لن أتركك تركب القطار وحيدا
===============
جاءته الرسالة مباغتة كومضة حلم. لم يصدقها. عاود قراءتها مرة ومرات على جهازه المحمول:
- "انتظرنا في ذات المكان عند الساعة الثامنة مساء".
لم ينتظر.. ذهب إلى هناك، وجلس قبل الميعاد بأربع ساعات، في ذات المكان وانتظرهما، فوق الأريكة، تحت الشجرة الوارفة الظلال عند أول القرية ناحية محطة القطار.. ذاك المكان الشاهد على كل شيء بناه معهما،على كلمة زرعها في رأسيهما.. جلس، وحلق عاليا في سماء زرقاء صافية.. حلق بأحلامه بعيدا إلى حيث كانا كزهرتين نبتتا وترعرعتا أمام عينيه، وسط صحراء قاحلة. سقاهما بماء حبه، وغذاهما بكل كلمة قرأها وحواها رأسه، وحرص عليهما ليل نهار حتى أصبحا شابين يافعين.
إبراهيم وعلي.
ولداه اللذان لم ينجبهما،
كبرا لحظة بعد لحظة، وكان حاضرا معهما.. في فرحهما.. في حزنهما.. في آلامهما.. في كل شيء.لا يخطوان خطوة واحدة إلا ويأتيان إليه، وسعادة تطل من عينيهما ليستشيراه:
- ما رأيك يا أبا الأحباب.
هكذا لقبوه في القرية: أبو الأحباب.
اعترافا منهم بحبه للقرية وكل مافيها، يعشق كل ذرة من ترابها، يود لو أن يراها كأعظم مدينة في العالم.
وأحيانا أخرى كانوا ينادونه بأبي المعارف.
قال أحدهم عليه ذات يوم: يضع كل كتب مكتبته في رأسه.
وكم كانت فرحته بهما كبيرة باتساع بحر، حينما جاءاه بالخبر:
- نجحنا..لم يلتفت أو يبتسم إلا بعد أن قالا:
- وبمجموع كلية الطب!
- ياه.. أخيرا!
شهق بها، نطقها قلبه، قبل أن تضع حروفها على لسانه. ذرفت من عينيّه الدموع بغزارة.. لم يستطع إيقاف جريانها.. تركها؛ لتروي جفاف هذه القرية البائسة، التي طالما بخلت بأكثر من الشهادة الثانوية الصناعية أو الزراعية.
أخذهما في حضنه. طار معهما في الأحلام والأمنيات السعيدة. حلقوا عاليا وطافوا عبر الأزمنة والأمكنة.
انتشى بفرحة كفرحة أم عاد إليها وحيدها بعد فقد الأمل في عودته. كفرحة قرية تزينت، وتبهرجت، ودوت في أجواء سمائها طلقات النيران إحتفاء. فرحة عرفها في كل الوجوه المتعبة، التي كان يقابلها في الحقول الذابلة، العطشى.
سهر معهما لليلتين، لينسقوا الملفين بعناية واهتمام رجاء في أن تكون الكلية واحدة.
كأن أبواب السماء كانت مفتوحة لدعوته بعد صلاة الفجر. جاء الخبر بالتحاقهما بكلية طب القصر العيني.قال منتشيا:
- هل يمكن أن تأتي هكذا الأفراح تباعا؟!
هل باتت تتدفق علي كتدفق ماء نهر عذب؟!
رغم ذلك، كان يراوده قلق مبهم يطرده بسرعة حتى لا يستقر قي قلبه وعقله! وهو يردد مع نفسه:
- لم لا؟ وهل أصبحت الفرحة عزيزة علينا في هذه القرية؟
كان يوم سفرهما بمثابة خروج الروح من جسده.قال لهما:
- أشعر بأن روحي ستسافر معكما.
لمعت الدموع في عينيهما،وقالا:
- فراقك صعب يا أبا الأحباب!
- فراقكما أصعب! لكن عزائي أن تبقيا معا، لا يفرقكما شيء، ولا يباعد بينكما أي سبب.
ضحكا، وقال علي:
- لن يفرقنا إلا الموت.
أوصاهما:
- حافظا على تفوقكما، ولا تغرقا في بحور أضواء العاصمة المتلألئة.
سافرا، وأرسلا رسالة له فور وصولهما:
- "سكنا في حجرة واحدة بالمدينة الجامعية."
كان مدد أخبارهما لا ينقطع عنه للحظة واحدة، يظل يحادثهما لأكثر من ساعة يوميا، وقلبه ينز ألما لبعدهما عنه.
مضت ست سنوات كلحظة خاطفة، ونجاحهما ينمو ويكبر مع كبر أحلامهما.
كان كل شيء في القرية يمضي هادئا هدوءا غير معتاد، كهدوء يسبق العاصفة.كغيمة صيف بيضاء في سماء صافية، سرعان ما يدكن لونها، ويعقبها برق ورعد يخشوه في القرية كخشية الموت.
أتاه الخبر بشجار طفلين من عائلتي علي وإبراهيم، أعقبه معركة دامية سقط فيها أبو علي مضرجا في دمائه.
أصبح كل شيء بعدها كبحر هائج، يتلاعب بسفينة، ويأبى أن لا يترك طوق نجاة لأحد فيها.
ولولت أم علي، وانتحبت طويلا.
ارتدت ثيابها السود، ثم جمعت أولادها دون علي. قالت بلهجة آمرة بعد هروب القاتل:
- أبوكم ثمنه غال.
نظروا إليها بقلق، وعيون مرتجفة.. بحزم قررت:
- سنأخذ أفضل من في عائلتهم.
