على رسلك إيزابيلا
هبت رياح الماضي، فعرتها هزة ورعشة، وكادت شُعبة من مهجتها تقع ..خنقتها العبرات والزفرات فبكت بكاء غزيرا، وتوقدت على أحشائها حرقة شديدة، حُزنا على نفسها، وما آلت إليه لاحقاً، مرضت وضنيت حتى سالت نفسها، وصارت قطع وأشلاء، تبحث عن الأمان في زمن الفوضى والشتات ..على رسلك إيزابيلا ..؟ فلا أقل من أن تدعي دمعك يسحُ غزيرا، عسى أن يُجرف معه الأشواك والغصص التي نبتت في حياتك،وحفرت أخاديد عميقة ، نشبت في أعماقك البريئة .. أعوام قليلة مضت كحلم ليلة أمس، تمكنت خلالها من اللحاق بركب هارفورد، عن طريق منحة تفوق ،وتزكية من مُدراء الملجأ الذي عشت في كنفه أعوام عديدة، وعلى الرغم من إعاقتك الشديدة، لم يثنيك ذلك عن إتمام الدراسة في هارفورد .وأظهرت موهبة غير عادية في التحصيل العلمى، وكذلك في صنع الحلوى والفطائر ،تركت عملك كمحامية بعد إتمام الدراسة ،وعمدت إلى شراء مخزن مهجور، ومرآب قديم ، بما تدخريه من أموال ومعونات سكان الحي، ثم بعد ذلك تم تحويل المرأب القديم -والذي كان يسمى قديماً "إستراحة جوان" -إلى مطعم ترفيهي يقدم الوجبات السريعة اللذيذه ، وسرعان ما اكتسب شهرة وذاع صيته لاسيما عند قدوم أعياد الكريسماس، والمهرجانات الترفيهية التي تقام سنوياً لإعداد أشهى الحلوى والفطائر ، ثم تمكنت من تحقيق الفوز للعام الثالث على التوالي مما دفع المتبارين لتوجيه الإتهامات الساخرة :إيزابيلا ساحرة تُلقي تعويذتها أثناء إعداد المقادير ،مما دفع أحدهم إلى إطلاق دعاية ساخرة من أجل دعم النشاط السياحي في المدينة عن طريق لافتة عملاقة : "عند زيارتك للمدينة، توخ الحذر من حلوى وفطائر إيزابيلا، فقد تصير في عداد المفقودين "معللاً ذلك بأن من يذهب هناك لا يبرحُ حتى يصاب بالدوار والتخمة ،جراء نكهتها الشهية، وطعمها اللذيذ،فيسكر من شدة حلاوتها، ويضل طريق العودة إلى المنزل .كانت إيزابيلا محط أنظار واعجاب البلدة بأسرها، فأحيانا يطلق عليها عمدة المدينة "جراموث براسفورث" الفتاة المثالية، وتارة الأبنة البارة ، المدينة كانت سعيدة بتلك الفتاة التي جذبت معها كل معاني الحب والسلام ، فاستحالت المدينة درة فريدة ترفل في فيافي الرخاء والأزدهار، ولم تخلو جعبتها من مستودع المواهب ،لاسيما عندما كانت تصدح بصوتها الشجي، فتتألق ليالي المدينة ،وتزهو بصوتها الندي الساحر الذي يأسر بالقلوب والألباب.. لاسيما عندما تشدو بالترانيم المقدسة، فيصدح صوتها بألحان بالغة العذوبة والجمال .. المدينة بأسرها كانت تعشقُ إيزابيلا ، إلا شخصاً واحداً..! الوافد الجديد المنحدر من أقصى الشمال "جوركا اليهودي" هكذا يطلقون عليه "جوركا نيثان نيلبي " الملياردير اليهودي الثري الذي أنفق الأموال ببذخ وإسراف، فنهم الدور والمباني العتيقة من أجل هدمها وإنشاء سلسلة من الحانات، وبارات للخمر،ونوادي القمار والتعري، من أجل تهويد التراث الثقافي والأخلاقي ، وتغيير المسحة التراثية والثقافية داخل المدينة بحجة معاصرة الحداثة والعصرية وكل ذلك من أجل تكريس نوازع الإنحلال والفوضى ..