(1)
الحصار
قصّة قصيرة
بقلم: أحمد عكاش
كان ذلك يوم الجمعة، يوم عطلتي الأسبوعيّة، خرجت من الدار بِذهن خليٍّ، لا يشغلني إلا الحصول على خبزنا اليومي، انحدرت في الشارع المفضي إلى السوق، أنقل خطواتي برتابة وكسل، كان الشارع هادئاً، لما بدأت تتناهى إليَّ أصوات الباعة، كثرت حولي أقدام المارة، أحسست على نحو مبهم أنّ ثمّة عيوناً تراقبني.. تتبعني، انقبضت لهذا الخاطر، تسارعت خطاي آليّاً، جاهدت في دفع هذا الهاجس دون جدوى، كانت نظرات مطاردي تنغرس بين كتفيّ باردة يقشعرّ لها بدني، حتى تشكلت بين كتفي بركة من الثلج، التفتّ خلفي بغتة لأنفض هذا الكابوس عن كاهلي، فرأيته.. يسير إثري مباشرة، يضع قدمه حيث أرفع قدمي، تجمّدت الدماء في عروقي، اجتاحتني موجةُ بردٍ مؤلم، كان مطاردي هيكلاً عظمياً.. تقرقع عظامه وهو يتحرك، عظام كفّيه نحيلة طويلة، ومحجراه غائران مثل فُوّهتي بندقيّة، وقف يتأملني– كما خيّل إليّ- بجمود وبرود، فندّت عني آهة يبدو أن أحداً لم يسمعها، لم أدر ماذا أفعل، ولّيْتُه ظهري متجاهلاً، رحت أحثّ خطاي بين زحمة السوق.
ارتفعت إثري قرقعة عظام مطاردي، كانت بركة الثلج بين منكبيّ توشك أن تجمّد أوصالي، لم أعد أجسر على الالتفات، كثرت قرقعة العظام ورائي، حتى طغت على جلبة الباعة، استجمعت شجاعتي والتفتّ .. خلفي مطاردان اثنان.. هيكلان عظميان، وقفا قبالتي ..راحت أيديهما تتأرجح.. تقرقع، صرختُ باشمئزاز وغضب:
-لماذا؟!.
تماوج صوتي ممطوطاً مرعوباً، لم تفعل صرختي شيئاً، الهيكلان العظميان جامدان مكانهما لا يبرحان، الناس في شأنهم، لم يلتفت إليّ منهم أحدٌ، وانضمّ هيكل عظميّ ثالث إليهما من جديد، صرختُ: مجرمون.
عقدت العزم على الهرب، ركضت في البداية بطيئاً ثم تسارعت خطواتي، وضجّت في رأسي قرقعة العظام خلفي، لم أستطع الفكاك من مطاردتها، بركة الثلج ذابت عرقاً يسيل خطوطاً على ظهري حتّى يصل إلى أليتي، بدأ جسمي يلتهب، تسارعت خطواتي لكن عبثاً، كانت العيون الغائرة لاتزال تنغرس بين منكبي، وقرقعة العظام تتعاظم كالمرض الخبيث، حتى طغت على الأصوات كلّها، لا شيء في هذا العالم سوى قرقعةِ العظام التي تطلبني بلا هوادة، حانت منّي التفاتة وَجِلة فإذا بالهياكل العظميّة قد صارت عشرات، وصل بعضها إلى جواري، أنا الآن مطوّق عن يميني وشمالي وخلفي، فأرسلتها بكل ما بي من قوّة وهلع وحَنَق، صرخة استغاثة:
- أنجدوني أيّها الناس، المجرمون القتلة يحاصرونني.
صرخةٌ في وادٍ ..لم يلتفت إليّ أحد، كلٌّ ماضٍ في شأنه كأنّه لا يرى ولا يسمع، هل غدوت مع هذه الهياكل العظميّة المتزايدة أشباحاً غير مرئيّة ؟.
تدفقت الهياكل العظميّة أمامي نهراً مشؤوماً لزجاً، وطفقَتْ تتباطأ أمامي.. تدفعني للوراء، كانالحصارقد أحكم حولي، واضطرّني للتوقف.
جزيرة العظام تلفّني، الناس يمرّون بنا لا يعيروننا التفاتاً، كأننا منظر مألوف سئمه المارّة، أو أنهم لا يروننا البتّة، هل نحن أشباح؟!.
كوّرْتُ كلّ ما بقي بي من قوّة ورشقتهم بها:
-اللعنة عليكم، قَتَلَة مجرمون، دعوني، إليكم عني.
ضيّقوا الحلقة حولي ..ما عدت قادراً على الحركة، خارت قواي، فوقفت لاهثاً أنتظر، أنقل نظري في الجماجم المُحْدِقَةِ بي.
- ماذا تريدون مني؟!.
الحلقة تضيق والهياكل العظميّة تنثال نحوي من كل جهة، سدّت حولي الآفاق، حالت الآن بيني وبين الناس في السوق، أين كانت كلّ هذه الهياكل؟ أُسقط في يدي، قلت باستسلام وقنوط:
- أنا إنسان فقير.. بسيط ..لا أريد أكثر من (ربطة خبز) لأطفالي، نحن لا نحبّ (الكباب الحلبي)، حتى ولا الحمصي، ولا نحبّ لحم السمك، لا نحب الذهاب إلى البحر و(الشاليهات) في الصيف، ولا في الشتاء، لا نحبه، لا نرتاد (الميرندا)، حمّامنا قِدْرٌ نحاسية كبيرة ورثتها عن أمّي رحمها الله، فماذا تريدون مني؟ تنحّوا عن طريقي.
الحلقة حولي تضيق أكثر، شعرت بالاختناق.
- أحلامي وخيالاتي كسيحة، لا أطمح إلى السياحة في أوروبة.. لندن أو باريس.. لا أسمح لخيالي بالجموح والتفكير بـ (فيلاّ) يُفتح بابها بضغطة زرّ، ويحوي حمّامُها مسبحاً و(تلفزيون) ملوّناً، وأدوات رياضة لتخفيف البدانة، الدُّوار يلفّني.. يكاد يغمى عليّ، دعوني أتنفّس.
الهياكل العظميّة جامدة مكانها لا تتكلّم.. لا تتحرّك، فقط تقرقع بعظامها، مطارق تصدع رأسي، جفّ حلقي، يبس لساني ..سكتّ، رحت أقلّب الطرف في غابة العظام الشوهاء المغروسة حولي ،كم مضى على ذلك؟ لا أدري، أُلغي الزمنُ ..توقّف، كان يمكن أن يدوم ذلك إلى يوم القيامة، لكن بغتة.. دون أن أعي ما يجري، طأطأتِ الهياكلُ العظميّة كلّها رؤوسَها باحترام جليّ، ثمّ.. انحنت ببطء، حتى ركعت على ركبتيها.
- أهذا لي؟! تساءلت في سرّي، وقد أخذت بي الحيرة كلّ مأخذ: هل هذا احترام أم أنهم يبيِّتون لي شيئاً؟ لم يطل تساؤلي وحيرتي، إذ انشق الجمع عن يميني.. تقدّم ثمانية هياكل عظميّة يحملون على أكتافهم عرشاً عظيماً مغطى بملاءة سوداء، وقفوا إلى مقربة مني، أُميط الستار جانباً فبدا لي "هيكل عظمي" يتربع العرش بترفّع مقزّز، تأملته مليّاً لا أعرف ما يراد بي.
-أهذا السجود المهيب إذن لك؟ من أنت أيّها المشوّه؟!.
وددت لو أسأله، وطقطق فكُّهُ، هوى عليّ صوته جافّاً حازماً:
-أهذا أنت إذن؟.
-نعم هذا أنا، لكن ما معنى هذا كله؟.
-معناه أن المجرم الكبير سقط أخيراً في يد العدالة.
-هل تعنيني بـ (المجرم الكبير)؟
-هل ثمّة أعظم منك إجراماً ؟.
-والعدالة أين هي؟ أ أنتم تمثّلون العدالة؟.
-نحن لا نمثّل العدالة، نحن العدالة نفسها مجسّمة.
-أنا (المجرم الكبير)، وأنتم (العدالة نفسها)؟!.
جعلت أتأمل الجماجم حولي، اجتاحتني موجة ضحك هستيري، أخفقْتُ في دفعها، فأطلقتها قويّة مجنونة أُفْلِتَ زمامُها.
أومأ الجالس على عرشه فوق الثمانية:
- أيّها الطبيب جرّعْه البلسم الشافي.
تقدّم أحد الهياكل العظمية مني وصفعني بعنف قاس، فوجمْتُ.
- لا تضحك إلا إذا أَمَرَكَ (كبيرُنا) بالضحك.
التهب خدّي وغلى رأسي، أدركت أنه يتوجّب عليَّ المزيد من الجدّ. من الاهتمام، بل ربما يحتاج الأمر إلى كثير من الحذر أيضاً.
تابع (كبيرهم) الجالس فوق:
- نحن نجهد في سيادة الحق، وأنت تفسد كل شيء.
-أنا لست مجرماً، الحقيقة أني لا أعرف كيف تُرتكب الجرائم، أنا (عبدو) ابن (أم عبدو) بائعة الثياب البالية، أمّي كانت معروفة في السوق، تحتلّ مساحة صغيرة محدّدة من الرصيف، صاحب المحلّ المجاور لها كم مرّة قذف برِجله الثيابَ البالية.. بضاعةَ أمي إلى الشارع، فدهستها عجلات السيارات المسرعة، أو لطختها بالطين في شوارع الشتاء الموحلة، فهو يتأذّى من عرض بضاعتها الرثّة أمام محلّه الأنيق، ثم توسّط لها أهل الخير:
-أرملة فقيرة يتصدّق عليها المحسنون بما رثّ من ثيابهم فتبيعها لتعيش مع ابنها الصغير، لا تطردْها من أمام محلّك، يأجرك الله.
ثم سمح لها بعرض بضاعتها على الرّصيف أمام محلّه من الصباح إلى الظهر فقط، مقابل أن تكنس له المحلّ.. تمسح بلاطه.. ترشّ أمامه بالماء صباح كل يوم.
أخيراً مرضت، سعلت أيّاماً ثم بصقت دماً، و..ماتت، نُمي إليَّ أن صاحب المحل كان يكلّفها أحياناً بتلبية رغبات زوجته في بيته، قاسيْتُ بعدها، ثم عملت أجيراً في محل لإصلاح السيارات الكبيرة، تزوجت من بنت فقيرة، رزقت منها حتى الآن ثلاثة أطفال. هذا أنا، (عبدو ابن أم عبدو) بائعة الثياب البالية، لم أسرق يوماً..لم أكذب على أحد، لم أخالف أنظمة السير أبداً، نفد المازوت عندنا منذ أكثر من أربعة أشهر، نسخن الماء للحمّام ب"بابور الكاز" فهل أنا مجرم؟.
انبرى أحد الواقفين حولي: أقرّ بإجرامه يا سيّدي، أربعة أشهر يسخّن الحمّام بوابور الكاز؟! أي مجرم هذا الرّجل ؟! إنه المجرم الكبير يا سيدي، رأس العصابة، أم عبدو –رحمها الله– كانت مخبرة مخلصة لنا يا سيّدي، وابنها هذا -كما سمعتَ يا سيّدي- قليل وطنيّة.
- لا أذكر أني تقاعست في خدمة أمتي، أو تخاذلت عن التضحية من أجل وطني.
أومأ الكبير الجالس فوق:
- أَيّها المعلّم ! اشرح له مزايا الصدق.
و تلقيتها من أحدهم على خدّي الثاني.. لاهبة قاسية، لم يغل رأسي هذه النوبة، فقد وطّنت نفسي على تلقّي المزيد من الصفعات:
-كل ما يُسمح لك بقوله إذا قال لك كبيرنا شيئاً هو [آمين]، لا تزد عليها حرفاً، أفهمتَ ؟.
