(1)- " أنقذونا من هذا الشعر "
هي صرخة (محمود درويش) في إحدى افتتاحيّات مجلّة ( الكرمل )، وهي اليوم صرخة كلّ قارئ من قرّاء الشعر العربيّ.
أجرؤ اليوم أن أقول للشعراء كما قال (أبو العميثل) لـ (أبي تمّام):
- لماذا تقولون ما لا يُفهم ؟.
لقد حاولنا أن نفهم ما يقال حتّى عجزنا، وحتّى عزف الناس عن قراءة هذا الشعر الذي تحوّل إلى مجرّد ( فذلكات ) و( معمّيات )، لا طائل منها.
فكم من القصائد ترتكب باسم التجريب، وكم من الأعراف تنتهك باسم الحداثة ! أنقذونا - أيّها الشعراء - من هذا الشعر ؟.
(2)- المجاز:
لا شكّ في أنّ المجاز رخصة أو وسيلة فنّيّة للكتّاب، ولكنّه اليومَ تحوّل قناعاً أو ستاراً أو مبرّراً لكلّ ما يُكتب، فكم من الجرائم ترتكب باسمه، وكم من المعمّيات تكتب باسمه، وكم من ( الرسائل ) المغرضة توجّه باسمه ! فإذا كانت اللغة تقال على سبيل الحقيقة والمجاز معاً، فلماذا نتجنّب مواجهة الحقيقة، ونلجأ إلى المجاز ؟
محمد محيي الدين مينو /24/أكتوبر/ 2013/
محمد محيي الدين مينو • الإبهام Confusion:
أسلوب مستغلق يقوم على التَّعْمية أو الإشكال أو الالتباس، كأن يأتي صاحبه بالمعاظِل من التراكيب أو الغريب من المعاني، لا يمكن إدراك معناها إلاّ إذا شُرحت وفُسّرت، فهو أشدّ عَماءً من الغموض لانعدام أهداف محدّدة، يسعى إليها عادةً صاحب النصّ.
وللإبهام ثلاثة مظاهر:
1- الغياب الدلاليّ: وهو نتيجة من نتائج غياب الموضوع أو الغرض، وحضور الذات أو الأنا، والتجريد المفرط حتّى التحرّر من المضمون، والتركيز على أثر الشعر بدلاً من التركيز على ما يقوله، فلا يبقى أمام المتلقّي سوى تأويل المعنى.
2- التشتّت الدلاليّ: وهو مظهر من مظاهر الحداثة التي تدعو إلى تكسير التماسك وتفتيت فكرة الوحدة في سبيل تعدّد المعنى وتجدّده وإرجائه ولا نهائيّته حتّى يصعب ضبطه والتحكّم به، ومن أسباب التشتّت الدلاليّ: الادّعاء بموت المؤلّف، والتكثيف، والمجازات البعيدة، وغياب الروابط أو انقطاع العلاقات بين عناصر النصّ وتراكيبه، وروغان الدلالة..
3- إبهام العلاقات اللغويّة: لا شكّ في أنّ طبيعة الشعر الغامضة تنعكس على لغة الشعر نفسها، ولا سيّما في بعدها الإيحائيّ، فاللغة مادّة هذا النسيج الذي هو الشعر، والمتوقّع أن تأتي لغة الشعر غامضةً مثل طبيعته، ومن أسباب الإبهام في العلاقات اللغوية:
أ- فقر اللغة وقصورها في الإفصاح عن عواطف الشعراء ورغباتهم، ولهذا يلجأ الشعراء إلى ما يسمّى بـ ( تفجير اللغة ) بحثاً عن طاقاتها المجازيّة الكامنة.
ب- انخفاض المستوى النحويّ، فالشاعر إذا ما عدل عن قاعدة نحويّة معيّنة كان هذا العدول سبباً أو مظهراً لإبهام علاقة لغويّة ما في النصّ.
ج- الجمع بين المتنافرات، وهو ما يؤدّي إلى حدوث فجوات من التوتّر الدلاليّ، وهو ما يعرف بلاغيّاً بالطباق أو المطابقة.
د- الصورة، وهي أكثر عرضةً للالتباس الدلاليّ من غيرها من عناصر الشعر.
ه- البياض أو الفراغ، وهو المساحة البيضاء التي يتركها النصّ بعد كتابته، وهو أيضاً كلّ فراغ في متن القصيدة ينشأ عن التدوير أو التقطيع أو التنقيط..
6-وعلامات الترقيم، وهي علامات اصطلاحيّة تفكّ الاشتباك الدلاليّ بين الكلمات أو بين الجمل، ولكنّ إساءة استخدامها تجعل الكلام ملتبساً ومبهماً.
