مازلنا نناقش مسألة بناء الانسان العصري القادر على حمل رسالة التغيير ومن ثم ممارسة الفعل الحضاري بكفاءة وقدرة متميزة..وقلنا أن لا حضارة بدون سلوك حضاري وأن التعوّد على الفضائل العقلية هو أحد اهم أسباب تكوين السلوك الحضاري ..ولكن كيف يتعود الانسان ومن يقوم بمهمة تعويده ..والجواب هو
....التربيةوالتعليم....
قال جون ديوي: "بإمكان المدرسة أن تغيّر نظام المجتمع إلى حدّ معيّن، وهو عمل تعجزعنه سائر المؤسّسات الاجتماعيّة".
أنّ المؤسّسات التربويّة بما فيها المدارس والكليات والمعاهد الثقافيّة هي الّتي تقوم ببناء الأنسان الذي هو أس الحضارة وأساسها. أن النظرة والتعامل الصحيح مع أنظمة التربية والتعليم هي التي دفعت بالغرب وبعض دول الشرق حاليا الى صفوف المقدمة من الركب الحضاري المعاصر.
لابد لنا من هزم الجهل وتحطيم الحواجز الذي وضعها اأصحاب العقول القاصرةوالمستبدون كسد منيع بيننا وبين نور المعرفة عن طريق أجراء تغييرات أساسية في طرق التربيةالسارية وتجديد مناهج التعليم الحالية...
فلنغير رؤيتنا لطرق تحصيل المعرفة ولنجعل الطالب يختار وبمحض إرادته مادته العلمية التي ستكون حجر الأساس لمستقبله المهني ولننبذ الطريقة المتخلفة والمجحفةالتي نتبعها الان من جعل معدّل الدرجات هو المقياس! ولنعط للطالب في السنة الاولى أو أول سنتين من دراسته الجامعية حق تغييرأختصاصه بما يراه مناسبا لتوجهاته وبمساعدة مستشار تعليمي مختص يمارس عمله داخل أروقة الكلية كما هو حاصل في الدول المتقدمة لكي يستطيع الطالب أن يتواصل بصدق مع دروسه وأختصاصه بدون ملل أو شعوربالأحباط أوبالغبن. فلنسخّر الجامعات والمعاهد العالمية لخدمتنا ولنجعلها أحدى وسائلنا لتحقيق التقارب الإنساني وتبادل المعرفة مع الحضارات الاخرى للأرتفاع بشأن بلدنا بين البلدان وأمتنا بين الأمم كما أراد الله لخلقه في ذكره الحكيم: «وسخّرلكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكّرون»، آية 13من سورةالجاثية.
الهيئة التدريسيّة:-
أن دور المعلم في المدرسة والأستاذ الجامعي أشرافي وأرشادي أكثر منه تلقيني في مدارس وجامعات الدول المتقدمة, حيث أن الأستاذ يحث الطلاب على البحث ومقارنة المعلومات وأبداء الرأي الشخصي والنقد وأضافة معلومة جديدة وأنارة الزواياالمظلمة والمناقشة في أي موضوع. أن سلوك طاقم إعداد الأجيال في البلدان المتقدمة من العالم يدل على كفائته العالية في تعليم تلك الاجيال وتربيتها لتمكينها من المشاركة في تطوير مجتمعاتها. إنّ التفاعل والتعامل اليوميّ بهذا الشكل للطلاب مع الموادالعلمية والثقافية وبشكل مكثّف، سيساهم رفع مستوى السلوك الحضاري بالاضافة للقيمةالعلمية ويؤدّي إلى أنغماسهم في الدراسة والبحث وابتعادهم عن السلوك والفكرالمتخلف والعنيف.
لندرس تجارب الشعوب التي هزمت الجهل ونهضت بقوة وتميّز..وسيتبادر لذهن أي واحد منّاالسؤال التالي..
ماهو سر اليابان؟ وكيف نهضت؟
التجربة اليابانية:
أن الذي نهض باليابان هو أصرار ومثابرة أمة ضربت بالقنابل الذرية وهزمت وتحطمت واستسلمت لكنها ردّت بهذا النهوض الهائل. أمة قامت من بين الاجداث وخططت ونجحت في بناء بلد عظيم وحضارة متفوقة بيد وعقل إنسان منضبط ساهم في تكوينه نظام تربية وتعليم راقي.
