نباح

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • مجدي السماك
    أديب وقاص
    • 23-10-2007
    • 600

    نباح

    نباح
    بقلم: مجدي السماك
    الليل غزير..تملأ عتمته الدنيا ويلّف سواده الوجود. عبد الواحد في الظلمة يمشي وحده في هدوء. فجأة توقف..فك زر البنطلون. راح بمتعة وانسجام تام يصغي الى قرقرات بوله وهي تنساب وتسقط على كيس من البلاستيك. أغلق الزر.. ثم مشى.
    الى مساحة بور أسلمته خطاه..توقف.. تماما توقف. صار بلذة ينصت إلى نباح قادم من جوف الليل. ابتسم..ضحك..ثم غرق في قهقهات..دمع ضاحك بدأ ينساب..ويسيل.إلى صفحة الأفق نظر..لا يعرف إن كان يكلم نفسه.. أم يخاطب الكلب النابح في الأفق القريب:كم هو سعيد ومحظوظ هذا الكلب! لا أحد يستطيع ان يفهم نباحه ويفسره..فبالتأكيد لا يخشى أي تأويل. هل هنالك على وجه الأرض عاقل واحد يستطيع أن يفسر نباحا مكونا من مقطع صوتي واحد يتكرر:هو هو هو. غليظة كانت أم رفيعة..طويلة أم قصيرة..فالأمر سواء.. كلها نغمة وحيدة هوهوهو..تقطع حدتها الصمت البليد.وتفش الخلق.
    آه يا عبد الواحد..إنه الحل السحري الأكيد..ساقه القدر إليك..جاد به الليل على أمثالك الطيبين. من الآن فصاعدا لا حل أمامك سوى النباح..أنت محظوظ يا عبد الواحد..إنبح! إنبح يا راجل. عندما تصل الى الحارة..لا تنطق ولو بكلمة واحدة من فمك من زمن بعيد. فالنباح لا تعذيب فيه ولا ضرب ولا تنكيل.. طريقة مضمونة لتقول كل ما يطن في عقلك ويدور..لا تأويل لنباحك ولا تفسير.. جربها بملء فمك..بثقة تامة إنبح هوهوهو.انبح بإخلاص وضمير.
    لكن ماذا يا عبد الواحد..لو إنك نبحت في وجه شخص من أهل الحارة..نباحا جادا رصينا ملتزما هوهوهو..ثم بإستهتار قال لك في برود أعصاب:لا يا رجل..أنا اختلف معك فيما تقول..لإنك بهذا تسخر من أشخاص مهمين ومرموقين؟ آه ثم آه ثم آه..من المؤكد سوف تفقع مرارتك ثم تموت على الفور يا عبدو في المكان.الناس ليسوا مهمين يا عبدو..ولا آرائهم تعنيك..المهم رأي وتفسير رجال الأمن والبوليس..قد يفسرون نباحك بما لا تعني ولا تشتهي. حينها ستصرخ يا ليتني كنت كلبا..أو نسيا منسيا. النباح يا عبد الواحد مسموح للكلاب فقط..أما الآدميون فعليهم التزام الصمت..الصمت الصريح الواضح المطلق يا عبد الواح.
    هه.. يا الله يا عبد الواحد..ماذا دهاك..أين راح مخك الذي كنت تفتخر به أيام زمان وانت في ريعان شبابك..لهذا اتهموك بأك كنت تعاقر الخمر وتطارد النسوان وتقتنصها بمهارة نادرة.ما الذي دفعك إلى الإهتمام بأحوال الحارة والناس..وحثك على الإهتمام بنشرات الأخبار التي لا تقدم شيئا ولا تؤخر.طز فيك يا عبد الواحد..انت أكبر صفر عرفته الرياضيات والحساب.
    اقترب عبد الواحد حتى صار على أطراف الحارة.. أخذ بصوت مسموع يتحدث إلى أعمدة النور والأشجار وحاويات القمامة.. يا سلام لو أن كل الناس يستبدلون الكلام بالنباح الحر الملتزم..مثل شيفرة موريس..من المؤكد ستنتهي المشاكل بين البشر..نباحك حصانك.
    ضحك عبد الواحد.. بملء إرادته ضحك..حدق إلى ضحكاته وهي تندفق وتتغلغل في مسامات الظلمة وتنتشر. عندما وصل الى الحارة وصار في وسط أول ميدان.. وقف على حافة الرصيف أمام الناس الرائحين والغادين.. وبأقصى ما عنده من قدرة على النباح راح ينبح هوهوهوهو.
    في لمح البصر التمت الناس حوله وتجمعت. ورجل الأمن الواقف على ناصية الشارع استنفر واستل هراوته وصار على أهبة الإستعداد.. ونادى عليه قائلا في غل: أنت تشتمنا يا ابن القحبة!
    قلة من الناس قالوا: أكيد أصابه جنون..إمسكوه..أودعوه مستشفى المجانين.
    قلة أخرى قالوا: إنه يكفر..عدو الله.. يظن عبد الواحد أننا لا نستطيع تفسير نباحه..والله إننا نفهم ما يريد قوله حتى لو كان نهيقا مجلجلا لحمار أجرب. يا ناس:إنه لا يختلف عن كفار قريش..يا عدو الله والدين والوطن.
    نوفمبر 2013
    Magdi_samak@yahoo.com