لكن إيزابيلا أبت ورفضت كل العروض المغرية التي قدمها " جوركا المُخنث "فهي ترى أنها لاتملك المطعم وحدها بل هناك رجال ونساء وأطفال شركاء في ذلك الصرح القائم على معاني سامية مستمدة من جوهر الدستور الأمريكي الذي يدعو إلى الشراكة والوحدة ،وهي مباديء تتخطى في جوهرها حدود المادة ومعادلات السوق والمال ..حيث كانت الرأسمالية بكل صورها الفجة ُ ممثلة في "جوركا " والتي لا تعرف معانى الرحمة، في نزاع شائك مع روح الإنسانية الفاضلة والممثلة في صورة " اليزابيث".حاول جوركا اليهودى ترويعها بشتى السبل، وإثنائها عن التمسك باستراحة" جوان" فهو يرى أن إستراحة "جوان "التي تملكها إيزابيلا تتحكم في مساحة كبيرة من الأراضي حيث أن جميع الخدمات سواء الطاقة أو التزود بالوقود ،شبكات المحمول ...تتمركز في منطقة نائية بجوار استراحة" جوان" وهى منطقة صغيرة تختصر الوقت والمسافة للعابرين ، لذلك هي شريان الحياة للمدينة وخاصة المنطقة التي يسيل لها لعاب " جوركا " ،وتفصل بين الشمال والجنوب لذا لن يستطيع إقامة جسور عابرة لربط المدن إلا بالقضاء على الخدمات الحياتية للمدينة، واجبار أصحاب المنازل القريبة من الاستراحة على التخلى عنها .. لذا فالمشروع مهدد بالفشل، ولن يمكنه من السيطرة على المدينة، وإحكام قبضته عليها إلا بإزاحة إيزابيلا عن طريقه ..فعمد إلى إستئجار مرتزقة ولصوص لتركيعها عن طريق إيذاء صديقاتها والتحرش بهن وتحطيم النوافذ وترويع الزائرين ، لكن السكان وقفوا بجانبها وما إن علم عمدة المدينة حتى توعد جوركا المخنث وعزم على طرده من المدينة .. فاستشاط "جوركا "غضباً وجمع كتيبة من المرتزقة وأمرهم بإحراق بناية "جوان" ..لكن إيزابيلا تصدت لهم وخرج معها عمال المطعم كلاً يحمل سكينة ،مطرقة ومقعد ..ِأشارت لهم إيزابيلا أن يتوقفوا وقالت للمعتدين كلمات رقيقة وجدت طريقها إلى قلوبهم: لماذا تحملون العنف داخلكم ..وقد خلقنا القدير سواء ومنحنا الحب والسلام والأمل لنرحم بعضنا ونعطف على الأخر ،ثم أشارت لأحدهم وهو يحمل سلاح ناري : أخفض هذا السلاح !! لست أنت حقاً الذي يفعل ذلك، إن وجهك مليء بالبراءة والنقاء تذكرني بأبي الذي لم أراه وأشارت إلى أخر ،وأنت مثل أخي الذي احتجته يوما ما لابد أنكم جائعين تعالوا، لدينا الكثير من الحلوى الفطائر، ستروق لكم..تأثروا كثيراً برقتها وكرمها الباذخ وشعروا بالندم
..فأجهش بعضهم بالبكاء، وأغرورقت أعينهم بالدموع ،ورأت إيزابيلا خلفها حشد كبير من أهل البلدة كلاً يحمل سلاح مما تسنى له بنادق ، فؤوس ،خناجر ، اواني طهي ...شعر المرتزقة بالخجل وتصافحوا مع سكان المدينة وطلبوا من إيزابيلا أن تمنحهم العفو والصفح .. ثم قاموا بمطاردة "جوركا" اليهودي الذي وقف مذهولاً من صنيع إيزابيلا التى تمكنت من آسر قلوبهم وتغيير عقيدة الإجرام في نفوسهم وكل ذلك تم في ثوان معدودة.. هرع جوركا في الصباح إلى عمدة المدينة يطلب المساعده في حمايته من الغضب الذي أوقده في قلوب السكان.. أكفهر وجه العمدة لرؤية "جوركا" وأغلظ له القول: لتنصت جيداً أيها اليهودي التعس لاتتعرض لتلك الفتاة ثانية فقد بلغني ما أغضبني، وسأحرص على حمايتها ما في وسعي .. عليك أن تغادر المدينة اليوم.. قال "جوركا" : لقد وقفت جماعتنا معك وساندتك في الوصول لهذا المنصب ،ومن ثما يتعين عليك مساعدتنا، كظم العمدة غيظه وعض على شفتيه :بئس القوم أنتم أيها الأشقياء لن تتغيروا ..