- كيف لي ألاّ أفهم ؟! غمغمت لنفسي،قال كبيرهم:
- أنت قاتل، متّهم بقتل أحد رجالاتنا العلماء الأجلاّء، كان في مخبره فداهَمْتَه.. اقتدْتَه جرّاً من شعر رأسه إلى مجزرتك.. بَقَرْتَ بطنه حتى اندلقت أحشاؤه على الأرض ،.. تركْتَه ينزف حتى مات، قل لي: أليس هذا أقصى درجات الإجرام؟.
أوّل مرّة أكتشف أن الضّحك بمقدوره أن يكون مصيبة، فقد راودتني من جديد موجة الضحك الهستيري.
- جررْتُ عالِماً منكم من شعر رأسه و.. بقرت بطنه، اندلقت أحشاؤه و.. نزف حتّى مات؟! هل كان العالِم منكم؟! أقصد.. أريد أن أقول.. أنتم.. أنتم هياكل عظميّة يا سيّدي، لا شعر.. لا قلب.. لا دماء لكم، فكيف..
لم يدعني أكمل، أومأ الجالس فوق:
- أيّها المؤدِّب أدّبه.
التهب خدّي من جديد، أحسست أنّه تورّم وتخدّر.. فكّرت: إنّ الضرب لن يؤلمني بعد الآن، أحمد الله، فقط أرجو أن أستمرّ قادراً على الكلام لأدافع عن نفسي. أدافع عن نفسي؟ عاودتني هستيريا الضحك من جديد.
- يمكنك أن ترتاب بنفسك أو بالشمس الطالعة أو بالله وملائكته وكتبه ورسله، ولا يمكن أن ترتاب بما يقول (كبيرنا) أسمعت؟.
-(مثل هذا يسمعه من به صمم)، تمتمت بيني وبين نفسي، رفعت رأسي أنتظر الجالس فوق:
- أنت لصّ، سرقت هذا العرش العظيم، عرش هذا الجمهور الطيّب.
ضرب على خشب الكرسي الجالس عليه فوق الهياكل العظمية الثمانية التي تحمله، فَسُمِع لذلك قرقعة عالية، عقد الدهش لساني فقلت متلعثماً:
-كيف كان ذلك يا سيّدي ؟! .
- كان هذا العرش وسط البحور السبعة، تحفظه الأمواج العاتية واللجج المتلاطمة، في أحد الأصباح استيقظتُ فلم أجد العرش تحتي، وأكّد لنا كثيرون أنهم رأوك تسرقه وتسبح مبتعداً به.
-و كيف استعدتموه منّي يا سيّدي؟!.
-أتنكر أنّه لا يزال عندك أيّها اللص؟!.
- كيف ذاك يا سيّدي وأنت تجلس عليه الآن ؟ ثمّ إنني يا سيّدي لا أعرف السِّباحة، كم كنت أتألم وأتحسّر وأنا أراقب السابحين في نهر العاصي ولا أجرؤ على النزول إلى الماء، أنا أغرق في فنجان ماء، فكيف أعبر بحوراً سبعة؟!.
استشاط الجالس فوق غضباً، أومأ بيده:
-أيّها الحكيم عقِّله.
كانت صفعة الحكيم أقسى من لسعة السوط:
- العاقل ينتفع بتجارب الماضي.
فقدت السيطرة على نفسي فاندفعت بيأس أصرخ محاولاً الهرب:
- مجرمون.. معتدون.. حبستموني عن بيتي.. أولادي ينتظرون أوبتي إليهم بالخبز، أنا لا أقتل ..لا أسرق، تنحّوا عن سبيلي.
حاولت شقّ طريق لي دون جدوى، جدار العظام متراصٌّ متداخل جامد.. لما أعياني الصراخ والقفز همدت مقهوراً منهزماً مستسلماً، تميّز الجالس فوق غضباً:
- أيّها المجرم! لقد قلتَ ما لا يقال، يجب أن يقطع لسانك، ولم تعمل بما قاله لك طبيبنا ومعلّمنا ومؤدبنا وحكيمنا كأنّك لم تسمع ما قالوه لك، ما نفع أذنيك إذن؟ يجب أن تصلم أذناك، أيّها المصلح! أصلحْه.
تقدّم أحدهم مني.. انتزع لساني عنوة و.. اقتطعه، ثم صلم أذنيّ غير عابئ بكل مقاومتي وعويلي.
اندفعت إليه بكل شجاعة اليائس وقوّته، ورحت أضربه، أعضّه، أركله، ودمائي تسيل عليه، تلطّخت عظامه وجمجمته حتى سقطَ أرضاً
هدر كبيرهم الجالس فوق متوعّداً:
- مات مصلحنا ..قتلتَه أيّها السفاح، خذوه إلى السجن، قدّموه غداً للمحاكمة، كونوا عادلين معه، نصّبوا له محامياً حاذقاً يدافع عنه.
أمعنت النظر في الهيكل العظمي المستلقي على الأرض بلا حركة، كان مضرّجاً بدمائي، لكنْ.. أنّى لي أن أعرف إن كان حيّاً أم ميّتاً؟! .
حملوه على أكتافهم، ساروا به خلف (كبيرهم) في موكب جنائزي، واقتادوني مسلوب الإرادة في السوق، حاولت الاستغاثة بالناس، لكن لم يعبأ بي ولا بالهياكل العظميّة المحيطة بي أحد.
قضيت ليلتي في السجن أحضّر ما سأقوله للقاضي في قاعة المحكمة غداً، آه.. لساني مقطوع.. فكيف أنقل للقاضي ما أريد؟! لا ضير.. سأفهمه بالإشارات بالحركات.. بالكتابة إذا سمحوا لي، ..لن أعدم الوسيلة، سيساعدني المحامي، لقد أوصى كبير الهياكل العظميّة أن تكون محاكمتي عادلة، لساني المقطوعُ، أذناي المصلومتان والدماء السائلة خير شاهد على براءتي، على أني الضحيّة، فقط رجوت أن يكون المحامي رحيماً متفهّماً والقاضي عادلاً.
لا أزال أذكر ما حدث منذ بضع سنين، كأنما حدث يوم أمس، تلك المساحة من الذاكرة نابضة متوهجة لا يخبو بريقها على الرغم من زحف الأعوام، وتراكم الأحداث، تلك المساحة من الذاكرة يكتنفها الكثير من الأسى والقهر والإحباط، أَهَلْتُ عليها منذ أمد بعيد ستائر الإعراض والتناسي، حاولت دفنها ..طمسها، دون جدوى، كنت حينها فتى يافعاً.. غرّاً، ملء إهابه الحماسة والاندفاع، أُومن مطلقاً أني مَلِكُ هذا الكون، كل شيء ملكي: الأرض، الربيع، الشمس، الزهر، الفراشات، تأوهات الناي، الماء الزلال، الكلمة المسموعة، البيادر في مواسم الحصاد، بهذا امتلأ رأسي في تلك المدرسة، وعلى ذلك المقعد الخشبي المحفّر، قرب تلك النافذة المكسور زجاجها، التي يتسرب الهواء اللاسع في أيام الشتاء القارسة منها إلى عظامي الطرية، كنت أنتشي وأنا أسمع أستاذنا (أحمد) رحمه الله يهتف رافعاً سبّابته اليمنى:
-أنتم رجال الغد، أنتم ستملكون مطالع الشموس، وشلالات العطاء، ألستم أحفاد خير من ركب المطايا وأندى العالمين بطون راح؟.
كان رحمه الله يستحثنا دائماً على أن نتبوّأ مكاناً علياً تحت الشمس،آه يا أحداثاً مرّت منذ عديد من السنين، تطفو الآن من ركنها المظلم إلى النور، غداً محاكمتي، لساني مقطوع، يومها كان صوتي عالياً حاداً قوياً، بلا حدود.. بلا سدود، الآن لساني مقطوع وغداً سأحاكم.
أبي رحمه الله من أسرة متواضعة، موظف بسيط في مؤسسة الكهرباء، يملأ بيوت الآخرين بالنور، ويملأ بيته بكثير من الأماني والأحلام، وبقليل من الأمتعة والطعام، اقتنع أبي أخيراً أني -أنا الصغير -أستحق كرة جديدة من ذاك النوع الكبير الجميل، ومنحني ثمنَها، وحقَّ الحريّة في انتقائها وشرائها، فقد نلت في مدرستي درجة متقدّمة بين أترابي.
بعد أن دسست النقود في جيبي طارت بي أجنحة الجذل إلى السوق، لكن.. ماذا أرى ؟ السوق شبه مقفر، المحالّ كلها مغلقة، تلبّثت هنيهة، أتأمّل، ثم.. أطلقت ساقيّ للريح على الرصيف معولاً:
-أين أنتم أيّها الناس؟ لماذا أغلقتم محلاّتكم؟ النقود في جيبي، أين الكرة الرقطاء اللامعة الشهيّة التي أراها كلّ يوم تتأرجح متدلّية على باب المحل؟ بعد شهور من العذاب والأحلام صار بإمكاني شراؤها، لماذا تغتالون حلمي ؟! لماذا تَحُولون بيني وبين كرتي؟.
لمّا أويت مساء إلى فراشي دامع المقلتين، مسح والدي شعري بيده الحانية، قال:
- الناس يا بني يطالبون بحقّهم ..حرّيتهم.. كرامتهم..
حين غلبني النوم تراءى لي الأستاذ (أحمد) في حلمي رافعاً سبابته اليمنى يهدر صوته: أنتم ملوك الأرض ..لكم الشمس والربيع..
في اليوم التالي، بَرَزَتْ إلى الشوارع التي أقفلت محالُّها، جموعٌ هادرة تهتف، العيون تبرق بتمرّد، والقبضات مشدودة تلوح بتحدٍّ، كان صوتي -على نعومته وطفوليّته- عالياً مفعماً بالإصرار والإرادة، ردّدْتُ ما حفظْتُه عن أستاذي (أحمد) جعلت مقولاته شعارات ساطعة سامية هتفت بها:
- نحن الغد– نحن الشموس الطوالع – شلالات العطاء .
ثمّ.. نَهضَتْ أمام الجموع، موصدةً الشارعَ، سيّاراتٌ مصفحة، تزحف ببطء راعب نحو المتقدّمين، السيارات تتقدّم والجموع تتقدّم، التقيا.. وجهاً لوجه، دِيكَيْنِ عنيدين، كبشين أقرنين، بعد حين.. تقدّمت الآليات تناطح الجمع، بطيئة حازمة، تقهقرت الجموع قليلاً، الآليات تزحف، انكفأ الجمع رويداً رويداً، غيّرَ اتجاهَهُ، عكَسَهُ، الهتافات تعالت من جديد نشيطة ملتهبة، والآليات تابعت ضغطها ومطاردتها.
وجدَتِ الجموعُ نفسَها مدفوعة بلا هوادة إلى أزقة ضيّقة جداً، خفتت الأصوات، تفرّق الناس، ابتلعت أبوابُ الدورِ معظمَهم، سار الباقون فرادى، مطأطئين، يلفهم شعور بالإحباط والاختناق.
في طريقي إلى الدار مررت بالحانوت مفتوحاً.. الكرة الرقطاء في شبكتها تنوس معلّقة، تأملتها، هالني أنها فقدت الكثير من بريقها الذي كان يأخذ من قبل بمجامع قلبي، النقود لا تزال في جيبي، لكن.. لم أرغب فيها، باخت شهوة امتلاكها، كان وقت اللعب بالكرة وعهد الطفولة… قد ولّيا معاً.
صدمت أبي سيّارة مجهولة ومات، اضطرّت أمي إلى بيع الثياب البالية على الأرصفة لنأكل خبزنا، كان البرد القارس والحرّ اللاهب قد أنضجاني، ثم تركتني أمي هي الأخرى وآثرت اللحاق بأبي، قويت بعدها أواصر الوفاق بيني وبين الجماهير، فما تبدر منها صرخة أو نأمة إلا كنت بين أوائل الهارعين إليها و.. معها.
في يوم.. وفي منعطف الشارع المفضي إلى دارنا، نجم أمامي رجل سدَّ عليّ طريقي، تفرّس في وجهي، ثمّ وضع أصابعه تحت ذقني ورفع نظري إليه وقال مكشِّراً:
- تعال غداً إلى مقرِّنا.. كبيرنا يطلبك.