ولنقتبس ما جاء في بعض الابحاث والدراسات عن سر نهضة اليابان..
في كتابه «أسرار الإدارة اليابانية» حاول الدكتور حسين حمادي أن يجيب عن السؤال المهم:«ما الذي فعله إنسان اليابان لتخطي خسارة الحرب؟ وكيف وضع نفسه على الطريق لكي يجعل من اليابان واحدة من أكبر ثلاث قوى اقتصادية في عالمنا المعاصر؟» فيقول منذ تولي الإمبراطور ميجي مقاليد الحكم بمساعدة رجال الساموراي عام 1867م، كان التصور أن حل المشكلة القومية لليابان هو التحديث، وهو بأن تصبح اليابان دولة عصرية قوية تدخل في المجال الصناعي بكل قوة، ولا بد لها من فتح الأسواق الخارجية بالقوة، والحل( كماأعتقدوا أنذاك) يكمن في التوسع الأفقي على حساب الجيران، حيث القوة العسكرية هي المفتاح لتحقيق هذا التوسع. وهكذا دخلت اليابان في حرب مع الصين وأنتصرت عام 1895م،ثم على روسيا عام 1905م، ثم على كورياعام 1910م، ثم دخلت اليابان الحرب العالمية الأولى، ثم الثانية لتستولي على الهند الصينية والفلبين والملايو وسنغافورة وبورما وتايلاند. ولكن هذا كله لم يوصل إلا الى الخسارة في الحرب العالمية الثانية و إلى الاستسلام غير المشروط عام 1945م. من هنا ابتدأ إنسان اليابان بالبحث عن طريق آخروأتخاذ قرار اخر، وكان أساس هذاالقرار الجديد هو التوسع الرأسي أو العمودي من خلال أنسان اليابان نفسه وتطويرعقله، وليس بالتوسع الأفقي باستخدام السلاح الياباني أي أن الحل يقع داخل حدود اليابان، وأنه مرتبط بالإنسان الياباني وبالعقل الياباني. ومن هنا جاء دورالنظام التعليمي في اليابان لكي يأخذ دوره االخطير في صنع إنسان اليابان الجديدالذي حقق الطفرة الحضارية.
الشخصية اليابانية:
الشخصية اليابانية منضبطة، تقدس الوقت، وتحترم النظام، وتبدع بالعمل الجماعي والفردي من ضمن الفريق الواحد، وتلتزم وبشدة بآداب التعامل. أخلاقيات المتاجرةاليابانية رفيعة وموصوفة بالصدق والأمانة. وهناك إحساس عام بالأمن والأمان في اليابان لتوافر الوظيفة المنتجة والتأمين لمعظم الخدمات الاجتماعية.وهذه الأخلاقيات نابعة من الاهتمام بالبرامج التعليمية المتعلقة بالأخلاقيات والسلوك للمواطن منذ الصغر في البيت والمجتمع والمدرسة. كما أن محاسبة القانون صارمة للمخالفين، والإحساس بالعيب المجتمعي بات يخلق بالمواطن الياباني منذ صغره مقدرةقاسية على نكران الذات وتحمل الألم. القانون الياباني لا يرحم الغني أوالفقير، الوزير أو الغفير، فحينما تكتشف المخالفات، تدرس أسباب حدوثها،ويحاسب مرتكبوها, وتمنع تكررها. بالإضافة إلى أن القيم المجتمعيةاليابانية تفرض على الشخص الاعتذار. لذلك فأنهم يحنون رؤوسهم ويعتذرون ويعترفون بأخطائهم في معظم الأحيان ولا تأخذهم العزّة بالأثم.
إن الطبيعة الشاقة والجغرافية المحيرة للبلد أعطت اليابانيين لغرض العيش والمحافظة على أنفسهم من الانقراض القدرة على العمل الشاق أيضا قرنا بعد قرن وحقبة بعد أخرى، حتى أصبح لدى الياباني «أخلاقيات عمل» يصفها بعض الخبراء بأنها(أكثرأخلاقيات العمل عمقًا وأصالة في العالم كله).
