شروط النهضة الحضارية للمجتمع وفلسفة التغيير.......(الحلقة الرابعة )

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محمود شاكر
    أديب وكاتب
    • 12-09-2013
    • 20

    شروط النهضة الحضارية للمجتمع وفلسفة التغيير.......(الحلقة الرابعة )

    مازلنا نناقش مسألة بناء الانسان العصري القادر على حمل رسالة التغيير ومن ثم ممارسة الفعل الحضاري بكفاءة وقدرة متميزة..وقلنا أن لا حضارة بدون سلوك حضاري وأن التعوّد على الفضائل العقلية هو أحد اهم أسباب تكوين السلوك الحضاري ..ولكن كيف يتعود الانسان ومن يقوم بمهمة تعويده ..والجواب هو
    ....التربيةوالتعليم....
    قال جون ديوي: "بإمكان المدرسة أن تغيّر نظام المجتمع إلى حدّ معيّن، وهو عمل تعجزعنه سائر المؤسّسات الاجتماعيّة".
    أنّ المؤسّسات التربويّة بما فيها المدارس والكليات والمعاهد الثقافيّة هي الّتي تقوم ببناء الأنسان الذي هو أس الحضارة وأساسها. أن النظرة والتعامل الصحيح مع أنظمة التربية والتعليم هي التي دفعت بالغرب وبعض دول الشرق حاليا الى صفوف المقدمة من الركب الحضاري المعاصر.
    لابد لنا من هزم الجهل وتحطيم الحواجز الذي وضعها اأصحاب العقول القاصرةوالمستبدون كسد منيع بيننا وبين نور المعرفة عن طريق أجراء تغييرات أساسية في طرق التربيةالسارية وتجديد مناهج التعليم الحالية...
    فلنغير رؤيتنا لطرق تحصيل المعرفة ولنجعل الطالب يختار وبمحض إرادته مادته العلمية التي ستكون حجر الأساس لمستقبله المهني ولننبذ الطريقة المتخلفة والمجحفةالتي نتبعها الان من جعل معدّل الدرجات هو المقياس! ولنعط للطالب في السنة الاولى أو أول سنتين من دراسته الجامعية حق تغييرأختصاصه بما يراه مناسبا لتوجهاته وبمساعدة مستشار تعليمي مختص يمارس عمله داخل أروقة الكلية كما هو حاصل في الدول المتقدمة لكي يستطيع الطالب أن يتواصل بصدق مع دروسه وأختصاصه بدون ملل أو شعوربالأحباط أوبالغبن. فلنسخّر الجامعات والمعاهد العالمية لخدمتنا ولنجعلها أحدى وسائلنا لتحقيق التقارب الإنساني وتبادل المعرفة مع الحضارات الاخرى للأرتفاع بشأن بلدنا بين البلدان وأمتنا بين الأمم كما أراد الله لخلقه في ذكره الحكيم: «وسخّرلكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكّرون»، آية 13من سورةالجاثية.

    الهيئة التدريسيّة:-
    أن دور المعلم في المدرسة والأستاذ الجامعي أشرافي وأرشادي أكثر منه تلقيني في مدارس وجامعات الدول المتقدمة, حيث أن الأستاذ يحث الطلاب على البحث ومقارنة المعلومات وأبداء الرأي الشخصي والنقد وأضافة معلومة جديدة وأنارة الزواياالمظلمة والمناقشة في أي موضوع. أن سلوك طاقم إعداد الأجيال في البلدان المتقدمة من العالم يدل على كفائته العالية في تعليم تلك الاجيال وتربيتها لتمكينها من المشاركة في تطوير مجتمعاتها. إنّ التفاعل والتعامل اليوميّ بهذا الشكل للطلاب مع الموادالعلمية والثقافية وبشكل مكثّف، سيساهم رفع مستوى السلوك الحضاري بالاضافة للقيمةالعلمية ويؤدّي إلى أنغماسهم في الدراسة والبحث وابتعادهم عن السلوك والفكرالمتخلف والعنيف.