سيسعدني أن أصدر قراراً بإعتقالك حتى تتعفن في السجن ..أغرب عن وجهي !! .في اليوم التالي عمد جوركا إلى عرافة يهودية يطلب مشورتها فأوقدت النيران ونثرت عشب البار، وتمتمت ببضع كلمات سحرية بلغات عديده سريانية ,عبرانية ...ثم قالت بعد أن تصببت عرقاً : من الحب ماقتل ياعزيزي !! ..فطن جوركا لما أرسلته العجوز من كلمات تحمل معنى خبيث ،فندت منه إبتسامة ظفر وأطلق وصلة من الضحك الساخر : معك حق ، عم قريب سأُسيطر على المدينة ..كثيراً ماكانت تؤرق إيزابيلا تلك الكلمات الرقيقة خاصة عندما تصدر في منتصف حديث مع صديقاتها ..ألن تتزوجي بعد ؟.هل سُتخلدين مثل الراهبات ..ألا تتشوقين لحمل طفل ،ستكونين أماً عظيمة يوماً ما ..لم يدور بخلدها وهي تفض جدائلها وتلحظ إلى المرآة ،أن الأقدار تعدُ لها شي ما في جعبتها . ذهبت إيزابيلا إلى الشاطيء برفقة صديقاتها في العطلة السنوية إلى المصطاف .. وأثناء وقوفها تحت المظلة تتمتع برفقة الشمس الصباحية ، وهي في ثوبها المهفهف الشفاف نائمة في مطالع الضياء، مرسلة ظلها على صفحة الأفق الضارب في مرافيء السماء .إصطدمت بها تلك الكرة فانسلت نظارتها وسقطت في الرمال ،وما كادت تلتقطها حتى سارعت أنامل رقيقة بجذبها وإزالة الرمال عنها ، أعتذر الفتى في قنوت وأظهر ادباً جم وشرع يطلب العفو والرحمة .شغف بها وعشق منها العذوبة والرقة ،وعشقت منه الجرأة وصبابته المغرية، وظله المكتنز بالشباب والحيوية ، ورقته المتناهية ، وحديثه الأسر، وفي يوم كانت بصحبة رفيقاتها لزيارة مشفى العجائز وتقديم الفطائر
تصنع إبتسامه باهته وهنأ إيزابيلا ساخراً : زفاف سعيد .. جئت لأفتح صفحة جديدة مع الجميع مما أثار حالة من الغيظ والغضب بين الناس وكادوا أن يفتكوا به ..كونوا بخير ثم غادر.مضت الساعات ولم يأتي" بول"،وبدا عليها القلق والخوف مما هو آت راودتها شكوك وتساؤلات هل تخلى عنها ؟ اعتذرت للحضور وباركت مجيئهم ..في صباح اليوم التالي وجدت رسالة فحواها ..لن أستطيع أن احضر ..هناك ما هو أهم سامحيني ..القلق بدأ يدب ويتسور إلى أسوار فؤادها.. في اليوم التالي حضر اليهودي جوركا مُلتحفاً بأردية الحزن والألم ، والدموع تنهمر من مقلتيه وبصوت ممزوج بالحسرة :كنت أعلم حقيقة الخائن ،وأدرك سجيته الفاسده.. لكني لم أشأ أن افسد فرحتك.. سحقاً لي.. إنه شاب لئيم غدر بفتيات بريئات كثيرات ..اللئيم يتصنع الكيوبيد وسرعان ما يلتهم المرأة مثل الذئب شخص مستبد ..كائن سيء السمعة ..أناني لايعرف الرحمة.. إنهارت إيزابيلا ونهرته :حسبك وإياك أن تتحدث عنه هكذا ..كظم اليهودي غيظه وحدج إليها ، وعاد يبتسم مثل الشيطان :اذهبي إلى ذلك المكان، ودس في راحة يدها ورقة صغيرة .. ستعلمين كل شيء.. اندفعت هائمة بسيارتها تنهب الطرق وتبلع المدن .. لم تنتظر المصعد ،توكأت على عكازها طرقت الباب وكادت أن تهشمه ،فكان الخبر والصدمة.. إمرأة وأطفال... غادرت المنتزل بعدما كاد يغشي عليها .. وقف مذهولاً أمامها بيده حقيبتين ..حاول ملاحقتها ..تعثرت أثناء خروجها ،إصطدمت بجدران السلم فقدت وعيها .