يذكر الدكتور حسين حمادي في كتابه «أسرار الإدارة اليابانية» أيضا أن المراقبين يفسرون حالة «إدمان العمل» التي يلاحظونها على إنسان اليابان المعاصر بأنها تعود في جزء كبير منها إلى تأثير التربية التي ركز عليها نظام التعليم منذ الصغر. فقد وفرت هذه الجرعة المؤثرة شحنة مستديمة عند اليابانيين إلى درجة تجعلهم يخشون عدم العمل، فهم يدركون تمام الإدراك أن توقفهم عن العمل يعني أن بلدهم سيتوقف عن الوجود!
الإدارةاليابانية:
من أبرز عوامل النهضة اليابانية أيضا, بعد انهيار الاقتصادالياباني عقب هزيمةاليابان في الحرب العالمية الثانية ما عُرف «بالإدارةاليابانية»، بمعنى تطبيق مبادئ إدارية حديثة من بينها إدارة الجودة الكاملة،والعمل ضمن فريق عمل «روح الفريق»، وإتقان العمل الإداري وتحويله إلى قيمة اجتماعية مرتبطة بالثقافةاليابانية، والابتكار والتطوير، إلى غير ذلك من المبادئ والمفاهيم الإدارية الفعالة.وإذا ما علمنا أن اليابان لا تمتلك أي موارد طبيعية،وتقع في موقع جغرافي ناءٍ، أدركنا أن العنصر البشري هو عماد وركيزة التنمية والنهضة اليابانية، والذي ركزت عليه برامج التنمية الاقتصادية اليابانية. ولا غروأن العنصر البشري أهم ركائزالتنمية والنهضة في أي مجتمع، لذا يأتي الاستثمار في العنصر البشري من أوليات خطط التنمية والنهضة في كل المجتمعات.
ومرد ذلك يعود إلى عدة عوامل من بينها:
(التنشئة والتربية الاجتماعية، ومناهج التعليم، وأنظمة وبيئة العمل)، وغير ذلك.إن العمل ضمن فريق عمل محدد له تنظيم إداري، كفيل بأن يتيح لفريق العمل إنجازالمهام المنوطة به، ولعل من أبرز ملامح ذلك ما يلي:
تحديد مهمة الفريق بشكل واضح، وحجم فريق العمل، وتعيين رئيس لفريق العمل مع تحديد واجبات وصلاحيات كل عضو في الفريق، وتحديد الوقت اللازم لإنجاز المهمة،ويتوجب أن يكون تشكيل فريق العمل متماشيًا مع أهداف ومهام الفريق.
المعلم الياباني:
يعكس دور المعلم في اليابان في مختلف المراحل اهتمام اليابانيين بالتعليم وحماسهم له، ومدى تقديرهم له، فالمعلمون يحظون باحترام وتقدير ومكانة اجتماعية مرموقة،ويتضح ذلك من خلال النظرة الاجتماعية المرموقة لهم، وكذلك المرتبات المغريةالتي توفر لهم حياة مستقرة كريمة، ويتساوى في ذلك المعلمون والمعلمات. ويتضح كذلك من خلال التهافت على شغل هذه الوظيفة المرموقة في المجتمع. فمعظم هؤلاء المعلمين هم من خريجي الجامعات، ولكنهم لا يحصلون على هذه الوظيفة إلا بعد اجتيازاختبارات قبول شاقة، تحريرية وشفوية. وبالطبع نسبة التنافس على هذه الوظيفة شديدةأيضًا،وهم بشكل عام يعكسون أيضًا نظرة المجتمع إليهم، ويعكسون أيضًا صورة الالتزام وروح الجماعة والتفاني في العمل عند اليابانيين. فهم إلى جانب عملهم في المدرسة وقيامهم بتدريبات ودراسات لرفع مستوياتهم العلمية، فهم يهتمون بدقائق الأمورالخاصة بتلاميذهم، كما يقوم المعلمون بزيارات دورية إلى منازل التلاميذ أوالطلاب للاطمئنان على المناخ العام لاستذكار التلاميذ من ناحية، ومن ناحية أخرى يؤكدون التواصل مع الأسرة وأهمية دورها المتكامل مع المدرسة.
