الأنثى ...الرّجل
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
هامت بها الدّنبا كما شاءت بمواقيتها من ثمّة حاكت لها نهارات و ليال شببهة برياح الخريف و غيومه السّوداء إذا حلّت بثقلها على الأشجار المثمرة صيّرتها عاريّة ..مستنزفة آخر غصنها الأخضر ..استفاقت ذات صباح على ورقاتها الذّابلة ..الصّفراء وهي تنظر إلى المرآة ..شعر أبيض كثيف يشبه الكفن اغتصب خصلات كانت فيما مضى لون اللّيل ..ضعيف هوّ الأسود أمام اللّون الأبيض يفوز عليه إذا ازداد اللّون غباء بنفسه يظنّها فخرا أو قوّة ما .....
وميض باهت غاص في عينين ذابلتين ...بقع غامقة خلاصة قلبها المتعب زارت تحت عينيها و أبت مغادرة المكان وهي تترشّف دموعها كما الزّائرة التي ترشف فنجان قهوتها بشهوة المفكّر ..
مرّرت يديها على وجهها ..و عنقها الذي تعب من الالتواء في كلّ التفاتة حتّى أنّه بالكاد يمسك رأسها الثّقيل ..
تذكّرت تاريخ ميلادها و اشتعلت حرائق السّنين الطّويلة المتوهّجة ..كنار لاحقتها كلّما أطفئتها بدم بارد إلاّ واشتعلت من جديد ...برفاة الماضي و رماده السّاخن الذي يخفي داخل نعومته الدّخان الأوّل لبداية نار جديدة تهيج من جديد ..
كيف خلق هذا الشيء أنثى؟؟؟؟
و كيف استقبلت أنوثتها الدّاميّة في عمر البلوغ ؟
و هل كانت صغيرة تعي أنّها لن ترضى بأنوثتها حينما تكبر في داخلها الأنـــــثى؟
كانت تستمدّ من الذّكور من حولها ذاتها ..و تخفي تضاريس أرضها الخصبة بمهارة ما يجعلها منبسطة تشبههم..
تذكّرت ذات مرّة والدها لمّا سأل أمّها ظنّا منه خفية منها :
ـــ إبنتك هل حقّا بنت هل أنت متأكّدة ؟؟؟
ـــ في السّابق و أنا أغيّر لها الحفّاظات لمّا كانت رضيعة هيّ بنت الآن لا أعلم ربّما ......
لم يزدها هذا السّؤال و هذا الجواب إلاّ حرصا إضافيّا على إخفاء نتوءات هذا الجسد و قرّرت وأدها إلى الأبد و نجحت في إخفاء ملامح التّاء و الهيّ .....و الأنثى .
نظرة الأجوار لم تعرها أيّ اهتمام و هم يرمقونها بتعجّب و الرّيبة ..و أسئلة مضغوطة في حناجرهم تكاد تنفجر عليها مرّة واحدة إلاّ أنّهم يخافونها و لا يستأنسون لبناتهم معها و هذا ما أيّدها و أرضى شعورها أن لا تكون معاملاتها إلاّ مع الذّكور.....كانت ماهرة في تغيير درجة صوتها بإضافة بعض الخشونة و استرسلت في حيّاكة صوت يشبه الوجع ..خليط أنثوي مع حشرجة ذكوريّة..غدا صوتها لحنا حزينا صاحبها طيلة حياتها .
خطوّاتها الثابتة و هي تتلمّس طريقها جعل أسئلة من حولها طريق مهّد لهم إجابة أبديّة ..على احترام ما خلق الله .
فُتحت من حولها أجنحة الشّفقة ..على أنّها مسكينة لها عيب خلقيّ ..أضحت الأنثى بعيب ..ماذا لو أحيت تضاريسها النّائمة ..ستكون من بينهنّ الأجمل ..إلاّ .................................................. .
وضعت المرآة جانبا وأفرزت ضحكة خرافيّة ..بقهقهة شيطانيّة..هربت منها ملائكة الغرفة و استعادت وعيها أنّها تجاوزت الخمسين بسنتين..و لم يبق منها سوى اسمها الخالي من تاء التّأنيث (رجاء)
نظرت إلى صورة والدها المعلّقة في قلبها مخاطبة حنينها إليه
ـــ متّ بغصّتك يا أبي و( رجاء) خذلتك ..كم كان ريقك جافّ و أنت تحاول تغييري..و توّاجهك أمّي
ـــ هكذا أفضل تحضي بالثّقة هل تريدها مثل ابنة فلان و فلانة
وصمتت يا أبي على جرحك ..و آخر لفظ ردّدته
ـ ما هوّ مصيرك يا (رجاء)
بكت بدموع الأنثى و حرقة التّـــــــــــــــــــــ ...وتذمرّت من والدتها تسألها بدموعها
لماذا يا أمّي لم تبذلي مجهودا كي تصالحينني مع جسدي ..نجحت في جعله ضدّا لي وصرت ضدّا له ..كم نمت في داخلي الأضداد ..نار و ماء ..ماء و نار حتّى احترقت و خسرت الماء
الآن أنثى و في داخلها رجل و لا عرفت كيف تكسب الإناث و لا أن تكسب ثقة الرّجال وحيدة تائهة بين تاء التّأنيث و الهوّ......
تعليق