استفاقت وظلال رابضة تراقب حركاتها وسكونها ، حاول الفتى أن يبرر ويفسر.. شرع يُقسم بأغلظ الإيمان : اليهودي جوركا عقد معي صفقة .. أغوائك بالعاطفة ثم التخلي عنك مقابل شراء ديوني وإنقاذي من السجن والإفلاس.. إنني أثم ..سامحينني ..تنهدت تنهيدة حارة لفحت خديها الأسيلين دموع حارة. مسحت عينيها المخضلتين بالدموع ..
مكثت في غرفتها ردحاً من الزمن لاتبرح منزلها ،تعاني ،تصرخ، تهرق دموعاً فوق النزف ، عل الألم يتوقف ويسكن..
غرس الزمن أشواك العلل والغصص في روحها، ثم طرح نصل الألم في جسدها الهزيل ، وعند منتصف الليل..كانت الرياح العاتية تضرب جدران المدينة القديمة ، فحملت "إاليزابيث" حقائب اليأس بساقين متثاقلتين متشحة بمعطف يُخفي ملامحها تماماً،ثم غادرت بمفردها تشق عباب الكون ،
،انسحبت بهدوء ، توارت عن الانظار بضعة أيام ،كتبت وصيتها ،فنقلت الملكية الفردية للمرأب والإستراحة إلى أهل المدينة تحت رعاية العمدة "جرافورث" وسرعان ما تركت المدينة ،وحملت حقائبها ،ثم رحلت فجراً ،رحلت..وغابت عن الدنيا .
هبت رياح الماضي، فعرتها هزة ورعشة، وكادت شُعبة من مهجتها تقع ..خنقتها العبرات والزفرات فبكت بكاء غزيرا، وتوقدت على أحشائها حرقة شديدة، حُزنا على نفسها، وما آلت إليه لاحقاً، مرضت وضنيت حتى سالت نفسها، وصارت قطع وأشلاء، تبحث عن الأمان في زمن الفوضى والشتات ..على رسلك إيزابيلا ..؟ فلا أقل من أن تدعي دمعك يسحُ غزيرا، عسى أن يُجرف معه الأشواك والغصص التي نبتت في حياتك،وحفرت أخاديد عميقة ، نشبت في أعماقك البريئة .. أعوام قليلة مضت كحلم ليلة أمس، تمكنت خلالها من اللحاق بركب هارفورد، عن طريق منحة تفوق ،وتزكية من مُدراء الملجأ الذي عشت في كنفه أعوام عديدة، وعلى الرغم من إعاقتك الشديدة، لم يثنيك ذلك عن إتمام الدراسة في هارفورد .وأظهرت موهبة غير عادية في التحصيل العلمى، وكذلك في صنع الحلوى والفطائر ،تركت عملك كمحامية بعد إتمام الدراسة ،وعمدت إلى شراء مخزن مهجور، ومرآب قديم ، بما تدخريه من أموال ومعونات سكان الحي، ثم بعد ذلك تم تحويل المرأب القديم -والذي كان يسمى قديماً "إستراحة جوان" -إلى مطعم ترفيهي يقدم الوجبات السريعة اللذيذه ، وسرعان ما اكتسب شهرة وذاع صيته لاسيما عند قدوم أعياد الكريسماس، والمهرجانات الترفيهية التي تقام سنوياً لإعداد أشهى الحلوى والفطائر ، ثم تمكنت من تحقيق الفوز للعام الثالث على التوالي مما دفع المتبارين لتوجيه الإتهامات الساخرة :إيزابيلا ساحرة تُلقي تعويذتها أثناء إعداد المقادير ،مما دفع أحدهم إلى إطلاق دعاية ساخرة من أجل دعم النشاط السياحي في المدينة عن طريق لافتة عملاقة : "عند زيارتك للمدينة، توخ الحذر من حلوى وفطائر إيزابيلا، فقد تصير في عداد المفقودين "معللاً ذلك بأن من يذهب هناك لا يبرحُ حتى يصاب بالدوار والتخمة ،جراء نكهتها الشهية، وطعمها اللذيذ،فيسكر من شدة حلاوتها، ويضل طريق العودة إلى المنزل .