فلا تكاد تنظر إلى أي جهة من جهات النهضة اليابانية دون أن ترى موضوع التعليم يقابلك بوضوح، وبدأت إصلاحات النظام التعليمي الحديث في اليابان في السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر، ثم انتعشت في بداية القرن العشرين. وعندمادخلت اليابان الحرب العالمية الثانية كانت لديها قاعدة صناعية وتعليمية، وبعدالحرب تحول التعليم الياباني إلى تعليم يعتمد التدريب على التفكير أكثر مما يعتمدعلى النقل والحفظ. ومع مرور الزمن استقرت هذه المفاهيم في نظام تعليمي مركب، أصبح يشد خبراء التعليم في العالم.. وأصبحت مناهج التربية والتعليم اليابانية اليوم من المناهج العالمية التي تنظر إليها وتحاول تقليدها الأمم الأخرى. أن المؤسسةالتعليمية والبحثية الان هي أضخم تشكيل في جسم الأمة اليابانية , فهي تضم نحو ثلث سكان الدولة في اليابان , أما حجم الإنفاق على هذا القطاع هناك فيكاد يصلإلى ربع موارد الدولة.
التعليم الياباني بين المركزية واللامركزية
يمزج نظام التعليم الياباني بين النظام المركزي كأساس ونظام اللامركزية في التعليم،وتتميز اليابان بشكل عام بأن نظام تعليمها يغلب عليه طابع المركزية. ومن إيجابيات هذا المبدأ في التعليم توفير المساواة في التعليم ونوعيته لمختلف فئات الشعب على مستوى الدولة، وبذلك يتم تزويد كل طفل بأساس معرفي واحد، حيث تُقرروزارة التعليم اليابانية الإطار العام للمقررات الدراسية في المواد كافة، بل ويُفصَّل محتوى ومنهج كل مادة وعدد ساعات تدريسها، وبذلك يتم ضمان تدريس منهج واحد لكل فرد في الشعب في أي مدرسة وفي الوقت المحدد له. والوزارة مسئولة عن التخطيط لتطوير العمليةالتعليمية على مستوى اليابان، كما تقوم بإدارة العديد من المؤسسات التربوية بمافيها الجامعات والكليات المتوسطة والفنية. ولكن لا يعني ذلك أن مركزية التعليم مطلقة في اليابان، فهناك قسط أيضًا من اللامركزية حيث يوجد في كل مقاطعة من مقاطعات اليابان مجلس تعليم خاص بها، ويعتبر السلطة المسئولة عن التعليم وإدارته وتنفيذه في هذه المقاطعة.
ماهي رؤيتنا ؟ وما هو المضمون وما هو الاسلوب...؟!!
لابد لأمتنا لغرض التجديد الحضاري من خطة تعليمية واضحة المعالم والغايات تتفق عليها الصفوة المثقفة المختصّة والعقول الواعية وتدعمها الأجهزة الرسميةفي الدولة. ولكي تحقق الخطة التعليمية هدفها لا بد من مراجعة شاملة وتصحيح أساسي في المضمون والأسلوب؛ فأما في المضمون فتجدر مراجعة كل الجزئيات في نظام التعليم لتعاد صياغتها بما يخدم التوجه الجديد، وأما في الأسلوب فلا بد من نبذ الأساليب التلقينية التي تعطل ملكة التفكير وتشل القدرة على الإبداع. لا ينبغي أن يكون المطلوب من الدارسين استظهار معلومات لا يلبثون أن ينسوا أكثرها عن قريب، بل يجب تنمية حاسة التعلم، وتطوير القدرة على البحث، وتعليم التفكيرالنقدي،وتنمية الإبداع والابتكار.أما تركيز التعليم على تقديم المعلومات بمعزل عن تربية القيم فسوف يقود إلى إجهاض الخطة برمتها وتفريغها من محتواها لتصبح شبحًا بغير روح.
ولابد أيضا من توفير امكانات هائلة ومبالغ محترمة لتطوير المؤسسة التعليمية لغرض الحصول على أداء غير متعارف عليه سابقا لتنفيذ الخطة التعليمية المرموقة , فإذاعجزت هذه المؤسسة الجبارة عن أن يكون لها في خطة الأمة النهضوية الحضارية أعظم الدور وأبلغ الأثر، فحري بالأمة أن تنسى هذه الخطة، وتقنع ببقائها في الذيل من ترتيب أمم الأرض!