محمد محيي الدين مينو • الغموض Ambiguity:
هو التباس في المعنى أو الدلالة أو التركيب، وأفخر الشعر ما غمض، فلم يعطك غرضه إلاّ بعد مماطلة، والناقد وليم إمبسون William Empson يحدّد سبعة أنواع من الغموض في كتابه ( سبعة أنماط من الغموضSeven types of ambiguity 1930 ): ثلاثةً منها تتّصل بالنصّ، وثلاثةً أخرى تتّصل بالمؤلّف، وواحداً يتّصل بالعلاقة بين النصّ والمؤلّف، وهي : ( 1 ) أن يتضمّن النصّ عدداً من التفاصيل التي تقدّم دلالاتٍ متعددةً في وقت واحد، وهو ما يتمثّل بالاستعارات المعقّدة مثلاً، و( 2 ) أن يسمح تركيب نحويّ في النصّ بتعدّد التأويلات، وهو ما يسمّى بالتركيب النحويّ المزدوج، و( 3 ) أن يتيح النصّ فهم معنيين مختلفين في وقت واحد، وهو ما يتمثّل في بعض المفردات أو التراكيب ذات الصيغ العامّة أو الدلالات المشتركة، و( 4 ) أن تجسّد بعض التراكيب ذات المعاني المتبادلة نوعاً من التعقيد في تفكير المؤلّف، و( 5 ) أن يضطرب سياق العمل الأدبيّ بسبب تأخّر المؤلّف نفسه في اكتشاف معنى معيّن فاجأه في أثناء التأليف، أو لم يكن يقصد إليه من البداية، و( 6 ) أن تفرض التفاصيل نفسها على المؤلّف، فيضطرّ إلى حلّ تناقضاتها أو جمع جزيئاتها المتناثرة المفكّكة من خلال تفسير واحد مكتوب، أو يترك أمره للقارئ، و( 7 ) أن يؤكّد وجودُ تناقض حادّ بين تفاصيل العمل أنّ المؤلّف لم يكن واثقاً ممّا يريد قوله، بل ينبّئ عن وصوله إلى درجة من درجات التشتيت الذهنيّ.
وفي تراثنا العربيّ ردّ حازم القرطاجنيّ الغموض إلى المعنى أو إلى اللفظ، فما يرجع للمعنى أن يكون المعنى نفسه بعيد الغور، وما يرجع إلى اللفظ أن يكون اللفظ نفسه حوشيّاً أو غريباً، فيتوقّف فهم المعنى عليه، وفي نقدنا القديم يكاد أبو تمّام يكون الشاعر الوحيد الذي أثار شعره قضيّة الغموض، فقد شكا منها غير واحد من النقّاد، ورأوا أنْ لا مردّ لها إلاّ تلوّن ثقافته، فهو شاعر مثقّف من الطراز الرفيع شعريّاً وفكريّاً.
من كتاب (معجم النقد الأدبي)
تأليف: محمد محيي الدين مينو.
تحت عنوان: بين الغموض والإبهام.
انتهى
هي صرخة (محمود درويش) في إحدى افتتاحيّات مجلّة ( الكرمل )، وهي اليوم صرخة كلّ قارئ من قرّاء الشعر العربيّ.
أجرؤ اليوم أن أقول للشعراء كما قال (أبو العميثل) لـ (أبي تمّام):
- لماذا تقولون ما لا يُفهم ؟.
لقد حاولنا أن نفهم ما يقال حتّى عجزنا، وحتّى عزف الناس عن قراءة هذا الشعر الذي تحوّل إلى مجرّد ( فذلكات ) و( معمّيات )، لا طائل منها.
فكم من القصائد ترتكب باسم التجريب، وكم من الأعراف تنتهك باسم الحداثة ! أنقذونا - أيّها الشعراء - من هذا الشعر ؟.
(2)- المجاز:
لا شكّ في أنّ المجاز رخصة أو وسيلة فنّيّة للكتّاب، ولكنّه اليومَ تحوّل قناعاً أو ستاراً أو مبرّراً لكلّ ما يُكتب، فكم من الجرائم ترتكب باسمه، وكم من المعمّيات تكتب باسمه، وكم من ( الرسائل ) المغرضة توجّه باسمه ! فإذا كانت اللغة تقال على سبيل الحقيقة والمجاز معاً، فلماذا نتجنّب مواجهة الحقيقة، ونلجأ إلى المجاز ؟
محمد محيي الدين مينو /24/أكتوبر/ 2013/
محمد محيي الدين مينو • الإبهام Confusion:
أسلوب مستغلق يقوم على التَّعْمية أو الإشكال أو الالتباس، كأن يأتي صاحبه بالمعاظِل من التراكيب أو الغريب من المعاني، لا يمكن إدراك معناها إلاّ إذا شُرحت وفُسّرت، فهو أشدّ عَماءً من الغموض لانعدام أهداف محدّدة، يسعى إليها عادةً صاحب النصّ.
وللإبهام ثلاثة مظاهر:
1- الغياب الدلاليّ: وهو نتيجة من نتائج غياب الموضوع أو الغرض، وحضور الذات أو الأنا، والتجريد المفرط حتّى التحرّر من المضمون، والتركيز على أثر الشعر بدلاً من التركيز على ما يقوله، فلا يبقى أمام المتلقّي سوى تأويل المعنى.