    لندرس تجارب الشعوب التي هزمت الجهل ونهضت بقوة وتميّز..وسيتبادر لذهن أي واحد منّاالسؤال التالي..
    ماهو سر اليابان؟ وكيف نهضت؟

    التجربة اليابانية:
    أن الذي نهض باليابان هو أصرار ومثابرة أمة ضربت بالقنابل الذرية وهزمت وتحطمت واستسلمت لكنها ردّت بهذا النهوض الهائل. أمة قامت من بين الاجداث وخططت ونجحت في بناء بلد عظيم وحضارة متفوقة بيد وعقل إنسان منضبط ساهم في تكوينه نظام تربية وتعليم راقي.
    ولنقتبس ما جاء في بعض الابحاث والدراسات عن سر نهضة اليابان..

    في كتابه «أسرار الإدارة اليابانية» حاول الدكتور حسين حمادي أن يجيب عن السؤال المهم:«ما الذي فعله إنسان اليابان لتخطي خسارة الحرب؟ وكيف وضع نفسه على الطريق لكي يجعل من اليابان واحدة من أكبر ثلاث قوى اقتصادية في عالمنا المعاصر؟» فيقول منذ تولي الإمبراطور ميجي مقاليد الحكم بمساعدة رجال الساموراي عام 1867م، كان التصور أن حل المشكلة القومية لليابان هو التحديث، وهو بأن تصبح اليابان دولة عصرية قوية تدخل في المجال الصناعي بكل قوة، ولا بد لها من فتح الأسواق الخارجية بالقوة، والحل( كماأعتقدوا أنذاك) يكمن في التوسع الأفقي على حساب الجيران، حيث القوة العسكرية هي المفتاح لتحقيق هذا التوسع. وهكذا دخلت اليابان في حرب مع الصين وأنتصرت عام 1895م،ثم على روسيا عام 1905م، ثم على كورياعام 1910م، ثم دخلت اليابان الحرب العالمية الأولى، ثم الثانية لتستولي على الهند الصينية والفلبين والملايو وسنغافورة وبورما وتايلاند. ولكن هذا كله لم يوصل إلا الى الخسارة في الحرب العالمية الثانية و إلى الاستسلام غير المشروط عام 1945م. من هنا ابتدأ إنسان اليابان بالبحث عن طريق آخروأتخاذ قرار اخر، وكان أساس هذاالقرار الجديد هو التوسع الرأسي أو العمودي من خلال أنسان اليابان نفسه وتطويرعقله، وليس بالتوسع الأفقي باستخدام السلاح الياباني أي أن الحل يقع داخل حدود اليابان، وأنه مرتبط بالإنسان الياباني وبالعقل الياباني. ومن هنا جاء دورالنظام التعليمي في اليابان لكي يأخذ دوره االخطير في صنع إنسان اليابان الجديدالذي حقق الطفرة الحضارية.

    الشخصية اليابانية:
    الشخصية اليابانية منضبطة،‏ تقدس الوقت،‏ وتحترم النظام‏،‏ وتبدع بالعمل الجماعي والفردي من ضمن الفريق الواحد‏،‏ وتلتزم وبشدة بآداب التعامل‏. أخلاقيات المتاجرةاليابانية رفيعة وموصوفة بالصدق والأمانة‏.‏ وهناك إحساس عام بالأمن والأمان في اليابان لتوافر الوظيفة المنتجة والتأمين لمعظم الخدمات الاجتماعية‏.‏وهذه الأخلاقيات نابعة من الاهتمام بالبرامج التعليمية المتعلقة بالأخلاقيات والسلوك للمواطن‏ منذ الصغر في البيت والمجتمع والمدرسة‏.‏ كما أن محاسبة القانون صارمة للمخالفين،‏ والإحساس بالعيب المجتمعي بات يخلق بالمواطن الياباني منذ صغره مقدرةقاسية‏ على نكران الذات وتحمل الألم.‏ القانون الياباني لا يرحم الغني أوالفقير‏،‏ الوزير أو الغفير‏،‏ فحينما تكتشف المخالفات‏،‏ تدرس أسباب حدوثها،‏ويحاسب مرتكبوها‏,‏ وتمنع تكررها‏.‏ بالإضافة إلى أن القيم المجتمعيةاليابانية تفرض على الشخص الاعتذار‏.‏ لذلك فأنهم يحنون رؤوسهم ويعتذرون ويعترفون بأخطائهم في معظم الأحيان ولا تأخذهم العزّة بالأثم.
    ‏ إن الطبيعة الشاقة والجغرافية المحيرة للبلد أعطت اليابانيين لغرض العيش والمحافظة على أنفسهم من الانقراض القدرة على العمل الشاق أيضا قرنا بعد قرن وحقبة بعد أخرى، حتى أصبح لدى الياباني «أخلاقيات عمل» يصفها بعض الخبراء بأنها(أكثرأخلاقيات العمل عمقًا وأصالة في العالم كله).
    يذكر الدكتور حسين حمادي في كتابه «أسرار الإدارة اليابانية» أيضا أن المراقبين يفسرون حالة «إدمان العمل» التي يلاحظونها على إنسان اليابان المعاصر بأنها تعود في جزء كبير منها إلى تأثير التربية التي ركز عليها نظام التعليم منذ الصغر. فقد وفرت هذه الجرعة المؤثرة شحنة مستديمة عند اليابانيين إلى درجة تجعلهم يخشون عدم العمل، فهم يدركون تمام الإدراك أن توقفهم عن العمل يعني أن بلدهم سيتوقف عن الوجود!