يتبع..
....التربيةوالتعليم....
قال جون ديوي: "بإمكان المدرسة أن تغيّر نظام المجتمع إلى حدّ معيّن، وهو عمل تعجزعنه سائر المؤسّسات الاجتماعيّة".
أنّ المؤسّسات التربويّة بما فيها المدارس والكليات والمعاهد الثقافيّة هي الّتي تقوم ببناء الأنسان الذي هو أس الحضارة وأساسها. أن النظرة والتعامل الصحيح مع أنظمة التربية والتعليم هي التي دفعت بالغرب وبعض دول الشرق حاليا الى صفوف المقدمة من الركب الحضاري المعاصر.
لابد لنا من هزم الجهل وتحطيم الحواجز الذي وضعها اأصحاب العقول القاصرةوالمستبدون كسد منيع بيننا وبين نور المعرفة عن طريق أجراء تغييرات أساسية في طرق التربيةالسارية وتجديد مناهج التعليم الحالية...
فلنغير رؤيتنا لطرق تحصيل المعرفة ولنجعل الطالب يختار وبمحض إرادته مادته العلمية التي ستكون حجر الأساس لمستقبله المهني ولننبذ الطريقة المتخلفة والمجحفةالتي نتبعها الان من جعل معدّل الدرجات هو المقياس! ولنعط للطالب في السنة الاولى أو أول سنتين من دراسته الجامعية حق تغييرأختصاصه بما يراه مناسبا لتوجهاته وبمساعدة مستشار تعليمي مختص يمارس عمله داخل أروقة الكلية كما هو حاصل في الدول المتقدمة لكي يستطيع الطالب أن يتواصل بصدق مع دروسه وأختصاصه بدون ملل أو شعوربالأحباط أوبالغبن. فلنسخّر الجامعات والمعاهد العالمية لخدمتنا ولنجعلها أحدى وسائلنا لتحقيق التقارب الإنساني وتبادل المعرفة مع الحضارات الاخرى للأرتفاع بشأن بلدنا بين البلدان وأمتنا بين الأمم كما أراد الله لخلقه في ذكره الحكيم: «وسخّرلكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكّرون»، آية 13من سورةالجاثية.
الهيئة التدريسيّة:-
أن دور المعلم في المدرسة والأستاذ الجامعي أشرافي وأرشادي أكثر منه تلقيني في مدارس وجامعات الدول المتقدمة, حيث أن الأستاذ يحث الطلاب على البحث ومقارنة المعلومات وأبداء الرأي الشخصي والنقد وأضافة معلومة جديدة وأنارة الزواياالمظلمة والمناقشة في أي موضوع. أن سلوك طاقم إعداد الأجيال في البلدان المتقدمة من العالم يدل على كفائته العالية في تعليم تلك الاجيال وتربيتها لتمكينها من المشاركة في تطوير مجتمعاتها. إنّ التفاعل والتعامل اليوميّ بهذا الشكل للطلاب مع الموادالعلمية والثقافية وبشكل مكثّف، سيساهم رفع مستوى السلوك الحضاري بالاضافة للقيمةالعلمية ويؤدّي إلى أنغماسهم في الدراسة والبحث وابتعادهم عن السلوك والفكرالمتخلف والعنيف.
لندرس تجارب الشعوب التي هزمت الجهل ونهضت بقوة وتميّز..وسيتبادر لذهن أي واحد منّاالسؤال التالي..
ماهو سر اليابان؟ وكيف نهضت؟
التجربة اليابانية:
أن الذي نهض باليابان هو أصرار ومثابرة أمة ضربت بالقنابل الذرية وهزمت وتحطمت واستسلمت لكنها ردّت بهذا النهوض الهائل. أمة قامت من بين الاجداث وخططت ونجحت في بناء بلد عظيم وحضارة متفوقة بيد وعقل إنسان منضبط ساهم في تكوينه نظام تربية وتعليم راقي.
ولنقتبس ما جاء في بعض الابحاث والدراسات عن سر نهضة اليابان..
