من يوميات عظم

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • صبيحة شبر
    أديبة وكاتبة
    • 24-06-2007
    • 361

    من يوميات عظم

    من يوميات عظم
    عظام متكسرة ، بارزة ،، ولحم آيل للنفاد ،، وجه يكسوه التعب ،، وتحيطه الكآبة ،، سنوات عجاف من الهم والكمد ،، ألمت بصاحبة هذا الوجه الجميل ، وقضت على ما فيه من نضارة ، وما بثته في الناس من بهجة تبعثها تقاسيمه الرقيقة ،الهادئة ،شعر وخطه المشيب على عجل ،، وعلى حين غرة من صاحبته ، أتت السيدة على غير انتظار ، باحثة في العظام المتجمعة التي رميت هنا بغير اهتمام
    نادت السيدة التي اعرفها تمام المعرفة :
    - أكل هذه العظام جاء ذووها ؟
    الصوت اعرفه تمام المعرفة ، طالما هدهدني ، وأنا طفل صغير ، اعتنى بي ، صبر عند مهدي باشا ، متحدثا باعذب الحكايات ، عل النوم يأتي الى عيوني التي تأبى مفارقة التدليل
    سيدة تدل ملامحها ، على جمال أخاذ ، كان يثير الإعجاب ، في المشاهدين ، كنت انا انظر اليها ، مبهور برباطة جأشها ، وتحملها الصعاب ، وصرخاتي المتواصلة ، التي أصر على إطلاقها ، دون توقف ، ليأتيني ذلك الوجه الآسر ، الذي يرغمني على الصمت
    تقلب السيدة ، ذات الجمال الآفل ، العظام بيدها ، تبحث عن عظام كانت ، تسعى الى إيجادها في هذه الكومة ، التي وضعت هنا ، بلا اهتمام ، أشفق لمرأى السيدة العزيزة ، وهي تحاول ان ، تجمع العظام على بعضها ، لتكون مخلوقا ، كان عزيزا على قلبها ، أثيرا على نفسها ،تسأل الرجل الواقف بالتياع :
    - الا يوجد عظام غير هذه في مكان قريب ؟
    يثيرني صوت السيدة ، الذي يبدو الرعب ، عليه واضحا ، وان حاولت جاهدة أن ، تخفي معالمه ، في نفسها المرهقة منذ زمان
    صوت أخاذ جميل ، ينشد أغاني فيروز ، محاولا ان يحسن التقليد ، بنبرات مطمئنة ،عشقت ذلك الصوت ، كنت اصرخ باستمرار ، طالبا ان تأتيني ، صاحبته ، لتسمعني : تلك الأغاني الرائعة ، بعذوبة متناهية ،، يأخذني جمال الصوت ، الى عوالم من البهجة ، أتمنى معه ان يبقى ، محيطا بي ، لا يفارقني
    تعود السيدة لتقلب العظام ، والتساؤل ، ينبعث قويا من نبرات صوتها ، الآخذة بالارتفاع
    - أين وضعوا العظام الأخرى ؟
    يرعبني الصوت المأسور بضعف ووهن ، لم أكن اعهده ، بتلك المرأة ، التي كنت واثقا ثقة تامة ، أنها قوية ، لا تعرف الخنوع ، ولكن الأيام تفعل فعلها ، في النفوس ، قبل الأجساد ، وتأتي بتغيرات لم نكن نظن انها تحدث بمثل هذه السرعة ، ويهذا الشكل العجيب
    يعود صوت المرأة ، التي طالما أسرتني بحضورها الجميل ، الى التساؤل من جديد :
    - الا تدري ، أخي ، اين وضعوا العظام الباقية ، لرفات الأجساد الأخرى ؟
    اندهش للسؤال ، الا تدري السيدة العزيزة ، ماذا جرى ؟ عظام متفرقة ، لأجساد كثيرة ، تجمع أكواما أكواما ، على غير ترتيب ، في أماكن متفرقة ، استطاعت ان تعرف ذراعي ، من كم قميص ، كانت قد أخاطته لي ، بيديها الرقيقتين
    يعود صوت السيدة ، التي كثيرا ما بهرتني ، بجمالها ، الى السؤال بلهفة المحتار ، من جديد
    - هل يمكنك ان تدلني على الذراع اليمنى ، وعلى الساق اليسرى ؟
    لقد نحرونا أيتها العزيزة ، ولم أكن اعلم ، أنني سأكون شاهدا على حيرتك سيدتي العزيزة ، تعبك ذهب سدى كما في كل مرة
    الطفل يبكي بإصرار عجيب ، يبحث عن سيدة جميلة ، ذات منظر أخاذ ، تنشد له أغاني فيروز ، بابتسام ، وتحرص على ان يأتي صوتها جميلا ، كجمال صوت فيروز
    تمسك السيدة العظام ، بيديها ، تحاول ان تجمعها بهيئة واحدة ، تدرك انها تفقد عظمين اثنين ، من العسير عليها ، ان تعيد تشكيل الجسد بدونهما ،، تسأل برغبة شديدة الا يأتيها الجواب الذي تحرص على تأخيره
    - دلني ، أخي ، أين وضعوا العظام الأخرى ؟
    عظامنا سيدتي دقوها ، نثروها ، مزقوها ، ثم جمعوها بغير عناية ، ولا انتباه ، في أماكن متفرقة
    الطفل تغمره البهجة ، شرب حتى ارتوى ، لعبت وإياه السيدة ، لاطفته ، أسمعته حلو الأناشيد وعذب الأغاني ، بصوتها الجميل ، حتى اطمأن وعرف انه ملاك بهيج ، يغني للسماء مع الشحرور
    تعود السيدة الى سؤالها الغريب ، ويبدو ان الرجل يأبى ، إشفاقا ،أن يطلعها ، على جوابه الصحيح
    - قل لي ، أخي ، أين وضعوا العظام ؟ أريد الذراع اليمنى ، والساق اليسرى من جسد عزيز ، لأجمعها مع بعضها البعض ، ثم أدفئه في بيتي
    الطفل يضحك ، تأخذه السيدة ، بيديها ، تأرجحه يمينا وشمالا ، وهو يكركر ، بصوت سعيد ، طالبا المزيد ، من اللعب مع السيدة الرقيقة
    يسمع صوت السيدة ، ينبعث بهلع مكبوت :
    لطفا ، أخي ، أريد الذراع اليمنى والساق اليسرى ، انه ولدي ، لقد عرفت أخيرا أنهم أعدموه ، وكنت أظن انه ما زال حيا يرزق
    نفذوا حكم الموت بالآلاف سيدتي الحبيبة ، لم يتبق مني الا عظام نخرة ، أمي ، كيف يمكنك ان تجمعي العظام وهي رميم ؟
    تهم السيدة بطرح السؤال مرة أخرى ، فلم يعد الرجل قادرا على الاحتمال ، بعد زخات من الأسئلة المتدفقة ، التي تلقيها على عاتقه ، تلك السيدة العزيزة ، يجيبها بانفعال :
    - سيدتي ، لم تبق فينا عظام ، تهرأ كل شيء فينا ، أصبحنا رمادا تذروه الرياح




