مزامير الخريف

مزامير الحزن تعزف عليها أوركسترا الخريف هذا العام ،ككل عام: أغصان الأشجار العارية، الغيوم الداكنة والليل الطويل الممتد أبدا . تتآزر معا لتستدرج أمثالي المفرطون بالحساسية تجاه التغيرات والتقلبات، بما فيها المناخية الى دائرة التلاطم الشعوري، و لُجة من متاهات تثيرها هذه الحال البينية غير ا لمستقرة في الأجواء والأمزجة.
أَتَذكُر حينما عثرتُ عليك بين دفوف السطور و الأشعار والشيء الكثير جدا من الروايات. رسمت ملامحك من الألف ابتداءً وحتى الياء انتهاء. لطالما كانت الأبجدية سريرا أتمدد عليه، كل ما مر على خاطري هذا الخجول جدا، المتمرد دوما ، المُتلعثم ،الجريء المُسمّى "بالحب". كم أطلتُ الوقوف بين سطور السياب ومزاريب المطر تصدح بالغناء خارجا بقصيدة "المطر"، كم ارتشفتُ قلبك الدافئ على مهل في ليالٍ نازكيّة عاصفة، وفي مقهى منيف كافئنا نفسينا بفطيرة دفء من الحب والمطر.
سرابٌ هذه اللقاءات! لا تصلح الا كحشو بين تخوم رواية !. فما بين جلدتي كتاب نثري أو شعري، طريق وعرة ومُفاجئة من الواقع! تبتدأ من حيث اسم الكتاب لتتفرع بعد ذلك بطريق شيطاني سريع نحو هاوية العملية والواقعية .
ما زال نصفي النّهم يعيش هنالك في أعلى رأسي ، بين تلابيب عالم مواز لعالمي الآخر المسمى بالواقعي. ما زلت أجنح وأتجنى على ذاتي بعالم الخيال ولا أرتضي ابدا بذلك المادي. بين العالمين انفصام عقل! مرض نفسي مزمن ربما! مصيبتي اذ شفيت منه يوما.
في المكتبة وجدتك ! تشاكسني بين رفوف المكتبة فألملم أجزائك المبعثرة على أغلفة الكتب، أشكل منك صورة حبيب يأتي، سيأتي أو ربما لن يأتي أبدا . كنت على يقين ان حبيب تَولّده كتاب ،سيبقى هنالك مرابطا مأسورا بمنطق الانتماء الى مسقط الرأس، دونما ان يجترأ يوما على كسر قيد منطق العادة ذاك .زاوجت صورتك بالبُعد البصري الثالث تماما كشخوص الروايات المتشكلة في عقلي، الممتدة كحقيقة أمام عيني، البعيدة كسراب عن يدي والقريبة كتيار شعوري يسري في حجرات قلبي فينتفض لهفة وفرحا وتلعثما احتفاء بك ، كلما استطابت لروحي سطرا في كتاب.
آه ! يا أسير النصوص ، كم سيطول مكوثك؟! ولا حرية –أبدا – لك أو لي تُطال
تئنّ مزامير الخريف من العُريّ المفاجئ ومواسم الهجرة المكثفة ،تبكي جمال الزهور الذي انطفأ، وتغيرات الأحوال المدبوغة حديثا بطابع الرماد والرحيل وأخيرا الموت . تئنّ! توطئة لمواسم طرب شتائية لاحقة، حيث يؤدي الناسك المرابط داخلي تراتيله بتأن، بخشوع وبإخلاص أمام مبكى الذكريات! ليستخلص حبا مُكثّفا مُعتقا بالبهجة ،وهو يُصَنَّع من ثالوث تجتمع أضلاع خاماته حصريا في الشتاء، حيث الحب في كلمة، والدفء يُساق حيث مستقره في القلب، نابعا من شراب دافىء يُشرب على مهل، في مقهى زجاجي الواجهة، حيث مراقبة قدر المارة الفارّة من المطر الى المطر ، أجمل ركن في طقوس التبتل الشتائي ذاك .
تعليق