في كتابه «أسرار الإدارة اليابانية» حاول الدكتور حسين حمادي أن يجيب عن السؤال المهم:«ما الذي فعله إنسان اليابان لتخطي خسارة الحرب؟ وكيف وضع نفسه على الطريق لكي يجعل من اليابان واحدة من أكبر ثلاث قوى اقتصادية في عالمنا المعاصر؟» فيقول منذ تولي الإمبراطور ميجي مقاليد الحكم بمساعدة رجال الساموراي عام 1867م، كان التصور أن حل المشكلة القومية لليابان هو التحديث، وهو بأن تصبح اليابان دولة عصرية قوية تدخل في المجال الصناعي بكل قوة، ولا بد لها من فتح الأسواق الخارجية بالقوة، والحل( كماأعتقدوا أنذاك) يكمن في التوسع الأفقي على حساب الجيران، حيث القوة العسكرية هي المفتاح لتحقيق هذا التوسع. وهكذا دخلت اليابان في حرب مع الصين وأنتصرت عام 1895م،ثم على روسيا عام 1905م، ثم على كورياعام 1910م، ثم دخلت اليابان الحرب العالمية الأولى، ثم الثانية لتستولي على الهند الصينية والفلبين والملايو وسنغافورة وبورما وتايلاند. ولكن هذا كله لم يوصل إلا الى الخسارة في الحرب العالمية الثانية و إلى الاستسلام غير المشروط عام 1945م. من هنا ابتدأ إنسان اليابان بالبحث عن طريق آخروأتخاذ قرار اخر، وكان أساس هذاالقرار الجديد هو التوسع الرأسي أو العمودي من خلال أنسان اليابان نفسه وتطويرعقله، وليس بالتوسع الأفقي باستخدام السلاح الياباني أي أن الحل يقع داخل حدود اليابان، وأنه مرتبط بالإنسان الياباني وبالعقل الياباني. ومن هنا جاء دورالنظام التعليمي في اليابان لكي يأخذ دوره االخطير في صنع إنسان اليابان الجديدالذي حقق الطفرة الحضارية.
الشخصية اليابانية:
الشخصية اليابانية منضبطة، تقدس الوقت، وتحترم النظام، وتبدع بالعمل الجماعي والفردي من ضمن الفريق الواحد، وتلتزم وبشدة بآداب التعامل. أخلاقيات المتاجرةاليابانية رفيعة وموصوفة بالصدق والأمانة. وهناك إحساس عام بالأمن والأمان في اليابان لتوافر الوظيفة المنتجة والتأمين لمعظم الخدمات الاجتماعية.وهذه الأخلاقيات نابعة من الاهتمام بالبرامج التعليمية المتعلقة بالأخلاقيات والسلوك للمواطن منذ الصغر في البيت والمجتمع والمدرسة. كما أن محاسبة القانون صارمة للمخالفين، والإحساس بالعيب المجتمعي بات يخلق بالمواطن الياباني منذ صغره مقدرةقاسية على نكران الذات وتحمل الألم. القانون الياباني لا يرحم الغني أوالفقير، الوزير أو الغفير، فحينما تكتشف المخالفات، تدرس أسباب حدوثها،ويحاسب مرتكبوها, وتمنع تكررها. بالإضافة إلى أن القيم المجتمعيةاليابانية تفرض على الشخص الاعتذار. لذلك فأنهم يحنون رؤوسهم ويعتذرون ويعترفون بأخطائهم في معظم الأحيان ولا تأخذهم العزّة بالأثم.
إن الطبيعة الشاقة والجغرافية المحيرة للبلد أعطت اليابانيين لغرض العيش والمحافظة على أنفسهم من الانقراض القدرة على العمل الشاق أيضا قرنا بعد قرن وحقبة بعد أخرى، حتى أصبح لدى الياباني «أخلاقيات عمل» يصفها بعض الخبراء بأنها(أكثرأخلاقيات العمل عمقًا وأصالة في العالم كله).