    عرفت شيئا وغابت عنك اشياء
  • ربيع عقب الباب
    مستشار أدبي
    طائر النورس
    • 29-07-2008
    • 25792

    #2
    حتى النباح يا عبد الواحد منعوك منه
    حتى النباح أولوه تأويلا و حسب ما يعن لهم و ما يدور في قواعد خرسانتهم
    لم تختلف صديقي
    نفس التهكم
    نفس الكشف
    نفس الضمير اليقظ الذي يبحث عن الانسان
    عن الجانب المظلم منه و البرئ فيه
    و إن اختلف تركيب الجملة و الفواصل لن تختلف في تبنيك هذا العالم بما يحمل من متناقضات
    تستدعي البكاء !

    محبتي أيها الكبير
    sigpic

    تعليق

    • حسن لختام
      أديب وكاتب
      • 26-08-2011
      • 2603

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة مجدي السماك مشاهدة المشاركة
      نباح
      بقلم: مجدي السماك
      الليل غزير..تملأ عتمته الدنيا ويلّف سواده الوجود. عبد الواحد في الظلمة يمشي وحده في هدوء. فجأة توقف..فك زر البنطلون. راح بمتعة وانسجام تام يصغي الى قرقرات بوله وهي تنساب وتسقط على كيس من البلاستيك. أغلق الزر.. ثم مشى.
      الى مساحة بور أسلمته خطاه..توقف.. تماما توقف. صار بلذة ينصت إلى نباح قادم من جوف الليل. ابتسم..ضحك..ثم غرق في قهقهات..دمع ضاحك بدأ ينساب..ويسيل.إلى صفحة الأفق نظر..لا يعرف إن كان يكلم نفسه.. أم يخاطب الكلب النابح في الأفق القريب:كم هو سعيد ومحظوظ هذا الكلب! لا أحد يستطيع ان يفهم نباحه ويفسره..فبالتأكيد لا يخشى أي تأويل. هل هنالك على وجه الأرض عاقل واحد يستطيع أن يفسر نباحا مكونا من مقطع صوتي واحد يتكرر:هو هو هو. غليظة كانت أم رفيعة..طويلة أم قصيرة..فالأمر سواء.. كلها نغمة وحيدة هوهوهو..تقطع حدتها الصمت البليد.وتفش الخلق.
      آه يا عبد الواحد..إنه الحل السحري الأكيد..ساقه القدر إليك..جاد به الليل على أمثالك الطيبين. من الآن فصاعدا لا حل أمامك سوى النباح..أنت محظوظ يا عبد الواحد..إنبح! إنبح يا راجل. عندما تصل الى الحارة..لا تنطق ولو بكلمة واحدة من فمك من زمن بعيد. فالنباح لا تعذيب فيه ولا ضرب ولا تنكيل.. طريقة مضمونة لتقول كل ما يطن في عقلك ويدور..لا تأويل لنباحك ولا تفسير.. جربها بملء فمك..بثقة تامة إنبح هوهوهو.انبح بإخلاص وضمير.
      لكن ماذا يا عبد الواحد..لو إنك نبحت في وجه شخص من أهل الحارة..نباحا جادا رصينا ملتزما هوهوهو..ثم بإستهتار قال لك في برود أعصاب:لا يا رجل..أنا اختلف معك فيما تقول..لإنك بهذا تسخر من أشخاص مهمين ومرموقين؟ آه ثم آه ثم آه..من المؤكد سوف تفقع مرارتك ثم تموت على الفور يا عبدو في المكان.الناس ليسوا مهمين يا عبدو..ولا آرائهم تعنيك..المهم رأي وتفسير رجال الأمن والبوليس..قد يفسرون نباحك بما لا تعني ولا تشتهي. حينها ستصرخ يا ليتني كنت كلبا..أو نسيا منسيا. النباح يا عبد الواحد مسموح للكلاب فقط..أما الآدميون فعليهم التزام الصمت..الصمت الصريح الواضح المطلق يا عبد الواح.