انداحت تكشيرته، برزت أنيابه صفراء قبيحة، خيّل إليّ أنّ وجهه ورأسه تحولا إلى جمجمة، أطلق ذقني واستأنف سيره، ابتلعه منعطف الشارع التالي.
في الساعة المحدّدة.. في اليوم التالي كنت على باب كبيرهم أستأذن للدخول عليه، قيل لي: عُدْ بعد ساعة.
تسكعت في الشوارع ساعة، ثم عدت أستأذن ؛ قيل لي: عُدْ بعد ساعة. ضعت في الشوارع حتى الإرهاق، و..عدت، قيل لي: عد بعد ساعة.. حَبَوْتُ على الأرصفة، ثمّ.. تماسكت على الباب موجوع الرأس والقلب والقدمين ،قيل لي: عُد غداً. في اليوم التالي؛ عدتُ.. و تسكعت على الأرصفة ساعات وزحفت ساعات، ثمّ.. أمسك بي أحدهم من ياقة قميصي من وراء، وسار بي، عُصِّبَتْ عيناي ووُضِعَ في أذني القطنُ.. عبرت ممرات طويلة.. صعدت درجات عالية.. هبطتها، اجتزت ردهات رحبة، ثم.. أوقفت أمام كبيرهم، لم أرفع بصري إليه، وصلني صوته:
- اخترناك من بين الجميع، صوتك قويّ مدوّ، نريدك أن تتعاون معنا.
-فيم أتعاون معكم يا سيّدي؟.
-تشيع بين الناس أن هؤلاء الذين ينادون بالحقوق، بالحرّيات، بالعدل، مدّعون مخادعون مجرمون.
-و إذا رفضت ؟.
- تلقى المصير الذي لاقاه أبوك.
انتفضت بعنف مرعوباً ؛أبي؟! إذن أنتم قاتلوه؟!.
رفعت رأسي، حدجت محدّثي بنظرة متفحصة، تكشيرته باردة، رأسه جمجمة.
-ما قولك الآن ؟!.
- قولي هو: لا.
- خذوه.
رُمِيت في الشارع أعمى أصمّ، نزعت العصابة.. فتحت أذنيّ.. سرت مشلول العقل والروح.
خلال عقد من السنين أو أكثر، مثلت بين يدي كبيرهم مرّات عدّة، صُفع وجهي، وقفاي، وألهبت العصا ظهري وقدميّ، وإثر كلّ زيارة كنت أرمى في الشارع أعمى أصمّ.
أخيراً قال كبيرهم:
- اذهب، لا خير فيك، لا نريد منك بعد الآن شيئاً.
مرّت أعوام.. وَهَن في أثنائها صوتي، وباخت الحماسة في صدري، انقضى ذاك العهد، عهد الحماسة، احتفر لنفسه في الذاكرة مكمناً انزوى فيه، صارت زوجتي وأطفالي منتهى همّي، وانكفأت إلى مكتبتي البيتيّة أدفن بين دفّات كتبها جلّ أوقاتي، والآن هأنذا سجين ينتظر محاكمته.
في اليوم التالي اقتادتني جمهرة من الهياكل العظميّة إلى قاعة المحكمة، كانت تعجّ بالآدميين من لحم ودم، تنفست الصعداء وأمّلت محاكمة عادلة فعلاً، محاكمة عادلة؟. من ذا الذي يعوّض لي لساني و.. أذنيّ ؟!! دخلت قفص المتّهَمين بكثير من الرجاء.
لما أعلن الحاجب دخول القضاة المحكمة، نظرت إلى منصّة القضاة ..صُعِقْتُ ..كان القاضي الأوّل في الوسط:كبيرَ الهياكل العظميّة نفسه، انكبّ على ملفّ القضيّة يدرس ويقلّب أوراقه بدقّة، باهتمام ..ثم رفع رأسه وسألني:
- أين محاميـك ؟.
قبل أن أتمكن من فعل شيء، علا صوت من القاعة:
- أنا هنا يا سيّدي.. أنا محاميه.
التفتُّ إليه.. يا إلهي إنّه هو.. "المصلح" المقتول الذي أُحاكم بسببه، كانت عظامه وجمجمته لا تزال ملطّخة بدمائي.
تقدّم المحامي -الضحيّة– ومَثَلَ أمام المحكمة، رفع أحد الحاضرين عقيرته:
- ابتدأت المحاكمة.
وقف القاضي حاملاً ملف قضيّتي يقلّب أوراقه حتى وصل إلى ورقة محدّدة، حملق فيها طويلاً مطرقاً برأسه عليها، ثم التفت إليّ.. انتهرني:
- قف أيّها المجرم، إني أتّهمك بالجرائم والموبقات والآثام كلها، فما قولك ؟.
جاهدت في طلب ورقة وقلم لأدافع عن نفسي، لكن عبثاً، انبرى المحامي يدافع عني، معولاً:
- ما عساه يقول يا سيّدي القاضي؟ أنا محاميه، لسان حاله، لقد لجَمَتْهُ جرائمه، أخرسته، إنّه يقرّ بكل ما تنسبونه إليه، ومذعن لأحكامكم كلّها.
القاضي: حكمنا عليك بالإعدام.
المحامي: دمتم أهلاً للعدل، حماة للمظلومين يا سيّدي القاضي.
القاضي (لمن حوله): خذوه.. نفّذوا حكمنا فيه.
أيقنت أن سبل النجاة أمامي موصدة كلّها، فأنا محاصر حتّى الأعماق، ساورني دوار حادّ، دارت القاعة بي بطيئة في البداية.. ثم.. تسارعت، غامت عيناي، فتداعيت على الأرض.
انتهت
(2)-التعديلُ الطّفيف
(قصة قصيرة)
بقلم: أحمد عكاش
بعد أن فرغت من نسج هذه القصّةِ، خطوطِها العريضةِ والفرعيّة، وكلّ ما يجعلها قصّة ناجحة، عزمت أخيراً على كتابتها، دلفت إلى غرفتي وأرتجت البابَ خلفي، لأنصرف بكلّ مداركي إلى القصّة، جَلست وَأَحَطْتُ فُوديّ براحتيْ كفّيّ، ورحت أعتصر ذاكرتي مستقطراً منها الأحداث قطرة فقطرة، وما إن توسّمت في نفسي الثّقة الوطيدة بكتابتها، حتّى أمسكت بالقلم، كانت الأوراق قد ضاقت ذرعاً بالمساحات البيضاء، رفعت رأسي مفكّراً، فوقع بصري عليهم حولي، إنّهم أبطال قصَّتي بعينهم، جالسين قبالتي، كلٌّ مستريح على كرسيّ، يرمقونني بعيون وادِعةٍ، وقسمات هادئةٍ طيّبة مستكينة مستسلمة، أعدت القلم إلى موضعه، وشرعت نظراتي ترتحل بين وجوههم، هاهم أبطال قصّتي، أنا لا أضلّ عنهم، انسلخت أشهر وهم يعايشونني، يسكنونني، لَمْ يفاجئني تجسّدهم أمامي، بدهي أن يرى الكاتب النّاجح شخوص أعماله أمامه تضجّ الحياة في عروقهم، تلقفت زمام المبادرة قائلاً:
-أَهْلاً أصدقائي، أبطال قصّتي؛ عهدُنا ببعضنا قديم.
هزّوا رؤوسهم موافقين، وعلى ثغورهم برقت ابتسامات الرّضا، وأطرقت الرؤوس إذعاناً.
-أَنتم ثلاثة فقط، لم أطلق عليكم أسماء، اكتفيت بـ (الرّجل) و(المرأة) و(الشَّاب).
أغمض الرّجل عينيه بهدوء مسلّماً، ومطَّ شفتيه معرباً عن استهانته بالخطب، واكتفت المرأة والشّابّ بالنَّظر إلَيَّ، كلّ شيء على ما يرام، إِذن فَلأَبدأْ بسرد الحكاية.
-أظنّكم عرفتم القصّة جيّداً، وأدرك كل منكم دَوْره فيها بالعمق الذي آمله؟.
قال الرّجل: أجل يا سيّدي، أنا رجل شارفت على الخمسين، أميل إلى البدانة شيئاً، أبيض البشرة، جلدي ناصع البياض مشرق.
قاطَعْتُهُ: الأهمّ من هذا أنّك طيّب، عطوف.
الرّجل: ميسور الحال، عندي معمل نسيج، فيه بضعة عمَّال, أَكْسِبُ منه ما يضفي على حياتي الكثيرَ من الرّفاه.
المرأة: تعرَّف على أبي المُفْلِسِ، وسرعان ما طلب يدي منه، وانتقلت إلى قصره بعدها بأسبوع.
الرّجل: لم أبخل عليها بشيء، أثقلت يديها وعنقها ذهباً وعقوداً.
أردفتُ: نقلتها بغناك من حضيض الفقر إلى قمّة الرّفاه.
الرّجل: أحبّها كما تعلم ياسيّدي.
سألتُ الشّابّ: وأنت يافتى؟. ما دورك في القصّةِ؟.
أجابَ متلعثماً: حَفظته يا سيّدي، كنتُ في العاشرة، يتيماً، مات أبي في السّجن، واختفت أمّي بعدها بقليلٍ، لعلّها تزوّجت.
قلت: أهمّ ميزاتك الإخلاص والوفاء.
قاطعه الرّجل: رأيته متشرّداً، فحملته إلى بيتي، وكنت له أكثر من أب.
المرأة: كنت له أكثر من مربية، دلّلته كما تفعل الفتاة بدميتها التي تحبّ.
الشّابّ: نشأت بارّاً بهما، أَسعدتهما معاً...
فقلت للرّجل: ثمَّ ماذا حدث لك أخيراً أيّها الرّجلُ؟.
أجاب الرّجل بانكسارٍ: كنتُ في معملي، وضجيج الآلات يصمّ الآذانَ، عثرت قدمي بشيء على الأرضِ، فسقطت فوق آلة قريبة، فابتلعت الآلة يدي، جذبتني إليها، إلى أن التهمت قسماً من رأسي، قبل أن يتمّكن هذا الشّاب من توقيفها.
أكمل الشّاب: قبل أن ننتزعه من بين أنياب الآلة كان قد فارق الحياة.
تابعت المرأة: كان هذا الشّابّ أجدر النّاس بأن يحلّ مكان سيّده في كلّ شيء، في المعمل والبيت...
قلتُ: وَلِمَ لا؟ وهو البارُ المخلص الأمينُ؟.
رفع الشّابّ رأسه معتدّاً: العمّالُ كلّهم أجمعوا حينَ التَّحقيق على أنَّ الرّجلَ انكفأ على الآلة، إنّه القضاء والقدر، وطويت صحيفته.
قالت المرأة: كنّا- أنا وهذا الشّابّ - بحاجة إلى بعضنا، فأعلنَّا الزَّواجَ الحلالَ الطَّيّب.
سرّني ما سمعت منهم، وجعلت أذهب وأجيء أمامهم، أشعرهم بقيادتي، وأنبّههم إلى أنَّ مَصَائرهم مرهونة بإرادتي، قلتُ:
-أحسنتم..أحسنتم، أراكم استظهرتم أدواركم، أرجو أن تكونوا قد أدّيتموها بكلّ أمانة، كما رسمتُها لكم.
تَلقّوا ذلك ببرود مريب، زاغت أبصارهم عنّي يتجنّبون النظر إليّ، فأعلنت لهم:
-أنا راض عن أدائكم، امضوا في حال سبيلكم راشدين.
كنت أجاهد أن أدفع عني هاجساً جعل ينخر رأسي، تنحّيتُ جانباً، أرقب ما سيفعلون، وإذ لم يتحرّك أحد منهم، استبدّت بي الرّيبة في أمرهم، أمارات تمرّد تلوح تحت هذه الوداعة التي يتظاهرون بها، أجلت النّظر في وجوههم، إنّهم مطرقون، رفعَتِ المرأة رأسها، وسدّدت إليّ نظرة وَقحة فاجأتني، وقلبت شفتيها:
- ماهذه القصّة؟.