كانت إيزابيلا محط أنظار واعجاب البلدة بأسرها، فأحيانا يطلق عليها عمدة المدينة "جراموث براسفورث" الفتاة المثالية، وتارة الأبنة البارة ، المدينة كانت سعيدة بتلك الفتاة التي جذبت معها كل معاني الحب والسلام ، فاستحالت المدينة درة فريدة ترفل في فيافي الرخاء والأزدهار، ولم تخلو جعبتها من مستودع المواهب ،لاسيما عندما كانت تصدح بصوتها الشجي، فتتألق ليالي المدينة ،وتزهو بصوتها الندي الساحر الذي يأسر بالقلوب والألباب.. لاسيما عندما تشدو بالترانيم المقدسة، فيصدح صوتها بألحان بالغة العذوبة والجمال .. المدينة بأسرها كانت تعشقُ إيزابيلا ، إلا شخصاً واحداً..! الوافد الجديد المنحدر من أقصى الشمال "جوركا اليهودي" هكذا يطلقون عليه "جوركا نيثان نيلبي " الملياردير اليهودي الثري الذي أنفق الأموال ببذخ وإسراف، فنهم الدور والمباني العتيقة من أجل هدمها وإنشاء سلسلة من الحانات، وبارات للخمر،ونوادي القمار والتعري، من أجل تهويد التراث الثقافي والأخلاقي ، وتغيير المسحة التراثية والثقافية داخل المدينة بحجة معاصرة الحداثة والعصرية وكل ذلك من أجل تكريس نوازع الإنحلال والفوضى ..لكن إيزابيلا أبت ورفضت كل العروض المغرية التي قدمها " جوركا المُخنث "فهي ترى أنها لاتملك المطعم وحدها بل هناك رجال ونساء وأطفال شركاء في ذلك الصرح القائم على معاني سامية مستمدة من جوهر الدستور الأمريكي الذي يدعو إلى الشراكة والوحدة ،وهي مباديء تتخطى في جوهرها حدود المادة ومعادلات السوق والمال ..حيث كانت الرأسمالية بكل صورها الفجة ُ ممثلة في "جوركا " والتي لا تعرف معانى الرحمة، في نزاع شائك مع روح الإنسانية الفاضلة والممثلة في صورة " اليزابيث".حاول جوركا اليهودى ترويعها بشتى السبل، وإثنائها عن التمسك باستراحة" جوان" فهو يرى أن إستراحة "جوان "التي تملكها إيزابيلا تتحكم في مساحة كبيرة من الأراضي حيث أن جميع الخدمات سواء الطاقة أو التزود بالوقود ،شبكات المحمول ...تتمركز في منطقة نائية بجوار استراحة" جوان" وهى منطقة صغيرة تختصر الوقت والمسافة للعابرين ، لذلك هي شريان الحياة للمدينة وخاصة المنطقة التي يسيل لها لعاب " جوركا " ،وتفصل بين الشمال والجنوب لذا لن يستطيع إقامة جسور عابرة لربط المدن إلا بالقضاء على الخدمات الحياتية للمدينة، واجبار أصحاب المنازل القريبة من الاستراحة على التخلى عنها .. لذا فالمشروع مهدد بالفشل، ولن يمكنه من السيطرة على المدينة، وإحكام قبضته عليها إلا بإزاحة إيزابيلا عن طريقه ..