فـُتحة / محمد فطومي

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محمد فطومي
    رئيس ملتقى فرعي
    • 05-06-2010
    • 2433

    فـُتحة / محمد فطومي

    فـُـتحة



    لا تخرج من بيتها لقضاء شأن بالحيّ إلاّ و ابنتها ذات السّنوات الثّلاث برفقتها اليد في اليد. لا يذكر متى رآها لأوّل مرّة. كانت كلّما مرّت بمحاذاته أولته اهتماما لا اسم له، خاصّا و كفى، خاصّا.. في جرأة تلميح خجول. تحيّيه أحيانا بنبرة دافئة. أحيانا أخرى كانت تمرّ دون أن تنبس بكلمة. تفتنه سمرتها و ملامحها الرّيفيّة الحزينة. ترمقه بنظرات مفعمة بالخواطر، تترك في نفسه وقعا لم يتقدّم في ذهنه قيد خطوة نحو تأويل أعمق، أثرا واحد لا يتغيّر، رغم زخم الصّدف التي يتقاطع فيها مسيرهما في الطّريق؛ هي تنصفه..هكذا قرّر. شعور يبعث فيه القوّة، تصاحبه صورة من وحي خياله يظهر له فيها عالم نفس يتحدّث بثقة في مضيّها نحو سخرية بلا شوائب، عن ميل المرء الغريزيّ لتصميم كلّ إحساس يفتقد إليه بشدّة، من العدم غالبا.
    اعتاد الجلوس على إحدى درجات سلّمه المُفضي إلى الشّارع مباشرة، ليدخّن. بالتّحديد الدّرجة التي تسمح له بمراقبة المارّة عبر فتحة فوق الباب. شريط ضوئيّ طويل و عريض، لا يبدو له كشاشة أو كعينين كبيرتين، كانت الفتحة في نظره حاجبين عفويّين من ضوء.

    كان إذا انتهى من سيجارته صعد بقيّة السلّم و دخل بيته، مُصفّقا الباب برفق. يخالجه شعور بأنّه ملاكم انقضت فترة استراحته و أنّ عليه الآن خوض جولة أخرى مع الضّجر.

    اتّخذ مكانه. أشعل سيجارة. يسلّيه أنّ أحدا من المارّة لا ينتبه إلى وجوده. عند منتصف السّيجارة مرّت من أمامه. التفتت ناحيته. اصطدمت عيناهما وسط غمرة دخانه. حوّلت بصرها بطريقتها التي تسحره و تجعل منها في نظره أكثر نساء العالم أحقّيّة بصفة أنثى؛ أن تُقطِّع استدارة بصرها قبل أن تحطّ أخيرا فوق موطىء قدميها، إلى لمحات خاطفة كالوثب دون الإمعان في شيء مُحدّد.
    يصدّق يقينا أنّ الصّدفة هي التي غرّرت بها و جعلتها ترمقه بتلك النّظرات المرتبكة غير الجاهزة.

    فكّر: " سأرقبها حتّى تعود، إن عاودت الالتفات ، فهذا يعني أنّها تُحسّ بي كما تُحسّ امرأة برجل يعنيها."
    فكّرت : " أتراه إن أتمّ سيجارته ظلّ ينتظر عودتي. مؤكّد أنّ دخانه هو الذي يجبره على الجلوس هناك. لا شيء يستحقّ.. إن فعل فهذا يعني أنّه يحسّ بي كما ينبغي أن يعتني رجل بامرأة."

    زوجته لا تكترث لغيابه. في صورة الزّفاف المُخبّأة في خزانة الملابس يبدو سعيدا، أمّا هي فباستطاعة أيّ كان أن يقرأ على ملامحها علامات الرّضوخ إلى سنّة الحياة. اجتماعهما في الفراش أصبح في نظرها قرفا موسميّا. ما من إحساس جانبيّ يتخلّله. دعاباته التي يلقيها على مسامعها كلّما تقاطعا في أحد أروقة البيت الضيّقة، على سبيل شحن الجوّ العائليّ بالحرارة الضّروريّة لنشأة نفسيّة متّزنة للأولاد، تقابلها هي بعبارات جادّة من قبيل : " لا أحد بإمكانه أن يدفع الموت إذا حضره.." أو " الواجب هو الواجب"...