2- التشتّت الدلاليّ: وهو مظهر من مظاهر الحداثة التي تدعو إلى تكسير التماسك وتفتيت فكرة الوحدة في سبيل تعدّد المعنى وتجدّده وإرجائه ولا نهائيّته حتّى يصعب ضبطه والتحكّم به، ومن أسباب التشتّت الدلاليّ: الادّعاء بموت المؤلّف، والتكثيف، والمجازات البعيدة، وغياب الروابط أو انقطاع العلاقات بين عناصر النصّ وتراكيبه، وروغان الدلالة..
3- إبهام العلاقات اللغويّة: لا شكّ في أنّ طبيعة الشعر الغامضة تنعكس على لغة الشعر نفسها، ولا سيّما في بعدها الإيحائيّ، فاللغة مادّة هذا النسيج الذي هو الشعر، والمتوقّع أن تأتي لغة الشعر غامضةً مثل طبيعته، ومن أسباب الإبهام في العلاقات اللغوية:
أ- فقر اللغة وقصورها في الإفصاح عن عواطف الشعراء ورغباتهم، ولهذا يلجأ الشعراء إلى ما يسمّى بـ ( تفجير اللغة ) بحثاً عن طاقاتها المجازيّة الكامنة.
ب- انخفاض المستوى النحويّ، فالشاعر إذا ما عدل عن قاعدة نحويّة معيّنة كان هذا العدول سبباً أو مظهراً لإبهام علاقة لغويّة ما في النصّ.
ج- الجمع بين المتنافرات، وهو ما يؤدّي إلى حدوث فجوات من التوتّر الدلاليّ، وهو ما يعرف بلاغيّاً بالطباق أو المطابقة.
د- الصورة، وهي أكثر عرضةً للالتباس الدلاليّ من غيرها من عناصر الشعر.
ه- البياض أو الفراغ، وهو المساحة البيضاء التي يتركها النصّ بعد كتابته، وهو أيضاً كلّ فراغ في متن القصيدة ينشأ عن التدوير أو التقطيع أو التنقيط..
6-وعلامات الترقيم، وهي علامات اصطلاحيّة تفكّ الاشتباك الدلاليّ بين الكلمات أو بين الجمل، ولكنّ إساءة استخدامها تجعل الكلام ملتبساً ومبهماً.
محمد محيي الدين مينو • الغموض Ambiguity:
هو التباس في المعنى أو الدلالة أو التركيب، وأفخر الشعر ما غمض، فلم يعطك غرضه إلاّ بعد مماطلة، والناقد وليم إمبسون William Empson يحدّد سبعة أنواع من الغموض في كتابه ( سبعة أنماط من الغموضSeven types of ambiguity 1930 ): ثلاثةً منها تتّصل بالنصّ، وثلاثةً أخرى تتّصل بالمؤلّف، وواحداً يتّصل بالعلاقة بين النصّ والمؤلّف، وهي : ( 1 ) أن يتضمّن النصّ عدداً من التفاصيل التي تقدّم دلالاتٍ متعددةً في وقت واحد، وهو ما يتمثّل بالاستعارات المعقّدة مثلاً، و( 2 ) أن يسمح تركيب نحويّ في النصّ بتعدّد التأويلات، وهو ما يسمّى بالتركيب النحويّ المزدوج، و( 3 ) أن يتيح النصّ فهم معنيين مختلفين في وقت واحد، وهو ما يتمثّل في بعض المفردات أو التراكيب ذات الصيغ العامّة أو الدلالات المشتركة، و( 4 ) أن تجسّد بعض التراكيب ذات المعاني المتبادلة نوعاً من التعقيد في تفكير المؤلّف، و( 5 ) أن يضطرب سياق العمل الأدبيّ بسبب تأخّر المؤلّف نفسه في اكتشاف معنى معيّن فاجأه في أثناء التأليف، أو لم يكن يقصد إليه من البداية، و( 6 ) أن تفرض التفاصيل نفسها على المؤلّف، فيضطرّ إلى حلّ تناقضاتها أو جمع جزيئاتها المتناثرة المفكّكة من خلال تفسير واحد مكتوب، أو يترك أمره للقارئ، و( 7 ) أن يؤكّد وجودُ تناقض حادّ بين تفاصيل العمل أنّ المؤلّف لم يكن واثقاً ممّا يريد قوله، بل ينبّئ عن وصوله إلى درجة من درجات التشتيت الذهنيّ.
وفي تراثنا العربيّ ردّ حازم القرطاجنيّ الغموض إلى المعنى أو إلى اللفظ، فما يرجع للمعنى أن يكون المعنى نفسه بعيد الغور، وما يرجع إلى اللفظ أن يكون اللفظ نفسه حوشيّاً أو غريباً، فيتوقّف فهم المعنى عليه، وفي نقدنا القديم يكاد أبو تمّام يكون الشاعر الوحيد الذي أثار شعره قضيّة الغموض، فقد شكا منها غير واحد من النقّاد، ورأوا أنْ لا مردّ لها إلاّ تلوّن ثقافته، فهو شاعر مثقّف من الطراز الرفيع شعريّاً وفكريّاً.
من كتاب (معجم النقد الأدبي)
تأليف: محمد محيي الدين مينو.
تحت عنوان: بين الغموض والإبهام.
انتهى
تعليق