    الإدارةاليابانية:
    من أبرز عوامل النهضة اليابانية أيضا, بعد انهيار الاقتصادالياباني عقب هزيمةاليابان في الحرب العالمية الثانية ما عُرف «بالإدارةاليابانية»، بمعنى تطبيق مبادئ إدارية حديثة من بينها إدارة الجودة الكاملة،والعمل ضمن فريق عمل «روح الفريق»، وإتقان العمل الإداري وتحويله إلى قيمة اجتماعية مرتبطة بالثقافةاليابانية، والابتكار والتطوير، إلى غير ذلك من المبادئ والمفاهيم الإدارية الفعالة.وإذا ما علمنا أن اليابان لا تمتلك أي موارد طبيعية،وتقع في موقع جغرافي ناءٍ، أدركنا أن العنصر البشري هو عماد وركيزة التنمية والنهضة اليابانية، والذي ركزت عليه برامج التنمية الاقتصادية اليابانية. ولا غروأن العنصر البشري أهم ركائزالتنمية والنهضة في أي مجتمع، لذا يأتي الاستثمار في العنصر البشري من أوليات خطط التنمية والنهضة في كل المجتمعات.
    ومرد ذلك يعود إلى عدة عوامل من بينها:
    (التنشئة والتربية الاجتماعية، ومناهج التعليم، وأنظمة وبيئة العمل)، وغير ذلك.إن العمل ضمن فريق عمل محدد له تنظيم إداري، كفيل بأن يتيح لفريق العمل إنجازالمهام المنوطة به، ولعل من أبرز ملامح ذلك ما يلي:
    تحديد مهمة الفريق بشكل واضح، وحجم فريق العمل، وتعيين رئيس لفريق العمل مع تحديد واجبات وصلاحيات كل عضو في الفريق، وتحديد الوقت اللازم لإنجاز المهمة،ويتوجب أن يكون تشكيل فريق العمل متماشيًا مع أهداف ومهام الفريق.