أيّدها الشّاب: إنَّها ... تافهة فارغة.
انتفضت المرأة واقفة: تفتقر إلى التشويق، إلى المفاجأة، شوّهْتَ وُجُودَنا أيُّها الكاتب.
قفز الشاب وضرب الأرض بحذائه: أنا أرفض أن أكون أحد شخصيات هذه القصة.
استجديْتُ الرَّجلَ كلماتٍ يداوي بها الجرح الذي أحدثه الشَّابُ والمرأةُ في مسمعي:
- وأنت أيها الرجل؟ ما قولك؟.
بدا غير مكترث، تنحنح قبل أن يقول: الحقيقة.. في الواقع لا تعنيني القصّة في شيء، أنا..
قاطعته المرأة: لهذا أحدثنا في أدوارنا بعضاً من التَّعديل الطّفيف.
سارع الرّجل: تعديل طفيف؟ أبت هذه المرأة – أيّها الكاتب - إلاّ أن تكون خَائنة، أنا أردتها زوجة صالحة...
انتفضت المرأة: أنت ماذا؟ أنت لست أكثر من رجل ثلج، الحقيقة أنّ لونك الأبيض لا يذكّرني إلا ببرودة الثلج، ولا يثير بي إلا القشعريرة.
التفت إليَّ الرجل وقال بلهجة لا تخلو من الحدّة: أيّها المؤلّف! بإمكانك أن توقفها، اجعلها أقلَّ عدوانيّة معي.
حاولت التشبث بموقف القائد المتحكّم: لا تنسوا جميعاً أنّي قادر في كلّ حين على محوكم من الوجود، وعلى توجيه مقدّراتكم كما تملي عليّ مخيلتي، أنا المؤلّف.
اعترض الشاب بامتعاض: ليس بعد الآن، انتهى كلّ شيء، فات الأوان، نحن مخلوقات حرّة فاعلة مريدة.
نهرت المرأة: نحن أحرار، أسياد أنفسنا، نختار ما نشاء، وندع ما نشاء.
أسقط في يدي، وبدأت أعي أن البساط يسحب من تحت قدميّ قليلاً قليلاً، فبادرني الرجل.
- احمني من لسانها، أنت المؤلّف، إنها تتنكّر لكلّ فضل لي عليها.
أعولت المرأة: أي فضل يا رجل الثلج؟ كان أبي -غفر الله له- سكّيراً مفلساً، فأغريتَهُ بالمال وبزجاجات الشراب المعتّق تهديه إيّاها، تشربها معه، اشتريتني منه، وحملتني دمية جميلة تزيّن بها قصرك.
- أما أحسنت معاملتك ؟.
- هل من حسن المعاملة أن أدفن وأنا على قيد الحياة؟! هل من حسن المعاملة أن تدفعني للرقص لك عارية على أضواء الشموع الملوّنة، وأنت تتعاطى سمّك الزّعاف؟.
- أنت زوجتي، من حقّي أن أتمتّع بك، ألستِ زوجتي؟.
جلجلت ضحكة المرأة: زوجتك؟ وهل أنت رجل حتى يكون لك زوجة؟ أنت رجل ثلج.
حملق الرجل في وجهي وزمجر: لِمَ كلّ هذه القسوة أيها المؤلّف؟ لِمَ جعلتني أتزوّج امرأة جاحدة كهذه ؟.
والتفت إلى المرأة وصرخ: أما ألبستك ثياباً من ذهب؟ وأثقلت رأسك وجيدك بالجواهر النادرة؟.
- أمّا هذه فحقّ، ولكن مقابل ماذا؟ أنت عِنّين لا تصلح للنساء، اشتريْتَ سكوتي بالذّهب واليواقيتِ.
ضرب الرجل كفّاً على كفٍّ يأساً، وطفق يزرع المكان ذهاباً وإياباً، ويتمتم: فضحَتْني .. فضحتني لا أريد هذا الدَّور أيها المؤلّف، قصّتُك ملعونة.
حاولت من جديد استلام زمام القيادة: أيها السادة لا أريد أن تكون العلاقة بين شخوص قصّتي عنيفة قاسية، أريدها حميميّة.
برقت عينا الشاب وهو يرمق الرجل بنظرات ملتهبة، وقال له مشدّداً على كلماته:
-أما كنت تنهال عليّ ضرباً وتقريعاً لأتفه الأسباب أيّها الرّجل؟.
-أنت آخر من يحقّ له أن يتكلّم أيّها الجاحد، انتشلتك من ضياعك في الشوارع كالصّوص الأزغب لا يهتدي سبيلاً، ربّيتك علَّمْتك، آويتك في داري، هيّأت لك أُسرة.
سألني الشّاب: لماذا حرمتني الأسرة أيها المؤلّف؟ لماذا جعلت أبي يموت في السّجن؟.
أجبته: أبوك كان مناضلاً يدعو إلى العدالة الاجتماعية، فرمت به السّلطة في عفونة الزنزانات، ثمَّ ..، كان لا بد من ضحايا.
ضرب الشاب جنبه وأعلن: أبي قضى نحبه في السجن ضحية العدالة والحرّية، وهذا الرجل صيّرني عبداً أرى وأسمع وأطيع، ولا حقّ لي بشيء سواه.
-كان عليّ أن أنشئك رجلاً يُعْتمد عليه.
-نشأت رجلاً يلهث ساعياً للانتقام، تلصّصتُ على زوجتك، ترقص لك في الأمسيات عارية إلاّ من الذهب يتواثب لامعاً في المعصمين، وفوق النهدين، ويحيط بالخصر النحيل.
زعقتُ فيهم مستنكراً: هذا عار، شوّهتم كلّ جميل..
أدار الرجل ظهره للشاب وسرّح نظره إلى السقف كمن يراقب شيئاً فيه
-ما شعرت يوماً أني مالكها، حتى وهي ترقص، كانت تُقْبِل نحوي متمايلة، كلّ ما في جسدها يرقص.. ينتفض.. يرتعش، حتى إذا سرَّحتُ نظري من شعرها الثائر، إلى جسدها منحدراً إلى قدميها الصغيرتين، انفتلَتْ قبالة النافذة وثبتت أمامها، أبدعت في رقصها وتلوّيها وهزّها، موقنة أنك وراء النافذة تراها وتتابع حركاتها، المحمومة مبهوراً، كنتُ في قرارة نفسي أدرك أنها .. ترقص لك، لا لي.
ساورني الاشمئزاز فزعقت: أوغاد.. خونة .. كفّوا.. لا أحب الخيانة .. لا أقبل تسربها إلى قصصي.
أخرجت المرأة من جيبها (علكة)، قذفت بها في فمها وجعلت تمضغها مصدرة فرقعة، وشرعت تتبختر أمامنا: سمّها خيانة إذا راق لك أيها المؤلّف، أنا أسمّيها ممارسة طبيعيّة لحقّ طبيعيّ، نعم أيها الرجل أنت تعلم حقّ العلم أنّي كنت أبات أوّل الليل معك في سريرك، وأمضي بقيّة الليل في سرير هذا الشاب، وكنّا جميعاً -أنا وأنت وهو- نسكت.
صرخ الرجل: ساقطة .. خائنة، وهو خنزير غادر.
وصل إليّ صوت الشاب رصيناً أجشّ: لما أغرتني بقتل زوجها خفت بادئ الأمر، قالت: ادفع به إلى فم إحدى الآلات الدائرة، فتلتهمه، وماذا بإمكانك أن تفعل له؟ قضاؤه شاء له هذا.
كانت الآلة تدور وتدور، والهدير يملأ الأجواء، والرجل قد اقترب من آلة عظيمة .. فقفزت إليه..
(قفز الشاب على الرَّجل وأخذ بعنقه من خلف، ويده الأخرى على مؤخرته).
أمسكت برقبته وجذبته من مؤخرته، ودفعت به إلى الآلة، دفعت بكل ما في نفسي من حقد وكره ورغبة في الانتقام، اتّقى الرجل الآلة بيده فالتقمتها، وجعلت تلوكها.. سحبَتْه إليها، ولما دنت من رقبته دفعْتُ برأسه إليها بعنف..حين تنبهت إلى عامل قادم إلينا، كانت الآلة قد التهمت معظم الرأس.
بادرت العامل بالشتم: أسرعْ أيها المغفّل، أوقفْ هذه الآلة اللَّعينة.
أخذت بتلابيب العامل، جذبته إليّ بخشونة، وقدحت عيناي شرراً وأنا أهتف به.
-عثرت قدمه بكعب الآلة، فهوى عليها.. فتلقفته، أرأيت شيئاً غير هذا أيها الغبي؟!.
سارع العامل: لا يا سيدي، هذه هي الحقيقة كلّها، أقسم إني لم أَرَ إلا الحقيقة التي تراها أنت.
طفح كيلي، جاشت نفسي غيظاً ويأساً، فجعلت أدفع بهم خارجاً: أنا بريء ممّا اقترفتم، اخرجوا من مكتبي، لا أرغب في رؤيتكم فيه، ملعونة هذه القصّة التي كنتم أبطالها، لا أريد كتابتها، سأكتب واحدة أخرى، عن المطر والحبّ والفراشات والأغاني، شخصيّاتها طيبون مسالمون، يحبّون الشّمس والقرنفل البريّ، ورغيف الخبز، أمّا أنتم فاذهبوا إلى الجحيم.
طردتهم من مكتبي خاسئين، وأغلقت الباب وراءهم، ترنّحت في سيري إلى كرسيّ قريب ارتميت فوقه مكدوداً يتصبّب جبيني عرقاً، تنفّست بعمق، وقبل أن يثوب إليّ شيء من قواي الخائرة، تذكّرت أني لمّا دخلت مكتبي لأكتب القصّة، كنت قد أرتجت القفل من الداخل، فتساءلت: كيف أمكن لهؤلاء الأوغاد أن يدخلوا ؟، وقبل أن أهتدي إلى إجابة مقنعة، قرع الباب بعنف، تحاملت على نفسي، لأفتحه، فظهر شرطي منتصب أمامي، دخل والباب مرتج .. سار حتّى توسّط الغرفة، استلّ سجلاً ضخماً من تحت إبطه، فتحه بهدوء وجعل يسأل:
-أنت كاتب القصّة؟.
- أيّـة قصّة يا سيدي؟.
-القصّة التي أدّتها هذه الشخصيات.
-أيّـة شخصيات؟ أنا لم أكتبها، هممت بكتابتها ثم تراجعت، وطردت شخصياتها كلّهم، إنهم حثالة.
-ثمة مؤلف وشخصيات، وفي معمل النَّسيج رجل قتيل .. أنت المسؤول.
-يا سيّدي الشرطيّ! في الأحداث لَبْسٌ على نحو ما .. إنها -على كلّ حال- قصّة من نسج الخيال.
-قصّة من نسج الخيال؟ خرج من عندك منذ قليل رجل وامرأة وشاب، تداولتم فيما بينكم حديثاً مطوّلاً، هل كان هذا الاجتماع السرِّيُّ داخل مكتب مغلق من نسج الخيال؟.
-أحلف لك يا سيدي إنها مجرّد قصّة تافهة.. خيال.
-خيال؟! فما هذه الدماء المهدورة إذن؟، ما هذه الأشلاء المبعثرة؟، ما هذه الرأس المهشومة؟، ما هذه الانتهاكات المشينة؟ أهذا كلّه خيال؟.
- يا سيّدي! لم تتقيّد هذه الشخصيّات بما أُريدَ منها، عاثت فساداً كما يحلو لها، أنا بريء منها وممّا جنت.
أعاد الشرطي السجلّ إلى تحت إبطه، وامتشق من تحت إبطه الآخر (أصفاداً)، جمع بها معصميَّ، ولم يتح لي بعدها نطق كلمة واحدة، لا ريب أنّ عينيَّ جحظتا وأنا أرى الشرطيَّ يرفع الرّتاج ويفتح الباب، ثم يدفع بي بعنف إلى الخارج.