    صبيحة شبر
    1-5 - 2006
  • عائده محمد نادر
    عضو الملتقى
    • 18-10-2008
    • 12843

    #2
    الزميلة القديرة
    صبيحة شبر
    نص مؤلم حد الحرقة
    أبحث عن رفاة أخي منذ حرب الخليج وليتني أجد له عظمة واحدة كي أدفنها وأبكي كل حرقة السنين على فراقه وعلى عدم الوقوع على أثر واحد ندفنه ونقول أنه هنا يرقد فلان بن فلان
    المهم
    أعدتني بنصك لأيام كنت احاول جاهدة أن أتلافى ذكراها لعل الحرقة تبرد
    موجع هذا النص جدا
    مؤلم فراق الأحبة وتبقى نيران فراقهم مستعرة في القلب
    سردك جاء جميلا صبيحة
    تحياتي ومحبتي لك
    الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

    تعليق

    • صبيحة شبر
      أديبة وكاتبة
      • 24-06-2007
      • 361

      #3
      الأديبة العزيزة عائدة محمد نادر
      سرني تعليقك الجميل لقصتي التي تبين معاناة الامهات والاباء من فقد الأبناء
      ولا يوجد أثر للمفقودين يمكن ان يعين العائلة لايجاد قبر يضم الرفات
      قصتي هذه تُرجمت للغات الفرنسية والانجليزية والايطالية
      جزيل شكري لتقييمك الرائع لقصصي

      تعليق

      • حسن لختام
        أديب وكاتب
        • 26-08-2011
        • 2603

        #4
        ."أصبحنا رمادا تذروه الرياح" نهاية قوية ، صادمة ومؤلمة حدّدت معنى هذا النص القوي الموجع، ياالله..فكرة النص، فكرة عبقرية..الحبكة السردية رائعة، لغة النص سليمة والنهاية صادمة، مدهشة وموجعة
        محبتي وكل التقدير، أختي المبدعة الرائعة صبيحة شبر

        تعليق

        • صبيحة شبر
          أديبة وكاتبة
          • 24-06-2007
          • 361

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة حسن لختام مشاهدة المشاركة
          ."أصبحنا رمادا تذروه الرياح" نهاية قوية ، صادمة ومؤلمة حدّدت معنى هذا النص القوي الموجع، ياالله..فكرة النص، فكرة عبقرية..الحبكة السردية رائعة، لغة النص سليمة والنهاية صادمة، مدهشة وموجعة
          محبتي وكل التقدير، أختي المبدعة الرائعة صبيحة شبر
          الأخ العزيز الأديب حسن لختام
          حياتنا تتنقل من سيء الى أكثر سوءا
          الناس يتساقطون دون أن ينصفهم أحد
          ولكن أملنا كبير في انبلاج الفجر من وراء الغيوم
          جزيل الشكر على روعة التعليق
          مودتي الوارفة

          تعليق

          يعمل...
          X