    المعلم الياباني:
    يعكس دور المعلم في اليابان في مختلف المراحل اهتمام اليابانيين بالتعليم وحماسهم له، ومدى تقديرهم له، فالمعلمون يحظون باحترام وتقدير ومكانة اجتماعية مرموقة،ويتضح ذلك من خلال النظرة الاجتماعية المرموقة لهم، وكذلك المرتبات المغريةالتي توفر لهم حياة مستقرة كريمة، ويتساوى في ذلك المعلمون والمعلمات. ويتضح كذلك من خلال التهافت على شغل هذه الوظيفة المرموقة في المجتمع. فمعظم هؤلاء المعلمين هم من خريجي الجامعات، ولكنهم لا يحصلون على هذه الوظيفة إلا بعد اجتيازاختبارات قبول شاقة، تحريرية وشفوية. وبالطبع نسبة التنافس على هذه الوظيفة شديدةأيضًا،وهم بشكل عام يعكسون أيضًا نظرة المجتمع إليهم، ويعكسون أيضًا صورة الالتزام وروح الجماعة والتفاني في العمل عند اليابانيين. فهم إلى جانب عملهم في المدرسة وقيامهم بتدريبات ودراسات لرفع مستوياتهم العلمية، فهم يهتمون بدقائق الأمورالخاصة بتلاميذهم، كما يقوم المعلمون بزيارات دورية إلى منازل التلاميذ أوالطلاب للاطمئنان على المناخ العام لاستذكار التلاميذ من ناحية، ومن ناحية أخرى يؤكدون التواصل مع الأسرة وأهمية دورها المتكامل مع المدرسة.
    فلا تكاد تنظر إلى أي جهة من جهات النهضة اليابانية دون أن ترى موضوع التعليم يقابلك بوضوح، وبدأت إصلاحات النظام التعليمي الحديث في اليابان في السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر، ثم انتعشت في بداية القرن العشرين. وعندمادخلت اليابان الحرب العالمية الثانية كانت لديها قاعدة صناعية وتعليمية، وبعدالحرب تحول التعليم الياباني إلى تعليم يعتمد التدريب على التفكير أكثر مما يعتمدعلى النقل والحفظ. ومع مرور الزمن استقرت هذه المفاهيم في نظام تعليمي مركب، أصبح يشد خبراء التعليم في العالم.. وأصبحت مناهج التربية والتعليم اليابانية اليوم من المناهج العالمية التي تنظر إليها وتحاول تقليدها الأمم الأخرى. أن المؤسسةالتعليمية والبحثية الان هي أضخم تشكيل في جسم الأمة اليابانية , فهي تضم نحو ثلث سكان الدولة في اليابان , أما حجم الإنفاق على هذا القطاع هناك فيكاد يصلإلى ربع موارد الدولة.

    التعليم الياباني بين المركزية واللامركزية
    يمزج نظام التعليم الياباني بين النظام المركزي كأساس ونظام اللامركزية في التعليم،وتتميز اليابان بشكل عام بأن نظام تعليمها يغلب عليه طابع المركزية. ومن إيجابيات هذا المبدأ في التعليم توفير المساواة في التعليم ونوعيته لمختلف فئات الشعب على مستوى الدولة، وبذلك يتم تزويد كل طفل بأساس معرفي واحد، حيث تُقرروزارة التعليم اليابانية الإطار العام للمقررات الدراسية في المواد كافة، بل ويُفصَّل محتوى ومنهج كل مادة وعدد ساعات تدريسها، وبذلك يتم ضمان تدريس منهج واحد لكل فرد في الشعب في أي مدرسة وفي الوقت المحدد له. والوزارة مسئولة عن التخطيط لتطوير العمليةالتعليمية على مستوى اليابان، كما تقوم بإدارة العديد من المؤسسات التربوية بمافيها الجامعات والكليات المتوسطة والفنية. ولكن لا يعني ذلك أن مركزية التعليم مطلقة في اليابان، فهناك قسط أيضًا من اللامركزية حيث يوجد في كل مقاطعة من مقاطعات اليابان مجلس تعليم خاص بها، ويعتبر السلطة المسئولة عن التعليم وإدارته وتنفيذه في هذه المقاطعة.


    ماهي رؤيتنا ؟ وما هو المضمون وما هو الاسلوب...؟!!


    لابد لأمتنا لغرض التجديد الحضاري من خطة تعليمية واضحة المعالم والغايات تتفق عليها الصفوة المثقفة المختصّة والعقول الواعية وتدعمها الأجهزة الرسميةفي الدولة. ولكي تحقق الخطة التعليمية هدفها لا بد من مراجعة شاملة وتصحيح أساسي في المضمون والأسلوب؛ فأما في المضمون فتجدر مراجعة كل الجزئيات في نظام التعليم لتعاد صياغتها بما يخدم التوجه الجديد، وأما في الأسلوب فلا بد من نبذ الأساليب التلقينية التي تعطل ملكة التفكير وتشل القدرة على الإبداع. لا ينبغي أن يكون المطلوب من الدارسين استظهار معلومات لا يلبثون أن ينسوا أكثرها عن قريب، بل يجب تنمية حاسة التعلم، وتطوير القدرة على البحث، وتعليم التفكيرالنقدي،وتنمية الإبداع والابتكار.أما تركيز التعليم على تقديم المعلومات بمعزل عن تربية القيم فسوف يقود إلى إجهاض الخطة برمتها وتفريغها من محتواها لتصبح شبحًا بغير روح.
    ولابد أيضا من توفير امكانات هائلة ومبالغ محترمة لتطوير المؤسسة التعليمية لغرض الحصول على أداء غير متعارف عليه سابقا لتنفيذ الخطة التعليمية المرموقة , فإذاعجزت هذه المؤسسة الجبارة عن أن يكون لها في خطة الأمة النهضوية الحضارية أعظم الدور وأبلغ الأثر، فحري بالأمة أن تنسى هذه الخطة، وتقنع ببقائها في الذيل من ترتيب أمم الأرض!