انتهت
الحصار
قصّة قصيرة
بقلم: أحمد عكاش
كان ذلك يوم الجمعة، يوم عطلتي الأسبوعيّة، خرجت من الدار بِذهن خليٍّ، لا يشغلني إلا الحصول على خبزنا اليومي، انحدرت في الشارع المفضي إلى السوق، أنقل خطواتي برتابة وكسل، كان الشارع هادئاً، لما بدأت تتناهى إليَّ أصوات الباعة، كثرت حولي أقدام المارة، أحسست على نحو مبهم أنّ ثمّة عيوناً تراقبني.. تتبعني، انقبضت لهذا الخاطر، تسارعت خطاي آليّاً، جاهدت في دفع هذا الهاجس دون جدوى، كانت نظرات مطاردي تنغرس بين كتفيّ باردة يقشعرّ لها بدني، حتى تشكلت بين كتفي بركة من الثلج، التفتّ خلفي بغتة لأنفض هذا الكابوس عن كاهلي، فرأيته.. يسير إثري مباشرة، يضع قدمه حيث أرفع قدمي، تجمّدت الدماء في عروقي، اجتاحتني موجةُ بردٍ مؤلم، كان مطاردي هيكلاً عظمياً.. تقرقع عظامه وهو يتحرك، عظام كفّيه نحيلة طويلة، ومحجراه غائران مثل فُوّهتي بندقيّة، وقف يتأملني– كما خيّل إليّ- بجمود وبرود، فندّت عني آهة يبدو أن أحداً لم يسمعها، لم أدر ماذا أفعل، ولّيْتُه ظهري متجاهلاً، رحت أحثّ خطاي بين زحمة السوق.
ارتفعت إثري قرقعة عظام مطاردي، كانت بركة الثلج بين منكبيّ توشك أن تجمّد أوصالي، لم أعد أجسر على الالتفات، كثرت قرقعة العظام ورائي، حتى طغت على جلبة الباعة، استجمعت شجاعتي والتفتّ .. خلفي مطاردان اثنان.. هيكلان عظميان، وقفا قبالتي ..راحت أيديهما تتأرجح.. تقرقع، صرختُ باشمئزاز وغضب:
-لماذا؟!.
تماوج صوتي ممطوطاً مرعوباً، لم تفعل صرختي شيئاً، الهيكلان العظميان جامدان مكانهما لا يبرحان، الناس في شأنهم، لم يلتفت إليّ منهم أحدٌ، وانضمّ هيكل عظميّ ثالث إليهما من جديد، صرختُ: مجرمون.
عقدت العزم على الهرب، ركضت في البداية بطيئاً ثم تسارعت خطواتي، وضجّت في رأسي قرقعة العظام خلفي، لم أستطع الفكاك من مطاردتها، بركة الثلج ذابت عرقاً يسيل خطوطاً على ظهري حتّى يصل إلى أليتي، بدأ جسمي يلتهب، تسارعت خطواتي لكن عبثاً، كانت العيون الغائرة لاتزال تنغرس بين منكبي، وقرقعة العظام تتعاظم كالمرض الخبيث، حتى طغت على الأصوات كلّها، لا شيء في هذا العالم سوى قرقعةِ العظام التي تطلبني بلا هوادة، حانت منّي التفاتة وَجِلة فإذا بالهياكل العظميّة قد صارت عشرات، وصل بعضها إلى جواري، أنا الآن مطوّق عن يميني وشمالي وخلفي، فأرسلتها بكل ما بي من قوّة وهلع وحَنَق، صرخة استغاثة:
- أنجدوني أيّها الناس، المجرمون القتلة يحاصرونني.
صرخةٌ في وادٍ ..لم يلتفت إليّ أحد، كلٌّ ماضٍ في شأنه كأنّه لا يرى ولا يسمع، هل غدوت مع هذه الهياكل العظميّة المتزايدة أشباحاً غير مرئيّة ؟.
تدفقت الهياكل العظميّة أمامي نهراً مشؤوماً لزجاً، وطفقَتْ تتباطأ أمامي.. تدفعني للوراء، كانالحصارقد أحكم حولي، واضطرّني للتوقف.
جزيرة العظام تلفّني، الناس يمرّون بنا لا يعيروننا التفاتاً، كأننا منظر مألوف سئمه المارّة، أو أنهم لا يروننا البتّة، هل نحن أشباح؟!.
كوّرْتُ كلّ ما بقي بي من قوّة ورشقتهم بها:
-اللعنة عليكم، قَتَلَة مجرمون، دعوني، إليكم عني.
ضيّقوا الحلقة حولي ..ما عدت قادراً على الحركة، خارت قواي، فوقفت لاهثاً أنتظر، أنقل نظري في الجماجم المُحْدِقَةِ بي.
- ماذا تريدون مني؟!.
الحلقة تضيق والهياكل العظميّة تنثال نحوي من كل جهة، سدّت حولي الآفاق، حالت الآن بيني وبين الناس في السوق، أين كانت كلّ هذه الهياكل؟ أُسقط في يدي، قلت باستسلام وقنوط:
- أنا إنسان فقير.. بسيط ..لا أريد أكثر من (ربطة خبز) لأطفالي، نحن لا نحبّ (الكباب الحلبي)، حتى ولا الحمصي، ولا نحبّ لحم السمك، لا نحب الذهاب إلى البحر و(الشاليهات) في الصيف، ولا في الشتاء، لا نحبه، لا نرتاد (الميرندا)، حمّامنا قِدْرٌ نحاسية كبيرة ورثتها عن أمّي رحمها الله، فماذا تريدون مني؟ تنحّوا عن طريقي.
الحلقة حولي تضيق أكثر، شعرت بالاختناق.
- أحلامي وخيالاتي كسيحة، لا أطمح إلى السياحة في أوروبة.. لندن أو باريس.. لا أسمح لخيالي بالجموح والتفكير بـ (فيلاّ) يُفتح بابها بضغطة زرّ، ويحوي حمّامُها مسبحاً و(تلفزيون) ملوّناً، وأدوات رياضة لتخفيف البدانة، الدُّوار يلفّني.. يكاد يغمى عليّ، دعوني أتنفّس.
الهياكل العظميّة جامدة مكانها لا تتكلّم.. لا تتحرّك، فقط تقرقع بعظامها، مطارق تصدع رأسي، جفّ حلقي، يبس لساني ..سكتّ، رحت أقلّب الطرف في غابة العظام الشوهاء المغروسة حولي ،كم مضى على ذلك؟ لا أدري، أُلغي الزمنُ ..توقّف، كان يمكن أن يدوم ذلك إلى يوم القيامة، لكن بغتة.. دون أن أعي ما يجري، طأطأتِ الهياكلُ العظميّة كلّها رؤوسَها باحترام جليّ، ثمّ.. انحنت ببطء، حتى ركعت على ركبتيها.
- أهذا لي؟! تساءلت في سرّي، وقد أخذت بي الحيرة كلّ مأخذ: هل هذا احترام أم أنهم يبيِّتون لي شيئاً؟ لم يطل تساؤلي وحيرتي، إذ انشق الجمع عن يميني.. تقدّم ثمانية هياكل عظميّة يحملون على أكتافهم عرشاً عظيماً مغطى بملاءة سوداء، وقفوا إلى مقربة مني، أُميط الستار جانباً فبدا لي "هيكل عظمي" يتربع العرش بترفّع مقزّز، تأملته مليّاً لا أعرف ما يراد بي.
-أهذا السجود المهيب إذن لك؟ من أنت أيّها المشوّه؟!.
وددت لو أسأله، وطقطق فكُّهُ، هوى عليّ صوته جافّاً حازماً:
-أهذا أنت إذن؟.
-نعم هذا أنا، لكن ما معنى هذا كله؟.
-معناه أن المجرم الكبير سقط أخيراً في يد العدالة.
-هل تعنيني بـ (المجرم الكبير)؟
-هل ثمّة أعظم منك إجراماً ؟.
-والعدالة أين هي؟ أ أنتم تمثّلون العدالة؟.
-نحن لا نمثّل العدالة، نحن العدالة نفسها مجسّمة.
-أنا (المجرم الكبير)، وأنتم (العدالة نفسها)؟!.
جعلت أتأمل الجماجم حولي، اجتاحتني موجة ضحك هستيري، أخفقْتُ في دفعها، فأطلقتها قويّة مجنونة أُفْلِتَ زمامُها.
أومأ الجالس على عرشه فوق الثمانية:
- أيّها الطبيب جرّعْه البلسم الشافي.
تقدّم أحد الهياكل العظمية مني وصفعني بعنف قاس، فوجمْتُ.
- لا تضحك إلا إذا أَمَرَكَ (كبيرُنا) بالضحك.
التهب خدّي وغلى رأسي، أدركت أنه يتوجّب عليَّ المزيد من الجدّ. من الاهتمام، بل ربما يحتاج الأمر إلى كثير من الحذر أيضاً.
تابع (كبيرهم) الجالس فوق:
- نحن نجهد في سيادة الحق، وأنت تفسد كل شيء.
-أنا لست مجرماً، الحقيقة أني لا أعرف كيف تُرتكب الجرائم، أنا (عبدو) ابن (أم عبدو) بائعة الثياب البالية، أمّي كانت معروفة في السوق، تحتلّ مساحة صغيرة محدّدة من الرصيف، صاحب المحلّ المجاور لها كم مرّة قذف برِجله الثيابَ البالية.. بضاعةَ أمي إلى الشارع، فدهستها عجلات السيارات المسرعة، أو لطختها بالطين في شوارع الشتاء الموحلة، فهو يتأذّى من عرض بضاعتها الرثّة أمام محلّه الأنيق، ثم توسّط لها أهل الخير:
-أرملة فقيرة يتصدّق عليها المحسنون بما رثّ من ثيابهم فتبيعها لتعيش مع ابنها الصغير، لا تطردْها من أمام محلّك، يأجرك الله.
ثم سمح لها بعرض بضاعتها على الرّصيف أمام محلّه من الصباح إلى الظهر فقط، مقابل أن تكنس له المحلّ.. تمسح بلاطه.. ترشّ أمامه بالماء صباح كل يوم.
أخيراً مرضت، سعلت أيّاماً ثم بصقت دماً، و..ماتت، نُمي إليَّ أن صاحب المحل كان يكلّفها أحياناً بتلبية رغبات زوجته في بيته، قاسيْتُ بعدها، ثم عملت أجيراً في محل لإصلاح السيارات الكبيرة، تزوجت من بنت فقيرة، رزقت منها حتى الآن ثلاثة أطفال. هذا أنا، (عبدو ابن أم عبدو) بائعة الثياب البالية، لم أسرق يوماً..لم أكذب على أحد، لم أخالف أنظمة السير أبداً، نفد المازوت عندنا منذ أكثر من أربعة أشهر، نسخن الماء للحمّام ب"بابور الكاز" فهل أنا مجرم؟.
انبرى أحد الواقفين حولي: أقرّ بإجرامه يا سيّدي، أربعة أشهر يسخّن الحمّام بوابور الكاز؟! أي مجرم هذا الرّجل ؟! إنه المجرم الكبير يا سيدي، رأس العصابة، أم عبدو –رحمها الله– كانت مخبرة مخلصة لنا يا سيّدي، وابنها هذا -كما سمعتَ يا سيّدي- قليل وطنيّة.
- لا أذكر أني تقاعست في خدمة أمتي، أو تخاذلت عن التضحية من أجل وطني.
أومأ الكبير الجالس فوق:
- أَيّها المعلّم ! اشرح له مزايا الصدق.
و تلقيتها من أحدهم على خدّي الثاني.. لاهبة قاسية، لم يغل رأسي هذه النوبة، فقد وطّنت نفسي على تلقّي المزيد من الصفعات:
-كل ما يُسمح لك بقوله إذا قال لك كبيرنا شيئاً هو [آمين]، لا تزد عليها حرفاً، أفهمتَ ؟.