فعمد إلى إستئجار مرتزقة ولصوص لتركيعها عن طريق إيذاء صديقاتها والتحرش بهن وتحطيم النوافذ وترويع الزائرين ، لكن السكان وقفوا بجانبها وما إن علم عمدة المدينة حتى توعد جوركا المخنث وعزم على طرده من المدينة .. فاستشاط "جوركا "غضباً وجمع كتيبة من المرتزقة وأمرهم بإحراق بناية "جوان" ..لكن إيزابيلا تصدت لهم وخرج معها عمال المطعم كلاً يحمل سكينة ،مطرقة ومقعد ..ِأشارت لهم إيزابيلا أن يتوقفوا وقالت للمعتدين كلمات رقيقة وجدت طريقها إلى قلوبهم: لماذا تحملون العنف داخلكم ..وقد خلقنا القدير سواء ومنحنا الحب والسلام والأمل لنرحم بعضنا ونعطف على الأخر ،ثم أشارت لأحدهم وهو يحمل سلاح ناري : أخفض هذا السلاح !! لست أنت حقاً الذي يفعل ذلك، إن وجهك مليء بالبراءة والنقاء تذكرني بأبي الذي لم أراه وأشارت إلى أخر ،وأنت مثل أخي الذي احتجته يوما ما لابد أنكم جائعين تعالوا، لدينا الكثير من الحلوى الفطائر، ستروق لكم..تأثروا كثيراً برقتها وكرمها الباذخ وشعروا بالندم
..فأجهش بعضهم بالبكاء، وأغرورقت أعينهم بالدموع ،ورأت إيزابيلا خلفها حشد كبير من أهل البلدة كلاً يحمل سلاح مما تسنى له بنادق ، فؤوس ،خناجر ، اواني طهي ...شعر المرتزقة بالخجل وتصافحوا مع سكان المدينة وطلبوا من إيزابيلا أن تمنحهم العفو والصفح .. ثم قاموا بمطاردة "جوركا" اليهودي الذي وقف مذهولاً من صنيع إيزابيلا التى تمكنت من آسر قلوبهم وتغيير عقيدة الإجرام في نفوسهم وكل ذلك تم في ثوان معدودة.. هرع جوركا في الصباح إلى عمدة المدينة يطلب المساعده في حمايته من الغضب الذي أوقده في قلوب السكان.. أكفهر وجه العمدة لرؤية "جوركا" وأغلظ له القول: لتنصت جيداً أيها اليهودي التعس لاتتعرض لتلك الفتاة ثانية فقد بلغني ما أغضبني، وسأحرص على حمايتها ما في وسعي .. عليك أن تغادر المدينة اليوم.. قال "جوركا" : لقد وقفت جماعتنا معك وساندتك في الوصول لهذا المنصب ،ومن ثما يتعين عليك مساعدتنا، كظم العمدة غيظه وعض على شفتيه :بئس القوم أنتم أيها الأشقياء لن تتغيروا ..سيسعدني أن أصدر قراراً بإعتقالك حتى تتعفن في السجن ..أغرب عن وجهي !! .في اليوم التالي عمد جوركا إلى عرافة يهودية يطلب مشورتها فأوقدت النيران ونثرت عشب البار، وتمتمت ببضع كلمات سحرية بلغات عديده سريانية ,عبرانية ...ثم قالت بعد أن تصببت عرقاً : من الحب ماقتل ياعزيزي !! ..فطن جوركا لما أرسلته العجوز من كلمات تحمل معنى خبيث ،فندت منه إبتسامة ظفر وأطلق وصلة من الضحك الساخر : معك حق ، عم قريب سأُسيطر على المدينة ..