    يتبع..
    التعديل الأخير تم بواسطة محمود شاكر; الساعة 01-11-2013, 15:17.
    محمود شاكر شبلي
  • فاطيمة أحمد
    أديبة وكاتبة
    • 28-02-2013
    • 2281

    #2
    جميل ...
    قرأت مقالك الذي يقودني إلى أن الثروة البشرية هي من أهم
    الثروات التي لا نحسن استغلالها ولا تهيئتها لتكون المصدر المأمول لإنعاش ثم إزدهار الوطن
    رأيت أن الوازع الديني غائب أو مستتر فيما وصفت والأجمل في ديننا العمل من أجل الله والوطن والجماعة
    وروح الخير والعون والتكافل .. مما يخلق السعادة الروحية
    التي لم أرها واضحة في ظل نكران الذات وتحمل الألم غير أن تقديسهم للعمل وحثهم على الإبداع رائع
    وهو من الأشياء التي تظل مجتمعاتنا بأمس الحاجة إليها لتواكب شيء من التطور
    شكرا لدراستك ووجهات نظرك ونقاط الضوء التي سلطتها على جوانب تحتاج للإنارة
    تحياتي لك ويوفقك الله


    تعليق

    • محمود شاكر
      أديب وكاتب
      • 12-09-2013
      • 20

      #3
      شكرا سيدتي لأطرائك ولتعليقك القيّم .. لقد ضمّنت مقالتي ..دراسة الدكتور حسين حمادي حول التجربة اليابانية في التربية والتعليم لأعطي مثالا واضحا للقراء الكرام ومن بينهم حضرتك وكذلك حضرة الأستاذ الكبير بسباس عبد الرزاق في تعليقه الكريم على الحلقة الثالثة من مقالتي ..عن دور الدين في بناء الحضارات .. وهل يمكن بناء حضارةعصرية بدون دور فعّال للدين ؟ أرجو أن تكون هذه الحلقة قد أجابت عن ذلك التساؤل الخطير والذي كنّا لا زلنا ندور حوله منذ سنين طويلة ولم نصل الى جواب.. مع أعتزازي الشديد بديننا الحنيف ..ولكني أعتقد بأننا أن أردنا أن ننهض ونبني حضارة فلا ينبغي لنا أن ننكر دور الدين في بناء الانسان الذي يمارس الفعل الحضاري ولكننا ينبغي أيضا ان لا نجعل الدين هو المحور الاساسي والرئيسي الذي تقوم عليه حضارتنا ونبقى في نقاش طويل وجدل فكري لا نتيجة له سوى التقوقع والانعزال. نعم يا سيدتي ونعم يا أستاذ بسباس .. الدين له جانب مهم في بناء أنسان مبدع ولكن لا ننكر الجوانب الاخرى ,, والتجربة اليابانية خير دليل..
      محمود شاكر شبلي

      تعليق

      • بسباس عبدالرزاق
        أديب وكاتب
        • 01-09-2012
        • 2008

        #4
        الأستاذ محمود شاكر شبلي


        بداية أشكر جهدك و حرصك على نشر مقالتك بتواصل و بشكل دوري هنا

        و لكن لو نشر موضوعك بالملتقى الفكري لكان قد نوقش أفضل و لوجد صدى اكبر

        لا أعرف لماذا يعزف الأدباء عن موضوع قيم كهذا و هو ليس بموضوع سياسي نجرح فيه فئة أو مذهبا أو حتى أيديولوجية

        و دائما متابع لكل جديدك

        فيما يخص مقالاتك الأربع لو لي الحكم عليها لقلت إن مقالتك الثالثة كانت أكثر موضوعية و تحليلية

        أما عن الدين
        فأنا من أنصار مقولة مالك بن نبي التي مفادها التالي

        يقول مالك بن نبي رحمه الله: نحن لا نريد أن نعيد للمسلم عقيدة هو يمتلكها و لكن نريد أن نعيد لعقيدته فعاليتها الإجتماعية

        بمعنى أدق عقائدنا الدينية (الإسلام) هي حاليا معطلة، مهملة، لا تزن شيئا، لماذا.