- كيف لي ألاّ أفهم ؟! غمغمت لنفسي،قال كبيرهم:
- أنت قاتل، متّهم بقتل أحد رجالاتنا العلماء الأجلاّء، كان في مخبره فداهَمْتَه.. اقتدْتَه جرّاً من شعر رأسه إلى مجزرتك.. بَقَرْتَ بطنه حتى اندلقت أحشاؤه على الأرض ،.. تركْتَه ينزف حتى مات، قل لي: أليس هذا أقصى درجات الإجرام؟.
أوّل مرّة أكتشف أن الضّحك بمقدوره أن يكون مصيبة، فقد راودتني من جديد موجة الضحك الهستيري.
- جررْتُ عالِماً منكم من شعر رأسه و.. بقرت بطنه، اندلقت أحشاؤه و.. نزف حتّى مات؟! هل كان العالِم منكم؟! أقصد.. أريد أن أقول.. أنتم.. أنتم هياكل عظميّة يا سيّدي، لا شعر.. لا قلب.. لا دماء لكم، فكيف..
لم يدعني أكمل، أومأ الجالس فوق:
- أيّها المؤدِّب أدّبه.
التهب خدّي من جديد، أحسست أنّه تورّم وتخدّر.. فكّرت: إنّ الضرب لن يؤلمني بعد الآن، أحمد الله، فقط أرجو أن أستمرّ قادراً على الكلام لأدافع عن نفسي. أدافع عن نفسي؟ عاودتني هستيريا الضحك من جديد.
- يمكنك أن ترتاب بنفسك أو بالشمس الطالعة أو بالله وملائكته وكتبه ورسله، ولا يمكن أن ترتاب بما يقول (كبيرنا) أسمعت؟.
-(مثل هذا يسمعه من به صمم)، تمتمت بيني وبين نفسي، رفعت رأسي أنتظر الجالس فوق:
- أنت لصّ، سرقت هذا العرش العظيم، عرش هذا الجمهور الطيّب.
ضرب على خشب الكرسي الجالس عليه فوق الهياكل العظمية الثمانية التي تحمله، فَسُمِع لذلك قرقعة عالية، عقد الدهش لساني فقلت متلعثماً:
-كيف كان ذلك يا سيّدي ؟! .
- كان هذا العرش وسط البحور السبعة، تحفظه الأمواج العاتية واللجج المتلاطمة، في أحد الأصباح استيقظتُ فلم أجد العرش تحتي، وأكّد لنا كثيرون أنهم رأوك تسرقه وتسبح مبتعداً به.
-و كيف استعدتموه منّي يا سيّدي؟!.
-أتنكر أنّه لا يزال عندك أيّها اللص؟!.
- كيف ذاك يا سيّدي وأنت تجلس عليه الآن ؟ ثمّ إنني يا سيّدي لا أعرف السِّباحة، كم كنت أتألم وأتحسّر وأنا أراقب السابحين في نهر العاصي ولا أجرؤ على النزول إلى الماء، أنا أغرق في فنجان ماء، فكيف أعبر بحوراً سبعة؟!.
استشاط الجالس فوق غضباً، أومأ بيده:
-أيّها الحكيم عقِّله.
كانت صفعة الحكيم أقسى من لسعة السوط:
- العاقل ينتفع بتجارب الماضي.
فقدت السيطرة على نفسي فاندفعت بيأس أصرخ محاولاً الهرب:
- مجرمون.. معتدون.. حبستموني عن بيتي.. أولادي ينتظرون أوبتي إليهم بالخبز، أنا لا أقتل ..لا أسرق، تنحّوا عن سبيلي.
حاولت شقّ طريق لي دون جدوى، جدار العظام متراصٌّ متداخل جامد.. لما أعياني الصراخ والقفز همدت مقهوراً منهزماً مستسلماً، تميّز الجالس فوق غضباً:
- أيّها المجرم! لقد قلتَ ما لا يقال، يجب أن يقطع لسانك، ولم تعمل بما قاله لك طبيبنا ومعلّمنا ومؤدبنا وحكيمنا كأنّك لم تسمع ما قالوه لك، ما نفع أذنيك إذن؟ يجب أن تصلم أذناك، أيّها المصلح! أصلحْه.
تقدّم أحدهم مني.. انتزع لساني عنوة و.. اقتطعه، ثم صلم أذنيّ غير عابئ بكل مقاومتي وعويلي.
اندفعت إليه بكل شجاعة اليائس وقوّته، ورحت أضربه، أعضّه، أركله، ودمائي تسيل عليه، تلطّخت عظامه وجمجمته حتى سقطَ أرضاً
هدر كبيرهم الجالس فوق متوعّداً:
- مات مصلحنا ..قتلتَه أيّها السفاح، خذوه إلى السجن، قدّموه غداً للمحاكمة، كونوا عادلين معه، نصّبوا له محامياً حاذقاً يدافع عنه.
أمعنت النظر في الهيكل العظمي المستلقي على الأرض بلا حركة، كان مضرّجاً بدمائي، لكنْ.. أنّى لي أن أعرف إن كان حيّاً أم ميّتاً؟! .
حملوه على أكتافهم، ساروا به خلف (كبيرهم) في موكب جنائزي، واقتادوني مسلوب الإرادة في السوق، حاولت الاستغاثة بالناس، لكن لم يعبأ بي ولا بالهياكل العظميّة المحيطة بي أحد.
قضيت ليلتي في السجن أحضّر ما سأقوله للقاضي في قاعة المحكمة غداً، آه.. لساني مقطوع.. فكيف أنقل للقاضي ما أريد؟! لا ضير.. سأفهمه بالإشارات بالحركات.. بالكتابة إذا سمحوا لي، ..لن أعدم الوسيلة، سيساعدني المحامي، لقد أوصى كبير الهياكل العظميّة أن تكون محاكمتي عادلة، لساني المقطوعُ، أذناي المصلومتان والدماء السائلة خير شاهد على براءتي، على أني الضحيّة، فقط رجوت أن يكون المحامي رحيماً متفهّماً والقاضي عادلاً.
لا أزال أذكر ما حدث منذ بضع سنين، كأنما حدث يوم أمس، تلك المساحة من الذاكرة نابضة متوهجة لا يخبو بريقها على الرغم من زحف الأعوام، وتراكم الأحداث، تلك المساحة من الذاكرة يكتنفها الكثير من الأسى والقهر والإحباط، أَهَلْتُ عليها منذ أمد بعيد ستائر الإعراض والتناسي، حاولت دفنها ..طمسها، دون جدوى، كنت حينها فتى يافعاً.. غرّاً، ملء إهابه الحماسة والاندفاع، أُومن مطلقاً أني مَلِكُ هذا الكون، كل شيء ملكي: الأرض، الربيع، الشمس، الزهر، الفراشات، تأوهات الناي، الماء الزلال، الكلمة المسموعة، البيادر في مواسم الحصاد، بهذا امتلأ رأسي في تلك المدرسة، وعلى ذلك المقعد الخشبي المحفّر، قرب تلك النافذة المكسور زجاجها، التي يتسرب الهواء اللاسع في أيام الشتاء القارسة منها إلى عظامي الطرية، كنت أنتشي وأنا أسمع أستاذنا (أحمد) رحمه الله يهتف رافعاً سبّابته اليمنى:
-أنتم رجال الغد، أنتم ستملكون مطالع الشموس، وشلالات العطاء، ألستم أحفاد خير من ركب المطايا وأندى العالمين بطون راح؟.
كان رحمه الله يستحثنا دائماً على أن نتبوّأ مكاناً علياً تحت الشمس،آه يا أحداثاً مرّت منذ عديد من السنين، تطفو الآن من ركنها المظلم إلى النور، غداً محاكمتي، لساني مقطوع، يومها كان صوتي عالياً حاداً قوياً، بلا حدود.. بلا سدود، الآن لساني مقطوع وغداً سأحاكم.
أبي رحمه الله من أسرة متواضعة، موظف بسيط في مؤسسة الكهرباء، يملأ بيوت الآخرين بالنور، ويملأ بيته بكثير من الأماني والأحلام، وبقليل من الأمتعة والطعام، اقتنع أبي أخيراً أني -أنا الصغير -أستحق كرة جديدة من ذاك النوع الكبير الجميل، ومنحني ثمنَها، وحقَّ الحريّة في انتقائها وشرائها، فقد نلت في مدرستي درجة متقدّمة بين أترابي.
بعد أن دسست النقود في جيبي طارت بي أجنحة الجذل إلى السوق، لكن.. ماذا أرى ؟ السوق شبه مقفر، المحالّ كلها مغلقة، تلبّثت هنيهة، أتأمّل، ثم.. أطلقت ساقيّ للريح على الرصيف معولاً:
-أين أنتم أيّها الناس؟ لماذا أغلقتم محلاّتكم؟ النقود في جيبي، أين الكرة الرقطاء اللامعة الشهيّة التي أراها كلّ يوم تتأرجح متدلّية على باب المحل؟ بعد شهور من العذاب والأحلام صار بإمكاني شراؤها، لماذا تغتالون حلمي ؟! لماذا تَحُولون بيني وبين كرتي؟.
لمّا أويت مساء إلى فراشي دامع المقلتين، مسح والدي شعري بيده الحانية، قال:
- الناس يا بني يطالبون بحقّهم ..حرّيتهم.. كرامتهم..
حين غلبني النوم تراءى لي الأستاذ (أحمد) في حلمي رافعاً سبابته اليمنى يهدر صوته: أنتم ملوك الأرض ..لكم الشمس والربيع..
في اليوم التالي، بَرَزَتْ إلى الشوارع التي أقفلت محالُّها، جموعٌ هادرة تهتف، العيون تبرق بتمرّد، والقبضات مشدودة تلوح بتحدٍّ، كان صوتي -على نعومته وطفوليّته- عالياً مفعماً بالإصرار والإرادة، ردّدْتُ ما حفظْتُه عن أستاذي (أحمد) جعلت مقولاته شعارات ساطعة سامية هتفت بها:
- نحن الغد– نحن الشموس الطوالع – شلالات العطاء .
ثمّ.. نَهضَتْ أمام الجموع، موصدةً الشارعَ، سيّاراتٌ مصفحة، تزحف ببطء راعب نحو المتقدّمين، السيارات تتقدّم والجموع تتقدّم، التقيا.. وجهاً لوجه، دِيكَيْنِ عنيدين، كبشين أقرنين، بعد حين.. تقدّمت الآليات تناطح الجمع، بطيئة حازمة، تقهقرت الجموع قليلاً، الآليات تزحف، انكفأ الجمع رويداً رويداً، غيّرَ اتجاهَهُ، عكَسَهُ، الهتافات تعالت من جديد نشيطة ملتهبة، والآليات تابعت ضغطها ومطاردتها.
وجدَتِ الجموعُ نفسَها مدفوعة بلا هوادة إلى أزقة ضيّقة جداً، خفتت الأصوات، تفرّق الناس، ابتلعت أبوابُ الدورِ معظمَهم، سار الباقون فرادى، مطأطئين، يلفهم شعور بالإحباط والاختناق.
في طريقي إلى الدار مررت بالحانوت مفتوحاً.. الكرة الرقطاء في شبكتها تنوس معلّقة، تأملتها، هالني أنها فقدت الكثير من بريقها الذي كان يأخذ من قبل بمجامع قلبي، النقود لا تزال في جيبي، لكن.. لم أرغب فيها، باخت شهوة امتلاكها، كان وقت اللعب بالكرة وعهد الطفولة… قد ولّيا معاً.
صدمت أبي سيّارة مجهولة ومات، اضطرّت أمي إلى بيع الثياب البالية على الأرصفة لنأكل خبزنا، كان البرد القارس والحرّ اللاهب قد أنضجاني، ثم تركتني أمي هي الأخرى وآثرت اللحاق بأبي، قويت بعدها أواصر الوفاق بيني وبين الجماهير، فما تبدر منها صرخة أو نأمة إلا كنت بين أوائل الهارعين إليها و.. معها.
في يوم.. وفي منعطف الشارع المفضي إلى دارنا، نجم أمامي رجل سدَّ عليّ طريقي، تفرّس في وجهي، ثمّ وضع أصابعه تحت ذقني ورفع نظري إليه وقال مكشِّراً:
- تعال غداً إلى مقرِّنا.. كبيرنا يطلبك.