رحلت العصافير بعيدا، وحلقت بدلا منها غربان أخذت تنعق.
شعر علي بثمة أمر يحاك خلف الأبواب المغلقة. أخبر أبا الأحباب بالهمسات التي تدور من وراء ظهره.
استدرج أحد إخوته، فأخبره بقرار أمه. سقط عليه كسقوط كتلة لهب.
ارتمى علي في حضن أمه، وحاول إثناءها.. توسل إليها. كانت كفورة بركان في قمة جبل.نهرته وحذرته.خيرته بين أمرين كلاهما يذبحه:
- إما أنا أو هو.
وإياك أن تخبر أحد.. حتى أبي الأحباب، وإلا خسرتني حتى الموت!
أصبح كطائر ذبيح يتقلب من الألم.قال له أبو الأحباب:
- أشعر بأنك لأول مرة في حياتك تخفي عني شيئا.
لم يجبه. سافر، وافترق عن إبراهيم دون إبداء أية أسباب. حاول معه إبراهيم دون فائدة.
هاتف إبراهيم أبا الأحباب، وقال:
- لا أعرف لم فارقني.
شعر أبو الأحباب بالحزن يتدافع إلى قلبه كموج بحر، جعله كالرهينة بين يديه يتلاعب به كيفما يشاء. حرك كل رواكد عقله، وهاتف يهمس في أذنه: " هل سقط علي في الشرك؟ وهدّ في لحظة واحدة كل ما بنيته معهما. هدّ أحلام قرية جديدة كنا ننتظرها.
تأكد بأن علي يخفي في صدره أمر ما، وقال لإبراهيم:
- اهدأ، واتركه حتى تنسيه الأيام، ففراق أبوه صعب.. سيعود إليك.. أبدا لن يستطيع فراقك.
مضت الأيام علي أبي الأحباب مر طعم دورانها، ترزح كسنون رماح فوق صدره.. تدميه، وتتركه يبكي، ثم يلهج بعدها بالدعاء ليفرج كربهما، وكرب قرية بأكملها، ملت الشقاء والبكاء.
هاتفه إبراهيم ثانية، وأخبره بعودته، وقال له بحزن:
- لأول مرة منذ سفرنا سأعود وحيدا!
ركب القطار، وجلس في مقعده. أخذ يرنو إلى أديم القطار بألم ووجع.تلفت يمينا، فلم يجد جواره علي.
زاد ألمه ووجعه، ولاحت في عينيه دمعات.أغمض عينيه، وحاول أن ينام. بوغت بلمس أصابع فوق كتفه. ارتعد جسده، وفتح عينيه بهلع. تفاجأ بصديقه علي، فصرخ بصوت عال لفت انتباه كل ركاب العربة:
- علي!
أضاف:
- ما الذي جاء بك؟!
ارتمى علي في حضنه، وقال له بصوت يختلط بالبكاء:
- لن أتركك تركب القطار وحيدا!
قال إبراهيم:
- ولكنك تركتني وحيدا.
دفن علي رأسه في صدر إبراهيم، وقال معتذرا:
- سامحني!
دام عناقهما طويلا، ثم جلسا بعدها وتحدثا.لحظتها كان صراع عنيف يدور في عقل علي يدفعه إلى الجنون، تهمس أعماقه:
- "أخبره" " لا أخبره".
استقر أخيرا، وقص عليه كل ماجرى.
فغر إبراهيم فاه مندهشا، لايصدق ما سمع، قال صارخا:
- ما ذنبي أنا في قتل والدك! هو بمثابة أبي كما تعلم.
ظل السؤال عالقا بلا إجابة.
اتفق معه علي في أن يأخذه معه إلى أمه. قال له:
- هي تحبك كما تعلم، وتعتبرك مثلي تماما.. لا بد أن قلبها سيلين عندما تراك.
لم ينتظرا. بلهفة أرسلا رسالة إلى أبي الأحباب.قرأها أبو الأحباب، وهو غير مصدق لنفسه.
- "انتظرنا في ذات المكان عند الساعة الثامنة مساء ".
رقص قلبه من الفرحة. مضت الساعات عليه ببطيء شديد، وكأن عقاربها تخشى الدوران. مضت الساعات حتى لاح له وجه القطار، وسمع صفارته.
تأهب بفرحة لاستقبالهما؛ لاستقبال الحلم الذي ولد من جديد
.لم يكن وحده في استقبالهما، كان هناك آخر ينتظر باهتمام. كان أخو علي.. ينتظر نزول إبراهيم.
تسلل كذئب في الظلام،و اختبأ بين الأشجار. انتظر نزوله بعيون مترقبة مفتوحة عن آخرهما. كانت المسافة قريبة، غير أن ضوء اللمبة المتهالك، أعاق الرؤية بوضوح. انتظر نزوله، ثم أطلق رصاصته بلا هوادة ودون انتظار بمجرد رؤية شبح جسده.
تراءى له سقوط مكفنا في قميصه وبنطاله. غير أن الشبح كان شبحين؛ فأطلق عواء مذعورا. لحظتها وقف أبو الأحباب مكانه، تسمر جسده كتمثال. كانت عيناه علي قدر اتساعهما تنظران إلى الجسدين المسجيين أمامه وقد اختلطت دماؤهما. رأى علي يرنو إلى إبراهيم نظرة الوداع. سمعه ينطق كلماته الأخيرة، التي كانت يقينا في رأس أبي الأحباب الجامد قد هدمت كل الأحلام والأمنيات؛ لتبقي القرية ترفل في سوادها إلي أبعد نهاية. سمعه وقد أطلق أنته الأخيرة لصديقه:
- ألم أقل لك بأني لن أتركك تركب القطار وحيدا!
تعليق