يذكر الدكتور حسين حمادي في كتابه «أسرار الإدارة اليابانية» أيضا أن المراقبين يفسرون حالة «إدمان العمل» التي يلاحظونها على إنسان اليابان المعاصر بأنها تعود في جزء كبير منها إلى تأثير التربية التي ركز عليها نظام التعليم منذ الصغر. فقد وفرت هذه الجرعة المؤثرة شحنة مستديمة عند اليابانيين إلى درجة تجعلهم يخشون عدم العمل، فهم يدركون تمام الإدراك أن توقفهم عن العمل يعني أن بلدهم سيتوقف عن الوجود!
الإدارةاليابانية:
من أبرز عوامل النهضة اليابانية أيضا, بعد انهيار الاقتصادالياباني عقب هزيمةاليابان في الحرب العالمية الثانية ما عُرف «بالإدارةاليابانية»، بمعنى تطبيق مبادئ إدارية حديثة من بينها إدارة الجودة الكاملة،والعمل ضمن فريق عمل «روح الفريق»، وإتقان العمل الإداري وتحويله إلى قيمة اجتماعية مرتبطة بالثقافةاليابانية، والابتكار والتطوير، إلى غير ذلك من المبادئ والمفاهيم الإدارية الفعالة.وإذا ما علمنا أن اليابان لا تمتلك أي موارد طبيعية،وتقع في موقع جغرافي ناءٍ، أدركنا أن العنصر البشري هو عماد وركيزة التنمية والنهضة اليابانية، والذي ركزت عليه برامج التنمية الاقتصادية اليابانية. ولا غروأن العنصر البشري أهم ركائزالتنمية والنهضة في أي مجتمع، لذا يأتي الاستثمار في العنصر البشري من أوليات خطط التنمية والنهضة في كل المجتمعات.
ومرد ذلك يعود إلى عدة عوامل من بينها:
(التنشئة والتربية الاجتماعية، ومناهج التعليم، وأنظمة وبيئة العمل)، وغير ذلك.إن العمل ضمن فريق عمل محدد له تنظيم إداري، كفيل بأن يتيح لفريق العمل إنجازالمهام المنوطة به، ولعل من أبرز ملامح ذلك ما يلي:
تحديد مهمة الفريق بشكل واضح، وحجم فريق العمل، وتعيين رئيس لفريق العمل مع تحديد واجبات وصلاحيات كل عضو في الفريق، وتحديد الوقت اللازم لإنجاز المهمة،ويتوجب أن يكون تشكيل فريق العمل متماشيًا مع أهداف ومهام الفريق.
المعلم الياباني:
يعكس دور المعلم في اليابان في مختلف المراحل اهتمام اليابانيين بالتعليم وحماسهم له، ومدى تقديرهم له، فالمعلمون يحظون باحترام وتقدير ومكانة اجتماعية مرموقة،ويتضح ذلك من خلال النظرة الاجتماعية المرموقة لهم، وكذلك المرتبات المغريةالتي توفر لهم حياة مستقرة كريمة، ويتساوى في ذلك المعلمون والمعلمات. ويتضح كذلك من خلال التهافت على شغل هذه الوظيفة المرموقة في المجتمع. فمعظم هؤلاء المعلمين هم من خريجي الجامعات، ولكنهم لا يحصلون على هذه الوظيفة إلا بعد اجتيازاختبارات قبول شاقة، تحريرية وشفوية. وبالطبع نسبة التنافس على هذه الوظيفة شديدةأيضًا،وهم بشكل عام يعكسون أيضًا نظرة المجتمع إليهم، ويعكسون أيضًا صورة الالتزام وروح الجماعة والتفاني في العمل عند اليابانيين. فهم إلى جانب عملهم في المدرسة وقيامهم بتدريبات ودراسات لرفع مستوياتهم العلمية، فهم يهتمون بدقائق الأمورالخاصة بتلاميذهم، كما يقوم المعلمون بزيارات دورية إلى منازل التلاميذ أوالطلاب للاطمئنان على المناخ العام لاستذكار التلاميذ من ناحية، ومن ناحية أخرى يؤكدون التواصل مع الأسرة وأهمية دورها المتكامل مع المدرسة.