كثيراً ماكانت تؤرق إيزابيلا تلك الكلمات الرقيقة خاصة عندما تصدر في منتصف حديث مع صديقاتها ..ألن تتزوجي بعد ؟.هل سُتخلدين مثل الراهبات ..ألا تتشوقين لحمل طفل ،ستكونين أماً عظيمة يوماً ما ..لم يدور بخلدها وهي تفض جدائلها وتلحظ إلى المرآة ،أن الأقدار تعدُ لها شي ما في جعبتها . ذهبت إيزابيلا إلى الشاطيء برفقة صديقاتها في العطلة السنوية إلى المصطاف .. وأثناء وقوفها تحت المظلة تتمتع برفقة الشمس الصباحية ، وهي في ثوبها المهفهف الشفاف نائمة في مطالع الضياء، مرسلة ظلها على صفحة الأفق الضارب في مرافيء السماء .إصطدمت بها تلك الكرة فانسلت نظارتها وسقطت في الرمال ،وما كادت تلتقطها حتى سارعت أنامل رقيقة بجذبها وإزالة الرمال عنها ، أعتذر الفتى في قنوت وأظهر ادباً جم وشرع يطلب العفو والرحمة .شغف بها وعشق منها العذوبة والرقة ،وعشقت منه الجرأة وصبابته المغرية، وظله المكتنز بالشباب والحيوية ، ورقته المتناهية ، وحديثه الأسر، وفي يوم كانت بصحبة رفيقاتها لزيارة مشفى العجائز وتقديم الفطائر
أدارت صوت المسجّل على هدير رقصةٍ شاعرية ، فمالت خصرها مع تقسيماتها ، تمايلتْ ، ضحكتْ خدودها ، صارتْ ورديّة ، أسبلتْ جفنيها ، ثمّ رفعتهما بدلالٍ سحر الأخريات ، ..
تذكّرتْ يديه العاشقتين ، تحيطانها بشغفٍ على مركبٍ أوصلها إلى الجزيرة .ومرّتْ على خاطرها ،تلميحاته الذّكيّة ،التي أصابتْ قلبها فجأة بطفرةٍ طفوليّةٍ ،
ناجته : ويلي منك يا بول !!!! كيف فعلتها وغزوتَ قلبي العنيد
،وما لبثا أن تواعدا وشعرا بعد اللقاء الأول، بتوق غرامي متبادل إلى اللقاء مرات ثانية، ونما التوق في فؤاديهما كلما تجدد لقاء بعد لقاء فإذ هم بعد حين لايطيقان الصبر يوماً واحدا على غياب أحدهما تذكّرتْ يديه العاشقتين ، تحيطانها بشغفٍ على مركبٍ أوصلها إلى الجزيرة .ومرّتْ على خاطرها ،تلميحاته الذّكيّة ،التي أصابتْ قلبها فجأة بطفرةٍ طفوليّةٍ ،
ناجته : ويلي منك يا بول !!!! كيف فعلتها وغزوتَ قلبي العنيد
ومرّتْ على خاطرها ،تلميحاته الذّكيّة ،التي أصابتْ قلبها فجأة بطفرةٍ طفوليّةٍ ، قفزتْ إليها بلا أصباغٍ
وتواعدا على الزواج ، وعمت الفرحة أرجاء المدينة ،وتزينت بباقات الزهور وعمدت البلدة إلى تهنئة إيزابيلا عبر إقامة مهرجان كبير للإحتفاء بها. تُزينها لافتات عملاقة تحمل صورها .. هُنيهات وأقبلت إيزابيلا تختال برداءها الأبيض الناصع متوجة بغصن ليلاك مُذهب مرصع بالماس.. ومتأبطة ذراع عمدة المدينة .. في ذلك اليوم بينما الموسيقى تصدح بسيمفونيات الجمال شرعت الوصيفات في نثر أوراق الزهور بين الحاضرين . وبعد أن سادت الفرحة جموع القوم، وحلقت بطيورها فوق القباب.. صمت الجميع وتوقفت الموسيقى عندما قدم اليهودي جوركا قدوم المشئوم، وتغيرت إبتسامته الصفراء عندما همس احدهم إلى صديقه :جاء الغراب الناعقتصنع إبتسامه باهته وهنأ إيزابيلا ساخراً : زفاف سعيد .. جئت لأفتح صفحة جديدة مع الجميع مما أثار حالة من الغيظ والغضب بين الناس وكادوا أن يفتكوا به ..