      هه.. يا الله يا عبد الواحد..ماذا دهاك..أين راح مخك الذي كنت تفتخر به أيام زمان وانت في ريعان شبابك..لهذا اتهموك بأك كنت تعاقر الخمر وتطارد النسوان وتقتنصها بمهارة نادرة.ما الذي دفعك إلى الإهتمام بأحوال الحارة والناس..وحثك على الإهتمام بنشرات الأخبار التي لا تقدم شيئا ولا تؤخر.طز فيك يا عبد الواحد..انت أكبر صفر عرفته الرياضيات والحساب.
      اقترب عبد الواحد حتى صار على أطراف الحارة.. أخذ بصوت مسموع يتحدث إلى أعمدة النور والأشجار وحاويات القمامة.. يا سلام لو أن كل الناس يستبدلون الكلام بالنباح الحر الملتزم..مثل شيفرة موريس..من المؤكد ستنتهي المشاكل بين البشر..نباحك حصانك.
      ضحك عبد الواحد.. بملء إرادته ضحك..حدق إلى ضحكاته وهي تندفق وتتغلغل في مسامات الظلمة وتنتشر. عندما وصل الى الحارة وصار في وسط أول ميدان.. وقف على حافة الرصيف أمام الناس الرائحين والغادين.. وبأقصى ما عنده من قدرة على النباح راح ينبح هوهوهوهو.
      في لمح البصر التمت الناس حوله وتجمعت. ورجل الأمن الواقف على ناصية الشارع استنفر واستل هراوته وصار على أهبة الإستعداد.. ونادى عليه قائلا في غل: أنت تشتمنا يا ابن القحبة!
      قلة من الناس قالوا: أكيد أصابه جنون..إمسكوه..أودعوه مستشفى المجانين.
      قلة أخرى قالوا: إنه يكفر..عدو الله.. يظن عبد الواحد أننا لا نستطيع تفسير نباحه..والله إننا نفهم ما يريد قوله حتى لو كان نهيقا مجلجلا لحمار أجرب. يا ناس:إنه لا يختلف عن كفار قريش..يا عدو الله والدين والوطن.
      نوفمبر 2013
      Magdi_samak@yahoo.com


      فكرة ذكية طرحها النص بطريقة سردية مراوغة وجميلة
      مودتي، أخي مجدي

      تعليق

      • بسباس عبدالرزاق
        أديب وكاتب
        • 01-09-2012
        • 2008

        #4
        قلت لهم يا ليتني كنت كلبا لوالينا
        قيل لي هيهات هيهات ان تكون من المخابرات


        تذركت هذه الكلمات و التي قال مثلها أحمد مطر

        ليس لنا حق البكاء حتى فما بالك بالنباح
        أقوى كلمة سياسية هي لا
        لأنها تخرج من الجوف و تجلجل بالداخل و تملأ الكون عندما تخرج

        قصة قوية جدية

        كئيبة صارخة متهكمة
        مبكية حد النباح المشفر باحزاننا و جراحنا

        مقدرة كبيرة على ملأ القاريء بوعي كاف ليغيره بعد القراءة

        تشرفت انني مررت هنا و كثيرا

        استاذ مجدي السماك
        هو أحد نصوصك القوية جدا


        محبتي و تقديري
        السؤال مصباح عنيد
        لذلك أقرأ ليلا .. حتى أرى الأزقة بكلابها وقمامتها

        تعليق

        يعمل...
        X