    انتهت المرأة من مُشترياتها..
    زوجها في المقهى. يعشق الكلام في السّياسة مع أصحابه. كلام فيه مواقف و حلول يتبارون في تعديدها. خطب صغيرة، ساخنة، مُفعمة بالغيرة على مصلحة الوطن. غالبا ما تجعلُ المُستجِدّاتُ الواحدَ منهم يتمنّى لو أنّ الآخرين قد نسوا ما قاله بالأمس في استباقها..ألغى كلّ ما يمكن أن يُؤاخذ عليه الرّجال: الخبز و التّخلّص من القمامة..بقي أن تسيل الحياة بهدوء..و ذاك دورها.

    شارفت الشّعلة على التهام كلّ التّبغ الذي في اللّفافة.

    فكّر: " لا أجهل...أيّ مأزق!"
    فكّرت :" أعرف...أيّ مأزق!"

    لنا الثّرثرة و للدّنيا الخلاصة..موسيقى عذبة تملأ الهواء، يشعر أنّه يتنفّسها..لامست مكانا سرّيا في قرارتها..

    لن تمرّ المرأة من أمام الرّجل الذي لن يكون بانتظارها.


    ***
    مدوّنة

    فلكُ القصّة القصيرة
  • آسيا رحاحليه
    أديب وكاتب
    • 08-09-2009
    • 7182

    #2
    ربما هي لن تمر و هو لن يكون بانتظارها
    لأنّهما سيكونان معا .. في مكان ما ..
    بعيدا عن الزوجة " الواجب " و الزوج الثرثار ..
    أحب أسلوبك في القصة
    يذكّرني ببعض الترجمات للقصص الغربية التي قرأت
    جملة النهاية شاغبتني
    جعلتني أقرأ النص مرة ثانية
    هذا ذكاء في الكتابة يحسب لك..
    تقديري و كل الود ..
    يظن الناس بي خيرا و إنّي
    لشرّ الناس إن لم تعف عنّي

    تعليق

    • حسن لختام
      أديب وكاتب
      • 26-08-2011
      • 2603

      #3
      سرد تصويري شيّق، يصوّر الصراع والتمزق النفسي الذي تعيشه الشخصيتين الرئيستين في النص..
      الرجل الذي لاتكثرت لغيابه زوجته، بل حياته صارت معها جحيما لايطاق، والمرأة (الحزينة) التي لايهتم بها زوجها، ويقضي معظم وقته في المقهى رفقة أصحابه.. أما نهاية النص فجاءت مفتوحة على عدّة تأويلات...
      شكرا لك، صديقي وأستاذي محمد فطومي على متعة القراءة
      محبتي الخالصة

      تعليق

      • عائده محمد نادر
        عضو الملتقى
        • 18-10-2008
        • 12843

        #4
        الزميل القدير
        محمد فطومي
        بحنكة ودراية تعرف كيف تأخذنا إلى عالم قصط الجميل
        لك خيال يجبرنا أن ندخل تلافيف أروقته كي نستخلص الزبدة
        قصة يسكنها الشجن ويتخلل سطورها
        أحببت ومضة حاجبين من الدخان
        ودائما نقرأ لك لأنك لا تقول أي شيء
        تحياتي ومحبتي
        الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

        تعليق

        • حارس الصغير
          أديب وكاتب
          • 13-01-2013
          • 681

          #5
          سأقرأ النص من وجهة نظري، كما رأته ذاكرتي...
          نص فلسفي بامتياز(أعشق مثل تلك النصوص).
          من ناحيتي وارضاء لذائقتي؛ هو أجمل ما قرأت لك، وهو نص في صدارة ما قرأت مؤخرا.
          يحتوي النص على فكرة مبتكرة: شخصيتان رئيسيتان.
          ربما كانت شخصية الزوجة الأخري شخصية رئيسية بالدرجة الثانية لابراز فلسفة النص، وفكرته.
          يبرز الحدث، ويظهر باطنه، ونقطة الصراع في الجملة التالية:
          "تصاحبه صورة من وحي خياله يظهر له فيها عالم نفس يتحدّث بثقة في مضيّها نحو سخرية بلا شوائب، عن ميل المرء الغريزيّ لتصميم كلّ إحساس يفتقد إليه بشدّة، من العدم غالبا".
          إذن الزوج يبحث عن صورة أخرى غير التي يراها في بيته.. في زوجته التي يجد معها سوي ما يجده المصارع:

