، أبراج سرطانية ، ووجهين متلونين لو تمعنت فيهما لوجدت لهما ثالثاً وعاشراً.
هنالك ليس بعيداً عنه، عجوز تصيح ، تنادي ،تقص حكاية ما، عن حق سلبه مُحام، مشوارها اليومي يبتدأ من حيث ترافع ذاك المحامي وينتهي إلى طرق المدينة الضيقة. ولأننا محكومون بالظاهر والمظاهر صارت مجنونة بحكم العقل الذي ندّعيه!
في حكايتها ظلم فاق عقلها ، فخرجت إلى العقلاء تصيح بهم ،تُنادي عليهم وربما تلتمس في عتمة الظلم الواقع عليها ضوء سؤال ،تعاطف، تراحم أو ربما تبتغي ذراعيّ غريب تحتضناها ،لتبكي مطولاً ! لِتُطمئنّ الطفل الخائف فيها، فتصمت الحروف الصائحة، الهائجة لينطق الأنين داخلها، بدموع حارقة. لتبكي كأنها لم تبكِ يوماً، كأنها ما تعلمت كيف يكون البكاء إلا اللحظة والساعة.
الصائحون في مدينتي بكّائون، أناس اعتراهم حزن ما، ظلم ما ،فضاقت به صدورهم فأطلقوا العنان لحناجرهم! الصّائحون هنا هم الوجه الآخر لهذه المدينة المتنكرة ذاتها، وللإنسانية المهدورة بيد ذات الانسان. الصّائحون هنا هم -وحدهم- عنوان الحقيقة لهذا المكان ولهذا الزمان.
تعليق