        لأن المسلم الحالي بني بطريقة مغايرة لتركيبته التاريخية و الثقافية، فلا يمكن لنا باي حال من الأحوال إهمال تأثير التاريخ و الثقافة البيولوجية المخزنة في نفسية المسلم و التي ورثها لقرون طوال، و لكننا نعاني من مشكلة تكديس لتلك القيم، بمعنى نحن نقوم بتكديس القيم و التقاليد و الأعراف دون أن تبني لنا مجتمعا يتحلى بسلوكيات متحدة، شأن ذلك شأن نتائج الحضارات الأخرى التي نكدسها و نحن لا نمتلك من الوسائل لبناء الحضارة.

        بناء المسلم و غرس فيه القيم الدينية التي نتفق عليها جميعا، من سنة و شيعة و مسلمين و مسيحيين من عرب و أمازيغ و كرد.

        و هنا يعجبني اجمل تعريف للإسلام و الذي أتى على لسان جعفر بن أبي طالب يوم وقف امام النجاشي

        ما كان تعريف الإسلام عنده:
        "أيها الملك، كنا قومًا أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، يأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئًا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام''
        أروع تعريف للإسلام، و بسرعة، لماذا لأنه غرس في تصرفاتهم و تلبسوه في تعاملاتهم اليومية فصار يسيرا عليهم أن يتبنوا تلك القيم.

        فلو عرفنا الإسلام نحن، فأي مسلم هذه الأيام سيقول الإسلام هو أن تعبد الله و تشهد الشهادتين و تصلي و من لا يصلي فهو كافر و و و ......
        فهو يأتي بالعبادات و ليس روح الإسلام و النبي عليه الصلاة و السلام يقول لنا و قد ذكرت الحديث في مقالتك: إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق و يقول في آخر الإيمان بضع و سبعون شعبة و الحياء شعبة منه
        ذكر النبي الحياء أي الأخلاق، و هي ميزة تجدها في أي حضارة راقية.

        و لنا في النبي عليه الصلاة و السلام اسوة حسنة، طيلة الثلاث عشرة سنة الأولي كان النبي يعد مواد الحضارة لتركيبها، فقد غرس القيم في تصرفاتهم و أفرغ روح الإسلام و الحضارة في نفسياتهم قبل أن يبدأ ببناء الدولة، ثم هو عليه الصلاة و السلام في المدينة يقوم بنسج حضارة مختلطة بين ثقافتين المهاجرين و الأنصار و هو يلغي مصلحة الفرد و يعلي مصلحة الجماعة، و بدقة مصلحة المجتمع، هنا نرى أول ظهور للمجتمع الإسلامي له كيانه و تصرفاته و سلوكياته.

        السؤال الذي يلح علينا و ليس من باب المتعة الأدبية و لكن من باب الحاجة و الغريزة لتكوين مجمتع إسلامي متحضر له خصائصه و مكوناته يعيش جنبا بجنب مع باقي الأديان في مكان واحد و زمان واحد بحيث لا تشعر فيه بوجه الإختلاف الصارخ أو حتى الخفيف بين طبقاته و طوائفه إلا حين ممارسة الشعائر الدينية؟

        و لابد أن نغفل هنا تطور المجتمع
        فالمجتمع الذي لا يتطور هو مجتمع بدائي يشبه كثيرا مجتمع النحل و النمل، و الذي لم يتطور من مئات السنين، يمارس طريقة حياة معينة للمحافظة على بقاء النوع.
        و هنا مالك بن نبي يصف هذا المجتمع بالتجمعات البشرية
        أما المجتمع فهو يتطور إبتداءا من نقطة وجوده متاثرا بفكرة الدين و التطور العلمي الذي ينتج اشياء التي بدورها تمارس قوة على تغيير ثقافة المجتمع و تصرفاته.