فلا تكاد تنظر إلى أي جهة من جهات النهضة اليابانية دون أن ترى موضوع التعليم يقابلك بوضوح، وبدأت إصلاحات النظام التعليمي الحديث في اليابان في السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر، ثم انتعشت في بداية القرن العشرين. وعندمادخلت اليابان الحرب العالمية الثانية كانت لديها قاعدة صناعية وتعليمية، وبعدالحرب تحول التعليم الياباني إلى تعليم يعتمد التدريب على التفكير أكثر مما يعتمدعلى النقل والحفظ. ومع مرور الزمن استقرت هذه المفاهيم في نظام تعليمي مركب، أصبح يشد خبراء التعليم في العالم.. وأصبحت مناهج التربية والتعليم اليابانية اليوم من المناهج العالمية التي تنظر إليها وتحاول تقليدها الأمم الأخرى. أن المؤسسةالتعليمية والبحثية الان هي أضخم تشكيل في جسم الأمة اليابانية , فهي تضم نحو ثلث سكان الدولة في اليابان , أما حجم الإنفاق على هذا القطاع هناك فيكاد يصلإلى ربع موارد الدولة.
التعليم الياباني بين المركزية واللامركزية
يمزج نظام التعليم الياباني بين النظام المركزي كأساس ونظام اللامركزية في التعليم،وتتميز اليابان بشكل عام بأن نظام تعليمها يغلب عليه طابع المركزية. ومن إيجابيات هذا المبدأ في التعليم توفير المساواة في التعليم ونوعيته لمختلف فئات الشعب على مستوى الدولة، وبذلك يتم تزويد كل طفل بأساس معرفي واحد، حيث تُقرروزارة التعليم اليابانية الإطار العام للمقررات الدراسية في المواد كافة، بل ويُفصَّل محتوى ومنهج كل مادة وعدد ساعات تدريسها، وبذلك يتم ضمان تدريس منهج واحد لكل فرد في الشعب في أي مدرسة وفي الوقت المحدد له. والوزارة مسئولة عن التخطيط لتطوير العمليةالتعليمية على مستوى اليابان، كما تقوم بإدارة العديد من المؤسسات التربوية بمافيها الجامعات والكليات المتوسطة والفنية. ولكن لا يعني ذلك أن مركزية التعليم مطلقة في اليابان، فهناك قسط أيضًا من اللامركزية حيث يوجد في كل مقاطعة من مقاطعات اليابان مجلس تعليم خاص بها، ويعتبر السلطة المسئولة عن التعليم وإدارته وتنفيذه في هذه المقاطعة.
ماهي رؤيتنا ؟ وما هو المضمون وما هو الاسلوب...؟!!
لابد لأمتنا لغرض التجديد الحضاري من خطة تعليمية واضحة المعالم والغايات تتفق عليها الصفوة المثقفة المختصّة والعقول الواعية وتدعمها الأجهزة الرسميةفي الدولة. ولكي تحقق الخطة التعليمية هدفها لا بد من مراجعة شاملة وتصحيح أساسي في المضمون والأسلوب؛ فأما في المضمون فتجدر مراجعة كل الجزئيات في نظام التعليم لتعاد صياغتها بما يخدم التوجه الجديد، وأما في الأسلوب فلا بد من نبذ الأساليب التلقينية التي تعطل ملكة التفكير وتشل القدرة على الإبداع. لا ينبغي أن يكون المطلوب من الدارسين استظهار معلومات لا يلبثون أن ينسوا أكثرها عن قريب، بل يجب تنمية حاسة التعلم، وتطوير القدرة على البحث، وتعليم التفكيرالنقدي،وتنمية الإبداع والابتكار.أما تركيز التعليم على تقديم المعلومات بمعزل عن تربية القيم فسوف يقود إلى إجهاض الخطة برمتها وتفريغها من محتواها لتصبح شبحًا بغير روح.
ولابد أيضا من توفير امكانات هائلة ومبالغ محترمة لتطوير المؤسسة التعليمية لغرض الحصول على أداء غير متعارف عليه سابقا لتنفيذ الخطة التعليمية المرموقة , فإذاعجزت هذه المؤسسة الجبارة عن أن يكون لها في خطة الأمة النهضوية الحضارية أعظم الدور وأبلغ الأثر، فحري بالأمة أن تنسى هذه الخطة، وتقنع ببقائها في الذيل من ترتيب أمم الأرض!
يتبع..
تعليق