          "كان إذا انتهى من سيجارته صعد بقيّة السلّم و دخل بيته، مُصفّقا الباب برفق. يخالجه شعور بأنّه ملاكم انقضت فترة استراحته و أنّ عليه الآن خوض جولة أخرى مع الضّجر".
          يبقي للزوجة الأخري نفس ما وقع في عقل الرجل، فهي أيضا تبحث عن الزوج، الذي لاهم له سوى جلسات المقهى:

          انتهت المرأة من مُشترياتها..
          زوجها في المقهى. يعشق الكلام في السّياسة مع أصحابه. كلام فيه مواقف و حلول يتبارون في تعديدها. خطب صغيرة، ساخنة، مُفعمة بالغيرة على مصلحة الوطن. غالبا ما تجعلُ المُستجِدّاتُ الواحدَ منهم يتمنّى لو أنّ الآخرين قد نسوا ما قاله بالأمس في استباقها..ألغى كلّ ما يمكن أن يُؤاخذ عليه الرّجال: الخبز و التّخلّص من القمامة..بقي أن تسيل الحياة بهدوء..و ذاك دورها.
          وننتهي إلى السؤال الأهم: هل بالفعل كانت هناك نظرات متبادلة توليه لها الزوجة الأخرى؟
          هذا ما تجيبه الجملة التالية:

          لن تمرّ المرأة من أمام الرّجل الذي لن يكون بانتظارها.
          هذه قراءة خاصة بي .. بي فقط.
          وأنتهز الفرصة لأستأذن الصديق محمد فطومي في أن أحتفظ بالنص.
          تحية كبيرة لك
          أخي المبدع الرائع صاحب الكلمة
          محمد فطومي




          التعديل الأخير تم بواسطة حارس الصغير; الساعة 17-10-2013, 15:02.

          تعليق

          • محمد فطومي
            رئيس ملتقى فرعي
            • 05-06-2010
            • 2433

            #6

            خطر لي آسيا، و أن أقرأ عبارتك:
            لأنّهما سيكونان معا .. في مكان ما ..
            درويش حين يقول : مازلتُ حيّا في مكان ما..
            يُصمّم الكاتب كيف ينبغي أن يضع النّقطة الأخيرة في النصّ، يقرأ ألف حساب لتلك النّقطة لا لأنّها تحمل مفارقة أو صدمة أو ما إليه من انعطاف حادّ لتوقّعات المتلقّي ، بل لأنّها تُمثّل تجربته و تُمثّل النصّ، بل أكثر أعتقد أنّ الانعطاف الذي من الممكن أن يحدث، إنّما بجودة النصّ من عدمها و لا شيء آخر، بقي أنّ الكاتب و إن كان هو من يُصمّم النّقطة الأخيرة، لا يملك القدرة على حصر المعاني التي من شأنها أن تنبجس بعد انتهاء المتلقّي من القراءة.
            هنا أبهرتني مرّة أخرى آسيا المبدعة و القارءة الفريدة من نوعها باختياراتك للرّموز.
            كانت لي الثّرثرة إذن و كانت لك الخلاصة بامتياز. استمتعتُ و أنا أتدبّر معك بؤرة الضّوء من تلك الزاوية.
            مودّتي و ألف شكر لك.

            مدوّنة

            فلكُ القصّة القصيرة

            تعليق

            • محمد فطومي
              رئيس ملتقى فرعي
              • 05-06-2010
              • 2433

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة حسن لختام مشاهدة المشاركة
              سرد تصويري شيّق، يصوّر الصراع والتمزق النفسي الذي تعيشه الشخصيتين الرئيستين في النص..
              الرجل الذي لاتكثرت لغيابه زوجته، بل حياته صارت معها جحيما لايثاق، والمرأة (الحزينة) التي لايهتم بها زوجها، ويقضي معظم وقته في المقهى رفقة أصحابه.. أما نهاية النص فجاءت مفتوحة على عدّة تأويلات...
              شكرا لك، صديقي وأستاذي محمد فطومي على متعة القراءة
              محبتي الخالصة

