تسلّل الابن خفية من صفع أبيه الحارّ الذي ترك لدغه الأخير..احمرارا على وجنتيه..نظر إلى مكان جلوسه وجده شاغرا احتفلت أهازيج روحه و رقصت على أنغام الفراغ الجميل الذي جسّده المكان ...
وخز الصبار و شوكه الحار تعوّد عليه وهو يقطع أكداسا يبيعها في الجوار لإحدى مصانع المدينة التي تعنى برسكلتها و تحويلها لموادّ طبّية..تعوّد هوّ على شوكها و تعودّت النّبتة على أنامله تغوص فيها عشرات المرّات في اليوم إلاّ صفعة والده راسخة في جسده تشبه قطع رقبته في كلّ مرّة يباغته بضربة قاسيّة ...
حمل ذنب والدته التي أحبّته و أهملت أباه طبع الأخير في الأنانيّة القاسيّة المعبّأة داخل إحساسه القاتل بالوحدة و الاحتقار ..و لكن ما ذنب المسكين إذا قُطع ذراع الرّحمة بينهما..هيّ الحنون رفضت إلزام والده بتركه مقاعد المدرسة للعمل في الصبار و الشّوك ..
و بقيت تترجّاه كعابدة لربّها حتى يتركه يدرس ..ولكنّه أصرّ و نفّذ ..
و أصرّت ...فكرهت ..فتركت ..فهجرت..و أعلنت نهاية العلاقة بكلّ تفاصيلها و وجودها داخل البيت لأجل ابنها..و في هذا السّياق وجد نفسه مكروها ..منبوذا من والده ..إذ كان قاسيّا أليما..ينتهز فرصة أخطائه الصّغيرة كي يوقّع على وجنتيه صفعه القويّ.
مسك الرّغيف بأنامل تشبه الحجر تكلّسا و خشونة ..ولحقته أمّه بالفطور مبتسمة ..نظر إليها نظرة ..استعرض فيها حبّ العالم للأمّ ...ابتسمت له ثانيّة واضعة يداها على رأسه قائلة:
ـ هل آلمتك ..لا تغضب هو يحبّك ... يخاف عليك من الهواء
ـ فيما مضى ربّما كان يحبّني أما الآن قست نفسه و جافى قلبه ابنه
ـ أبدا سيغمر قلبك بفرحة العيد ...اختار الخروف السّمين كي تفتخر بين أترابك
وهو يلتهم اللّقمة الأخيرة وصله هذا الخبر كالصّاعقة..شهق فهوت اللّقمة من فمه على الأرض مفرزا سعالا خانقا أنقذته شربة ماء من يدها الحنون و هي تربّت على كتفيه مردّدة (بسم الله على ولدي ..بسم الله على ولدي...)
سألها بشغف :
ــ تصالحتما ؟
ــ نعم تصالحنا كي تعيش أنت في سلام
ارتمى في أحضانها ..متفحّصا وجهها ...عساه يرى في تقاسيمها ما يشفي جرحه من أنّها صادقة ..فترتدّ إليه تقاسيمها فائزة ...
ـ قلت تصالحنا لأجلك لن يضربك بعد اليوم هذا الشّرط ميثاق بيننا ..لن يضربك أبدا و ستعود هذه السّنة تزاول دراستك..خسرت شهرين و لكنّك لن تخذلني بعدهما...
تساقطت دموعهما أملا فتنظم حبّات اللّؤلؤ عقدا حول عنقها كانت يائسة كنجمة حاصرتها غيمة كبيرة و أبت أن تفتح لها مجالا لتسطع بنورها في الأفق ..هوّ قمرها الوحيد ..قمرها الذي ربّته صغيرا بلبنها الممزوج بالشّقاء و التّعب ..مرّت إحدى عشر سنة وترعرع القمر في قلبها ..و كبر في ذاتها وهو طفل و غرست فيه كلّ أنواع الصّبر..المرّ و العلقم..إلى أن ظفر بشيء يلمسه ..يمسكه ..يقطعه .. يكوّمه ...خلاصة لكلمات أمّه عن الصّبر ...وجد الصبار عاشره وتذوّقه مرّات في شروده ..و مرّات لحاجته القصوى في تسكين أوجاعه.. يجعل من مرارته شاغلا لينسى مصابه..
هاهوّ الآن بعلّق أملا على نوافذ المستقبل ..توهّجت مقاعد الدّراسة في عينيه و ارتطم الشّعاع بداخله راكضا ..سعيدا..ليبثّ أخباره الجديدة لنبتة الصبّار ..يهيّأ لها فراقا جميلا كي لا يكسّر شوكتها ...
تعليق