انداحت تكشيرته، برزت أنيابه صفراء قبيحة، خيّل إليّ أنّ وجهه ورأسه تحولا إلى جمجمة، أطلق ذقني واستأنف سيره، ابتلعه منعطف الشارع التالي.
في الساعة المحدّدة.. في اليوم التالي كنت على باب كبيرهم أستأذن للدخول عليه، قيل لي: عُدْ بعد ساعة.
تسكعت في الشوارع ساعة، ثم عدت أستأذن ؛ قيل لي: عُدْ بعد ساعة. ضعت في الشوارع حتى الإرهاق، و..عدت، قيل لي: عد بعد ساعة.. حَبَوْتُ على الأرصفة، ثمّ.. تماسكت على الباب موجوع الرأس والقلب والقدمين ،قيل لي: عُد غداً. في اليوم التالي؛ عدتُ.. و تسكعت على الأرصفة ساعات وزحفت ساعات، ثمّ.. أمسك بي أحدهم من ياقة قميصي من وراء، وسار بي، عُصِّبَتْ عيناي ووُضِعَ في أذني القطنُ.. عبرت ممرات طويلة.. صعدت درجات عالية.. هبطتها، اجتزت ردهات رحبة، ثم.. أوقفت أمام كبيرهم، لم أرفع بصري إليه، وصلني صوته:
- اخترناك من بين الجميع، صوتك قويّ مدوّ، نريدك أن تتعاون معنا.
-فيم أتعاون معكم يا سيّدي؟.
-تشيع بين الناس أن هؤلاء الذين ينادون بالحقوق، بالحرّيات، بالعدل، مدّعون مخادعون مجرمون.
-و إذا رفضت ؟.
- تلقى المصير الذي لاقاه أبوك.
انتفضت بعنف مرعوباً ؛أبي؟! إذن أنتم قاتلوه؟!.
رفعت رأسي، حدجت محدّثي بنظرة متفحصة، تكشيرته باردة، رأسه جمجمة.
-ما قولك الآن ؟!.
- قولي هو: لا.
- خذوه.
رُمِيت في الشارع أعمى أصمّ، نزعت العصابة.. فتحت أذنيّ.. سرت مشلول العقل والروح.
خلال عقد من السنين أو أكثر، مثلت بين يدي كبيرهم مرّات عدّة، صُفع وجهي، وقفاي، وألهبت العصا ظهري وقدميّ، وإثر كلّ زيارة كنت أرمى في الشارع أعمى أصمّ.
أخيراً قال كبيرهم:
- اذهب، لا خير فيك، لا نريد منك بعد الآن شيئاً.
مرّت أعوام.. وَهَن في أثنائها صوتي، وباخت الحماسة في صدري، انقضى ذاك العهد، عهد الحماسة، احتفر لنفسه في الذاكرة مكمناً انزوى فيه، صارت زوجتي وأطفالي منتهى همّي، وانكفأت إلى مكتبتي البيتيّة أدفن بين دفّات كتبها جلّ أوقاتي، والآن هأنذا سجين ينتظر محاكمته.
في اليوم التالي اقتادتني جمهرة من الهياكل العظميّة إلى قاعة المحكمة، كانت تعجّ بالآدميين من لحم ودم، تنفست الصعداء وأمّلت محاكمة عادلة فعلاً، محاكمة عادلة؟. من ذا الذي يعوّض لي لساني و.. أذنيّ ؟!! دخلت قفص المتّهَمين بكثير من الرجاء.
لما أعلن الحاجب دخول القضاة المحكمة، نظرت إلى منصّة القضاة ..صُعِقْتُ ..كان القاضي الأوّل في الوسط:كبيرَ الهياكل العظميّة نفسه، انكبّ على ملفّ القضيّة يدرس ويقلّب أوراقه بدقّة، باهتمام ..ثم رفع رأسه وسألني:
- أين محاميـك ؟.
قبل أن أتمكن من فعل شيء، علا صوت من القاعة:
- أنا هنا يا سيّدي.. أنا محاميه.
التفتُّ إليه.. يا إلهي إنّه هو.. "المصلح" المقتول الذي أُحاكم بسببه، كانت عظامه وجمجمته لا تزال ملطّخة بدمائي.
تقدّم المحامي -الضحيّة– ومَثَلَ أمام المحكمة، رفع أحد الحاضرين عقيرته:
- ابتدأت المحاكمة.
وقف القاضي حاملاً ملف قضيّتي يقلّب أوراقه حتى وصل إلى ورقة محدّدة، حملق فيها طويلاً مطرقاً برأسه عليها، ثم التفت إليّ.. انتهرني:
- قف أيّها المجرم، إني أتّهمك بالجرائم والموبقات والآثام كلها، فما قولك ؟.
جاهدت في طلب ورقة وقلم لأدافع عن نفسي، لكن عبثاً، انبرى المحامي يدافع عني، معولاً:
- ما عساه يقول يا سيّدي القاضي؟ أنا محاميه، لسان حاله، لقد لجَمَتْهُ جرائمه، أخرسته، إنّه يقرّ بكل ما تنسبونه إليه، ومذعن لأحكامكم كلّها.
القاضي: حكمنا عليك بالإعدام.
المحامي: دمتم أهلاً للعدل، حماة للمظلومين يا سيّدي القاضي.
القاضي (لمن حوله): خذوه.. نفّذوا حكمنا فيه.
أيقنت أن سبل النجاة أمامي موصدة كلّها، فأنا محاصر حتّى الأعماق، ساورني دوار حادّ، دارت القاعة بي بطيئة في البداية.. ثم.. تسارعت، غامت عيناي، فتداعيت على الأرض.
انتهت
(2)-التعديلُ الطّفيف
(قصة قصيرة)
بقلم: أحمد عكاش
بعد أن فرغت من نسج هذه القصّةِ، خطوطِها العريضةِ والفرعيّة، وكلّ ما يجعلها قصّة ناجحة، عزمت أخيراً على كتابتها، دلفت إلى غرفتي وأرتجت البابَ خلفي، لأنصرف بكلّ مداركي إلى القصّة، جَلست وَأَحَطْتُ فُوديّ براحتيْ كفّيّ، ورحت أعتصر ذاكرتي مستقطراً منها الأحداث قطرة فقطرة، وما إن توسّمت في نفسي الثّقة الوطيدة بكتابتها، حتّى أمسكت بالقلم، كانت الأوراق قد ضاقت ذرعاً بالمساحات البيضاء، رفعت رأسي مفكّراً، فوقع بصري عليهم حولي، إنّهم أبطال قصَّتي بعينهم، جالسين قبالتي، كلٌّ مستريح على كرسيّ، يرمقونني بعيون وادِعةٍ، وقسمات هادئةٍ طيّبة مستكينة مستسلمة، أعدت القلم إلى موضعه، وشرعت نظراتي ترتحل بين وجوههم، هاهم أبطال قصّتي، أنا لا أضلّ عنهم، انسلخت أشهر وهم يعايشونني، يسكنونني، لَمْ يفاجئني تجسّدهم أمامي، بدهي أن يرى الكاتب النّاجح شخوص أعماله أمامه تضجّ الحياة في عروقهم، تلقفت زمام المبادرة قائلاً:
-أَهْلاً أصدقائي، أبطال قصّتي؛ عهدُنا ببعضنا قديم.
هزّوا رؤوسهم موافقين، وعلى ثغورهم برقت ابتسامات الرّضا، وأطرقت الرؤوس إذعاناً.
-أَنتم ثلاثة فقط، لم أطلق عليكم أسماء، اكتفيت بـ (الرّجل) و(المرأة) و(الشَّاب).
أغمض الرّجل عينيه بهدوء مسلّماً، ومطَّ شفتيه معرباً عن استهانته بالخطب، واكتفت المرأة والشّابّ بالنَّظر إلَيَّ، كلّ شيء على ما يرام، إِذن فَلأَبدأْ بسرد الحكاية.
-أظنّكم عرفتم القصّة جيّداً، وأدرك كل منكم دَوْره فيها بالعمق الذي آمله؟.
قال الرّجل: أجل يا سيّدي، أنا رجل شارفت على الخمسين، أميل إلى البدانة شيئاً، أبيض البشرة، جلدي ناصع البياض مشرق.
قاطَعْتُهُ: الأهمّ من هذا أنّك طيّب، عطوف.
الرّجل: ميسور الحال، عندي معمل نسيج، فيه بضعة عمَّال, أَكْسِبُ منه ما يضفي على حياتي الكثيرَ من الرّفاه.
المرأة: تعرَّف على أبي المُفْلِسِ، وسرعان ما طلب يدي منه، وانتقلت إلى قصره بعدها بأسبوع.
الرّجل: لم أبخل عليها بشيء، أثقلت يديها وعنقها ذهباً وعقوداً.
أردفتُ: نقلتها بغناك من حضيض الفقر إلى قمّة الرّفاه.
الرّجل: أحبّها كما تعلم ياسيّدي.
سألتُ الشّابّ: وأنت يافتى؟. ما دورك في القصّةِ؟.
أجابَ متلعثماً: حَفظته يا سيّدي، كنتُ في العاشرة، يتيماً، مات أبي في السّجن، واختفت أمّي بعدها بقليلٍ، لعلّها تزوّجت.
قلت: أهمّ ميزاتك الإخلاص والوفاء.
قاطعه الرّجل: رأيته متشرّداً، فحملته إلى بيتي، وكنت له أكثر من أب.
المرأة: كنت له أكثر من مربية، دلّلته كما تفعل الفتاة بدميتها التي تحبّ.
الشّابّ: نشأت بارّاً بهما، أَسعدتهما معاً...
فقلت للرّجل: ثمَّ ماذا حدث لك أخيراً أيّها الرّجلُ؟.
أجاب الرّجل بانكسارٍ: كنتُ في معملي، وضجيج الآلات يصمّ الآذانَ، عثرت قدمي بشيء على الأرضِ، فسقطت فوق آلة قريبة، فابتلعت الآلة يدي، جذبتني إليها، إلى أن التهمت قسماً من رأسي، قبل أن يتمّكن هذا الشّاب من توقيفها.
أكمل الشّاب: قبل أن ننتزعه من بين أنياب الآلة كان قد فارق الحياة.
تابعت المرأة: كان هذا الشّابّ أجدر النّاس بأن يحلّ مكان سيّده في كلّ شيء، في المعمل والبيت...
قلتُ: وَلِمَ لا؟ وهو البارُ المخلص الأمينُ؟.
رفع الشّابّ رأسه معتدّاً: العمّالُ كلّهم أجمعوا حينَ التَّحقيق على أنَّ الرّجلَ انكفأ على الآلة، إنّه القضاء والقدر، وطويت صحيفته.
قالت المرأة: كنّا- أنا وهذا الشّابّ - بحاجة إلى بعضنا، فأعلنَّا الزَّواجَ الحلالَ الطَّيّب.
سرّني ما سمعت منهم، وجعلت أذهب وأجيء أمامهم، أشعرهم بقيادتي، وأنبّههم إلى أنَّ مَصَائرهم مرهونة بإرادتي، قلتُ:
-أحسنتم..أحسنتم، أراكم استظهرتم أدواركم، أرجو أن تكونوا قد أدّيتموها بكلّ أمانة، كما رسمتُها لكم.
تَلقّوا ذلك ببرود مريب، زاغت أبصارهم عنّي يتجنّبون النظر إليّ، فأعلنت لهم:
-أنا راض عن أدائكم، امضوا في حال سبيلكم راشدين.
كنت أجاهد أن أدفع عني هاجساً جعل ينخر رأسي، تنحّيتُ جانباً، أرقب ما سيفعلون، وإذ لم يتحرّك أحد منهم، استبدّت بي الرّيبة في أمرهم، أمارات تمرّد تلوح تحت هذه الوداعة التي يتظاهرون بها، أجلت النّظر في وجوههم، إنّهم مطرقون، رفعَتِ المرأة رأسها، وسدّدت إليّ نظرة وَقحة فاجأتني، وقلبت شفتيها:
- ماهذه القصّة؟.