              الصّديق الأديب حسن لختام،
              أشكر لك متابعتك و قربك،
              تجلّت فلسفتك الانسانيّة العميقة فيما قرأت.
              مودّتي و احترامي الكبير.
              مدوّنة

              فلكُ القصّة القصيرة

              تعليق

              • محمد فطومي
                رئيس ملتقى فرعي
                • 05-06-2010
                • 2433

                #8
                المشاركة الأصلية بواسطة عائده محمد نادر مشاهدة المشاركة
                الزميل القدير
                محمد فطومي
                بحنكة ودراية تعرف كيف تأخذنا إلى عالم قصط الجميل
                لك خيال يجبرنا أن ندخل تلافيف أروقته كي نستخلص الزبدة
                قصة يسكنها الشجن ويتخلل سطورها
                أحببت ومضة حاجبين من الدخان
                ودائما نقرأ لك لأنك لا تقول أي شيء
                تحياتي ومحبتي

                دمتِ الشّجرة التي نستظل تحتها أستاذة عائدة،
                بكلّ الأخوّة و المودّة أشكرك على فيض اهتمامك .
                مدوّنة

                فلكُ القصّة القصيرة

                تعليق

                • محمد فطومي
                  رئيس ملتقى فرعي
                  • 05-06-2010
                  • 2433

                  #9
                  أخي و صديقي حارس الصّغير،
                  دمت متألّقا دائما،
                  أينما ابتعد المعنى فوثاقه عندك ما دمت تُسلّط الإنسانيّ على ما يُفترض أنّه كُتب لأجلها.
                  أحسنت أخي استمتعتُ معك بالرحلة النقديّة.
                  محبّتي الخالصة.
                  مدوّنة

                  فلكُ القصّة القصيرة

                  تعليق

                  • بسمة الصيادي
                    مشرفة ملتقى القصة
                    • 09-02-2010
                    • 3185

                    #10
                    الحكاية تبدأ من صورة الزفاف
                    هو .. رجل ورث معنى الرجولة من مجتمعه .. شربه مع فنجان الشاي .. حفظه مع حديث السياسة
                    هي كانت تسلم نفسها للقدر .. تمشي على خطى والدتها وجدتها .. تؤدي دورها كامرأة في مجتمع شرقيّ
                    لن يقلبها عانسا .. ولا خائنة .. ربما قبلها فقط ..صامتةً !
                    ولأن ذلك المنتظر على درجات السلم كان صامتا، ولم يطلب منها أكثر من حديث داخليّ مع ذاتها ..
                    كانت الفكرة تستحق التأمل .. والتفكير العميق ...
                    وربما كان إسقاطا .. صورة تشكلت من فتات الفراغ .. ومن هواء المشاعر الباردة
                    فلا أدري إن كانا هناك حقا ... أم أن الدخان هو كل الحكاية!
                    كنت بارعا لدرحة صنعت كل هذه الحيرة .. والدهشة أيضا!

                    ذكرتني صديقي بتلك الشبابيك التي تشبه الصناديق .. المليئة بالثقوب والفتحات ...
                    ولكل فتحة قصة ... كل فتحة هي ثغرة ... وكم كثيرة هي الثغرات صديقي!
                    قد تمتزج بالحلم .. بالرغبة .. بالوهم .. أو ربما الدخان فقط ..!
                    رائع وأكثر
                    كم أحب الغوص معك في أعماق الروح .. والوجود
                    كل التقدير
                    في انتظار ..هدية من السماء!!

                    تعليق

                    • بسباس عبدالرزاق
                      أديب وكاتب
                      • 01-09-2012
                      • 2008

                      #11
                      هل أقول قرأت القصة أم تنفستها

                      القصة جميلة

                      رائعة بكل المقاييس

                      و الخاتمة فتحت بال التأويل على مصراعيه
                      القفلة تصر على القارئ على العودة للدخول في النص


                      الأستاذ محمد فطومي نص جميل أعاد إلي متعة قراءة القص من جديد


                      تقديري و محبتي
                      التعديل الأخير تم بواسطة بسباس عبدالرزاق; الساعة 20-10-2013, 21:07.
                      السؤال مصباح عنيد
                      لذلك أقرأ ليلا .. حتى أرى الأزقة بكلابها وقمامتها

                      تعليق

                      يعمل...
                      X