        نحن إذن بحاجة لبناء الإنسان بناءا صحيحا و نقوم بتوجيه تلك القيم التي تغرس في سلوكياته نحو مصلحة ارتضيانها من خلال المسار التاريخي للمجمتع الإسلامي
        و هذا الإنسان الذي يبنى جيدا سيدخل في تركيب مع أخيه الإنسان الذي دعتهما غريزة التجمع، هذا التركيب أبسط صورة فعندما يتدخل إنسان ثالث و يتجمع معهم سيكون لزاما أن تحكمهم علاقات و تصرفات تحفظ كيانهم و تدفع بهم نحو الرقي بوجه حضاري.

        و المتصفح لحالة العربي و المسلم عامة يرى أننا حطام حضارة غابرة، حافظ هذا الحطام على شخصيته و افكاره و قيمه، و تطور لتصبح مواد جاهزة لبناء مجتمع جديد، السؤال المهم؟

        كيف البناء؟ و ما هي الطرق؟

        طرق سياسية، و تكمن في تبني مشروع واضح المعالم، محدد التوجيه نحو هدف معين.
        طرق تربوية و اجتماعية: غرس سلوكيات في الطفل عن طريق سلوك طريقة التطبيق، و مثال ذلك مثلا: ان يخصص يوم لتنظيف القسم و المدرسة، مع انتهاء كل درس يقوم التلاميذ بترتيب الكراسي و الطاولات، مع دخول الستاذ يقوم التلاميذ و يرحب الأستاذ بهم، بمعنى أدق ممارسة تلك التصرفات و ليس تلقينها عن طريقة الوعظ.
        طرق دينية بحتة: تخصيص أيام لتنظيف المسجد قبل صلاة الجمعة و هناك الكثير من التصرفات التي يمكن ممارستها و التي من شأنها أن تعيد للفرد المسلم شخصيته و دفعه للعيش في المجمتع و تقبله.

        الآن حقيقة انتهى وقت الحديث و بدأ وقت العمل. فمالك أعطانا الكثير من أفكاره ربما تكون بعضها خاطئة و لكن المجتمع الذي يتطور يصبح قادرا على نقد ذاته مثلما حصل مع اليابان.

        فالياباني و بعد النهضة العربية بعشر سنوات بدأ هو الآخر نهضته تقريبا عام 1857 و لكن الياباني كان يعرف ماذا يريد من منتجات الغرب فهو كان يريدها لتكوين حضارة منطلقا من ثقافته و دينه، و بعد الحرب العالمية الثانية تحطمت اليابان تماما و لكن تحطمت ماديا و بقي عالم الأشخاص صامدا أي بقي المجتمع الياباني و الذي كان يملك عالم أفكاره الخاصة و التي خولت له نقد ذاته و إعادة تركيب مواد الحضارة البائدة من حطامها لبناء حضارة جديدة.

        أما العربي فكان ينظر للحضارة الغربية نظرة الشهوة، فأخذ المنتجات للمتعة سواء المنتجات الفكرية أو المادية.


        أستاذ محمود شاكر شبلي

        أرجو أن تقرأ كتاب ميلاد مجتمع و مشكلة ثقافة لمالك بن نبي فكتبه مكملة لبعضها، فليس من الصدفة أن تدرس كتبه في الجامعات الأمريكية من باب التعاطف معه.


        في الختام أقولها

        نحن بحاجة للأخلاق و القيم الحميدة التي رمى إليها الإسلام (و الحكمة ضالة المؤمن فأين وجدها فهو أولى الناس بها) أكثر من حاجتنا لتخريج مهندسين و دكاترة معوقين ثقافيا فلن يزيدوننا إلا فسادا و خبالا.

        نحن بحاجة لإنسان يمارس واجباته و حقوقه الإجتماعية بكفاءة عالية و قابل للتطور ، و الثقافة ليست حكرا على طبقة دون أخرى، فالثقافة كيان كامل يمد الفرد بكم هائل من التصرفات و السلوكيات و يضمن له وجوده في مجتمع مع احتفاظه بشخصيته و حقوقه.


        أستاذ محمود شكرا لفسحة و فرصة للصراخ لأعلى ما أمكنني

        نريد أن نبني حضارة يا ناس....


        محبتي وتقديري و أشكرك كثيرا و جدا
        السؤال مصباح عنيد
        لذلك أقرأ ليلا .. حتى أرى الأزقة بكلابها وقمامتها

        تعليق

        يعمل...
        X