أيّدها الشّاب: إنَّها ... تافهة فارغة.
انتفضت المرأة واقفة: تفتقر إلى التشويق، إلى المفاجأة، شوّهْتَ وُجُودَنا أيُّها الكاتب.
قفز الشاب وضرب الأرض بحذائه: أنا أرفض أن أكون أحد شخصيات هذه القصة.
استجديْتُ الرَّجلَ كلماتٍ يداوي بها الجرح الذي أحدثه الشَّابُ والمرأةُ في مسمعي:
- وأنت أيها الرجل؟ ما قولك؟.
بدا غير مكترث، تنحنح قبل أن يقول: الحقيقة.. في الواقع لا تعنيني القصّة في شيء، أنا..
قاطعته المرأة: لهذا أحدثنا في أدوارنا بعضاً من التَّعديل الطّفيف.
سارع الرّجل: تعديل طفيف؟ أبت هذه المرأة – أيّها الكاتب - إلاّ أن تكون خَائنة، أنا أردتها زوجة صالحة...
انتفضت المرأة: أنت ماذا؟ أنت لست أكثر من رجل ثلج، الحقيقة أنّ لونك الأبيض لا يذكّرني إلا ببرودة الثلج، ولا يثير بي إلا القشعريرة.
التفت إليَّ الرجل وقال بلهجة لا تخلو من الحدّة: أيّها المؤلّف! بإمكانك أن توقفها، اجعلها أقلَّ عدوانيّة معي.
حاولت التشبث بموقف القائد المتحكّم: لا تنسوا جميعاً أنّي قادر في كلّ حين على محوكم من الوجود، وعلى توجيه مقدّراتكم كما تملي عليّ مخيلتي، أنا المؤلّف.
اعترض الشاب بامتعاض: ليس بعد الآن، انتهى كلّ شيء، فات الأوان، نحن مخلوقات حرّة فاعلة مريدة.
نهرت المرأة: نحن أحرار، أسياد أنفسنا، نختار ما نشاء، وندع ما نشاء.
أسقط في يدي، وبدأت أعي أن البساط يسحب من تحت قدميّ قليلاً قليلاً، فبادرني الرجل.
- احمني من لسانها، أنت المؤلّف، إنها تتنكّر لكلّ فضل لي عليها.
أعولت المرأة: أي فضل يا رجل الثلج؟ كان أبي -غفر الله له- سكّيراً مفلساً، فأغريتَهُ بالمال وبزجاجات الشراب المعتّق تهديه إيّاها، تشربها معه، اشتريتني منه، وحملتني دمية جميلة تزيّن بها قصرك.
- أما أحسنت معاملتك ؟.
- هل من حسن المعاملة أن أدفن وأنا على قيد الحياة؟! هل من حسن المعاملة أن تدفعني للرقص لك عارية على أضواء الشموع الملوّنة، وأنت تتعاطى سمّك الزّعاف؟.
- أنت زوجتي، من حقّي أن أتمتّع بك، ألستِ زوجتي؟.
جلجلت ضحكة المرأة: زوجتك؟ وهل أنت رجل حتى يكون لك زوجة؟ أنت رجل ثلج.
حملق الرجل في وجهي وزمجر: لِمَ كلّ هذه القسوة أيها المؤلّف؟ لِمَ جعلتني أتزوّج امرأة جاحدة كهذه ؟.
والتفت إلى المرأة وصرخ: أما ألبستك ثياباً من ذهب؟ وأثقلت رأسك وجيدك بالجواهر النادرة؟.
- أمّا هذه فحقّ، ولكن مقابل ماذا؟ أنت عِنّين لا تصلح للنساء، اشتريْتَ سكوتي بالذّهب واليواقيتِ.
ضرب الرجل كفّاً على كفٍّ يأساً، وطفق يزرع المكان ذهاباً وإياباً، ويتمتم: فضحَتْني .. فضحتني لا أريد هذا الدَّور أيها المؤلّف، قصّتُك ملعونة.
حاولت من جديد استلام زمام القيادة: أيها السادة لا أريد أن تكون العلاقة بين شخوص قصّتي عنيفة قاسية، أريدها حميميّة.
برقت عينا الشاب وهو يرمق الرجل بنظرات ملتهبة، وقال له مشدّداً على كلماته:
-أما كنت تنهال عليّ ضرباً وتقريعاً لأتفه الأسباب أيّها الرّجل؟.
-أنت آخر من يحقّ له أن يتكلّم أيّها الجاحد، انتشلتك من ضياعك في الشوارع كالصّوص الأزغب لا يهتدي سبيلاً، ربّيتك علَّمْتك، آويتك في داري، هيّأت لك أُسرة.
سألني الشّاب: لماذا حرمتني الأسرة أيها المؤلّف؟ لماذا جعلت أبي يموت في السّجن؟.
أجبته: أبوك كان مناضلاً يدعو إلى العدالة الاجتماعية، فرمت به السّلطة في عفونة الزنزانات، ثمَّ ..، كان لا بد من ضحايا.
ضرب الشاب جنبه وأعلن: أبي قضى نحبه في السجن ضحية العدالة والحرّية، وهذا الرجل صيّرني عبداً أرى وأسمع وأطيع، ولا حقّ لي بشيء سواه.
-كان عليّ أن أنشئك رجلاً يُعْتمد عليه.
-نشأت رجلاً يلهث ساعياً للانتقام، تلصّصتُ على زوجتك، ترقص لك في الأمسيات عارية إلاّ من الذهب يتواثب لامعاً في المعصمين، وفوق النهدين، ويحيط بالخصر النحيل.
زعقتُ فيهم مستنكراً: هذا عار، شوّهتم كلّ جميل..
أدار الرجل ظهره للشاب وسرّح نظره إلى السقف كمن يراقب شيئاً فيه
-ما شعرت يوماً أني مالكها، حتى وهي ترقص، كانت تُقْبِل نحوي متمايلة، كلّ ما في جسدها يرقص.. ينتفض.. يرتعش، حتى إذا سرَّحتُ نظري من شعرها الثائر، إلى جسدها منحدراً إلى قدميها الصغيرتين، انفتلَتْ قبالة النافذة وثبتت أمامها، أبدعت في رقصها وتلوّيها وهزّها، موقنة أنك وراء النافذة تراها وتتابع حركاتها، المحمومة مبهوراً، كنتُ في قرارة نفسي أدرك أنها .. ترقص لك، لا لي.
ساورني الاشمئزاز فزعقت: أوغاد.. خونة .. كفّوا.. لا أحب الخيانة .. لا أقبل تسربها إلى قصصي.
أخرجت المرأة من جيبها (علكة)، قذفت بها في فمها وجعلت تمضغها مصدرة فرقعة، وشرعت تتبختر أمامنا: سمّها خيانة إذا راق لك أيها المؤلّف، أنا أسمّيها ممارسة طبيعيّة لحقّ طبيعيّ، نعم أيها الرجل أنت تعلم حقّ العلم أنّي كنت أبات أوّل الليل معك في سريرك، وأمضي بقيّة الليل في سرير هذا الشاب، وكنّا جميعاً -أنا وأنت وهو- نسكت.
صرخ الرجل: ساقطة .. خائنة، وهو خنزير غادر.
وصل إليّ صوت الشاب رصيناً أجشّ: لما أغرتني بقتل زوجها خفت بادئ الأمر، قالت: ادفع به إلى فم إحدى الآلات الدائرة، فتلتهمه، وماذا بإمكانك أن تفعل له؟ قضاؤه شاء له هذا.
كانت الآلة تدور وتدور، والهدير يملأ الأجواء، والرجل قد اقترب من آلة عظيمة .. فقفزت إليه..
(قفز الشاب على الرَّجل وأخذ بعنقه من خلف، ويده الأخرى على مؤخرته).
أمسكت برقبته وجذبته من مؤخرته، ودفعت به إلى الآلة، دفعت بكل ما في نفسي من حقد وكره ورغبة في الانتقام، اتّقى الرجل الآلة بيده فالتقمتها، وجعلت تلوكها.. سحبَتْه إليها، ولما دنت من رقبته دفعْتُ برأسه إليها بعنف..حين تنبهت إلى عامل قادم إلينا، كانت الآلة قد التهمت معظم الرأس.
بادرت العامل بالشتم: أسرعْ أيها المغفّل، أوقفْ هذه الآلة اللَّعينة.
أخذت بتلابيب العامل، جذبته إليّ بخشونة، وقدحت عيناي شرراً وأنا أهتف به.
-عثرت قدمه بكعب الآلة، فهوى عليها.. فتلقفته، أرأيت شيئاً غير هذا أيها الغبي؟!.
سارع العامل: لا يا سيدي، هذه هي الحقيقة كلّها، أقسم إني لم أَرَ إلا الحقيقة التي تراها أنت.
طفح كيلي، جاشت نفسي غيظاً ويأساً، فجعلت أدفع بهم خارجاً: أنا بريء ممّا اقترفتم، اخرجوا من مكتبي، لا أرغب في رؤيتكم فيه، ملعونة هذه القصّة التي كنتم أبطالها، لا أريد كتابتها، سأكتب واحدة أخرى، عن المطر والحبّ والفراشات والأغاني، شخصيّاتها طيبون مسالمون، يحبّون الشّمس والقرنفل البريّ، ورغيف الخبز، أمّا أنتم فاذهبوا إلى الجحيم.
طردتهم من مكتبي خاسئين، وأغلقت الباب وراءهم، ترنّحت في سيري إلى كرسيّ قريب ارتميت فوقه مكدوداً يتصبّب جبيني عرقاً، تنفّست بعمق، وقبل أن يثوب إليّ شيء من قواي الخائرة، تذكّرت أني لمّا دخلت مكتبي لأكتب القصّة، كنت قد أرتجت القفل من الداخل، فتساءلت: كيف أمكن لهؤلاء الأوغاد أن يدخلوا ؟، وقبل أن أهتدي إلى إجابة مقنعة، قرع الباب بعنف، تحاملت على نفسي، لأفتحه، فظهر شرطي منتصب أمامي، دخل والباب مرتج .. سار حتّى توسّط الغرفة، استلّ سجلاً ضخماً من تحت إبطه، فتحه بهدوء وجعل يسأل:
-أنت كاتب القصّة؟.
- أيّـة قصّة يا سيدي؟.
-القصّة التي أدّتها هذه الشخصيات.
-أيّـة شخصيات؟ أنا لم أكتبها، هممت بكتابتها ثم تراجعت، وطردت شخصياتها كلّهم، إنهم حثالة.
-ثمة مؤلف وشخصيات، وفي معمل النَّسيج رجل قتيل .. أنت المسؤول.
-يا سيّدي الشرطيّ! في الأحداث لَبْسٌ على نحو ما .. إنها -على كلّ حال- قصّة من نسج الخيال.
-قصّة من نسج الخيال؟ خرج من عندك منذ قليل رجل وامرأة وشاب، تداولتم فيما بينكم حديثاً مطوّلاً، هل كان هذا الاجتماع السرِّيُّ داخل مكتب مغلق من نسج الخيال؟.
-أحلف لك يا سيدي إنها مجرّد قصّة تافهة.. خيال.
-خيال؟! فما هذه الدماء المهدورة إذن؟، ما هذه الأشلاء المبعثرة؟، ما هذه الرأس المهشومة؟، ما هذه الانتهاكات المشينة؟ أهذا كلّه خيال؟.
- يا سيّدي! لم تتقيّد هذه الشخصيّات بما أُريدَ منها، عاثت فساداً كما يحلو لها، أنا بريء منها وممّا جنت.
أعاد الشرطي السجلّ إلى تحت إبطه، وامتشق من تحت إبطه الآخر (أصفاداً)، جمع بها معصميَّ، ولم يتح لي بعدها نطق كلمة واحدة، لا ريب أنّ عينيَّ جحظتا وأنا أرى الشرطيَّ يرفع الرّتاج ويفتح الباب، ثم يدفع بي بعنف إلى الخارج.
انتهت