كونوا بخير ثم غادر.مضت الساعات ولم يأتي" بول"،وبدا عليها القلق والخوف مما هو آت راودتها شكوك وتساؤلات هل تخلى عنها ؟ اعتذرت للحضور وباركت مجيئهم ..في صباح اليوم التالي وجدت رسالة فحواها ..لن أستطيع أن احضر ..هناك ما هو أهم سامحيني ..القلق بدأ يدب ويتسور إلى أسوار فؤادها.. في اليوم التالي حضر اليهودي جوركا مُلتحفاً بأردية الحزن والألم ، والدموع تنهمر من مقلتيه وبصوت ممزوج بالحسرة :كنت أعلم حقيقة الخائن ،وأدرك سجيته الفاسده.. لكني لم أشأ أن افسد فرحتك.. سحقاً لي.. إنه شاب لئيم غدر بفتيات بريئات كثيرات ..اللئيم يتصنع الكيوبيد وسرعان ما يلتهم المرأة مثل الذئب شخص مستبد ..كائن سيء السمعة ..أناني لايعرف الرحمة.. إنهارت إيزابيلا ونهرته :حسبك وإياك أن تتحدث عنه هكذا ..كظم اليهودي غيظه وحدج إليها ، وعاد يبتسم مثل الشيطان :اذهبي إلى ذلك المكان، ودس في راحة يدها ورقة صغيرة .. ستعلمين كل شيء.. اندفعت هائمة بسيارتها تنهب الطرق وتبلع المدن .. لم تنتظر المصعد ،توكأت على عكازها طرقت الباب وكادت أن تهشمه ،فكان الخبر والصدمة.. إمرأة وأطفال... غادرت المنتزل بعدما كاد يغشي عليها .. وقف مذهولاً أمامها بيده حقيبتين ..حاول ملاحقتها ..تعثرت أثناء خروجها ،إصطدمت بجدران السلم فقدت وعيها .
استفاقت وظلال رابضة تراقب حركاتها وسكونها ، حاول الفتى أن يبرر ويفسر.. شرع يُقسم بأغلظ الإيمان : اليهودي جوركا عقد معي صفقة .. أغوائك بالعاطفة ثم التخلي عنك مقابل شراء ديوني وإنقاذي من السجن والإفلاس.. إنني أثم ..سامحينني ..تنهدت تنهيدة حارة لفحت خديها الأسيلين دموع حارة. مسحت عينيها المخضلتين بالدموع ..
مكثت في غرفتها ردحاً من الزمن لاتبرح منزلها ،تعاني ،تصرخ، تهرق دموعاً فوق النزف ، عل الألم يتوقف ويسكن..
غرس الزمن أشواك العلل والغصص في روحها، ثم طرح نصل الألم في جسدها الهزيل ، وعند منتصف الليل..كانت الرياح العاتية تضرب جدران المدينة القديمة ، فحملت "إاليزابيث" حقائب اليأس بساقين متثاقلتين متشحة بمعطف يُخفي ملامحها تماماً،ثم غادرت بمفردها تشق عباب الكون ،
،انسحبت بهدوء ، توارت عن الانظار بضعة أيام ،كتبت وصيتها ،فنقلت الملكية الفردية للمرأب والإستراحة إلى أهل المدينة تحت رعاية العمدة "جرافورث" وسرعان ما تركت المدينة ،وحملت حقائبها ،ثم رحلت فجراً ،رحلت..وغابت عن الدنيا .
تعليق