العلاقة بين المتخيل السردي والواقع لنص(وغربت شمس اليوم الثامن )
للكاتب حارس الصغير ...
لقد ثبت أن أنماط الإنتاج المختلفة تتحكم بحركة الحياة الاجتماعية والفكرية والسياسية
وأن العمل الأدبي لابد أن يكون متأثرا بتلك الأنماط عن طريق مباشر أو غير المباشر على إبداع المؤلف والذي ينتمي إلى ذات البيئة موطن إبداعه ، و المتخيل السردي لا يمكن أن ينفصل عن الواقع،
ففي نص (وغربت شمس اليوم الثامن )
تجد أن الكاتب حارس الصغير من بيئة الفلاحين من صعيد مصر ، و أنه تعامل مع النص بواقعية مدركة ,
فالانتماء الطبقي الفلاحي للبطل،له جذور في وعي الكاتب لذا أعطاه إحساسا مضافا وعميقا فباتت الرؤيا واضحة رغم اختلاف الانتماء المكاني للمتلقي ، فتلك الطبقة المسحوقة والمضطهدة والمستغلة من قبل مالكي الأرض الإقطاعيين ، جعلت الكاتب يحدد مبكرا أسباب فقر البطل الذي كان يحقد في داخله على مسببي فقره ، البطل لم تكن له أمنية غير قتل هذا المارد الذي أخذ يفتك به وبطموحاته .ويمتهن كرامته الإنسانية ..لكنه يبقى عند حدود تأملية وأماني مجرد ة . لم تقترن بفعل واضح للتغيير
أوضح كاتبنا .بهذا النص الباذخ .
ثمانية أيام لم تكن أيام عادية .. بل كل يوم منها بمثابة قصة تحمل (سمات ومقومات القصة الكاملة ) لكنها في حالة ترابط تسلسلي مع بعضها البعض .. أبقى النهاية مفتوحة لتقودنا إلى يوم آخر يتجدد فيه الأمل بعودة الغائب ..
ويأتي السؤال ما أن نقرأ العنوان
لم ثمانية أيام ...؟
الزيادة هنا مقصودة .أحيانا نتمنى أن تطول الساعات ، أن تطول الأيام والليالي .. لحاجة في النفس .
هنا أضاف الكاتب يومه الثامن منطلقا من ذات الأمل بإطالة الزمان .. عل وأن يأتي الغائب المنتظر ...
الاستهلال والعودة
، بيّن الكاتب أن الغائب سيعود ، من خلال قراءة العرافة للطالع( ولكن متى ..؟ )
خلال ثمانية أيام هذا ما تنبأت به ..
والعرافة هنا رمزا للتخلف الاجتماعي ، تمد حبالا واهنة تربط الإنسان بالحياة ليقتل حالة اليأس أو العدمية التي تعشش في داخله .
حين يفقد الإنسان القدرة على معايشة الواقع بشكل سليم يلجأ لقراءة طالعه المبهم ، لتمنحه سرابا من أمل يقرب البعيد ،ويشد الإنسان للغد ، ولعل أكثر الناس تشبثا بنبوءات العرافين وقارئي الكف والطالع هم أولئك الفقراء المعدمون .
ونجد أن أهل الريف أكثر تقبلا لهذه الأفكار ، لخصب خيالهم ولشساعة المادة المتخيلة ..
طريقة السرد توحي أن ثمة حنين وشوق في قلب الأم لهذا الغائب ،
فالأم هي رمزا للعطاء ، و مثال للصبر والتضحية والإيثار كانت أكثر الشخوص تعلقا بالأمل وتشبثا بنبوءة العرافة .. لأنها جربت صدق كلامها .. كما ادعت ..
الكاتب فرض على المتلقي مشهدا دراميا من بداية النص وسار بأنساق امتدت إلى نهايته في إيقاع قلق ولكنه مشوق، وحتى حين أراد أن يضفي على روح النص نوع من الدعابة وجد نفسه ينقاد طوعا إلى كوميديا سوداء حتى لا يخل ببناء النص التراجيدي ..
من خلال البحث عن الدلالات والمعنى نجد أنفسنا .. نسبر العمل بتلقائية و فضول معرفي .. إلى العمق لنستجلي الحقائق
ولكن كلما تلمسنا طريقا للخلاص نجد أن نهايته مغلقة ..
ليبقى سؤال يلح علينا ونحن نتابع قراءة النص
من هذا الغائب ..الأب ،الأخ ، الابن ، رمزا معينا ...؟!
لا أحد يعرف.. ولو فرضنا جدلا أنه الأب فهذا غير ممكن .
لأن في بداية النص ( يذكر السارد ) أن الأم كانت تحمل طفلا رضيعا .. والرحيل جاء في اليوم الثالث. وأن النبوءة سبقت الرحيل
أذن ربما الابن أو الأخ ... لكن لا توجد إشارة أو تلميح سردي إلى ذلك
(من هو الغائب . ما هي ملامحه ..؟ّ)
ربما هو رمزا ..للأمل المنشود .. والسعادة الغائبة ..
ليبقى ذلك لغزا مبهما نقتفي أثره حتى ندركه
فهذا الاستعراض للمأساة ا لتي عاشتها العائلة يعطينا دلالات واسعة إلى أن البحث جاء كحالة خلاص من الفقر المدقع الذي كان يعيشها البطل وعائلته ..
ورغم أن البطل بقي سلبيا في تعامله مع الواقع لأنه لم يقم بعمل ثوري جاد أو يحمل أدوات لهدم بنية المجتمع الطبقية أو معالجة أدواءه من أجل التغيير .. , اعتمد قواه التخيلية ،المبنية على أحلام اليقضة المراهقة .. هو ما تمناه وعاشه بخياله ، على شكل أضغاث أحلام ,,
.. علما ( أن يوم الكاتب يوما رمزيا .. ليس كيومنا هذا ربما هو عام .. أو أكثر .. ربما هو تضمين لأحداث مهمة محطات من حياة العائلة لا تحدد بوقت ..)
محطات هذه الأيام ..
اليوم الأول،
طفولة بريئة .عفوية . حياة لا مسئولة ، وخوف طفولي من المجهول يعكسها الكاتب من خلال عرض سريالي للأحدث بوعيه المبدع , حسب تفسير فرويد عن الإبداع السريالي.. ..
وهنا نرى الكاتب قد شكل لنا لوحة من الواقع لكنها تمتاز بغرائبيتها
خوف من لص مجهول يأكل لحمه
عصافير ميته في أعشاشها شجرة متيبسة الأغصان
وبقايا نهر ..تحول إلى بركة موحلة حيث غادرته الأسماك
النص هنا أشارة بما لا يقبل الجدل إلى حالة الجدب .. والقحط.. والجفاف التي مر بها المكان .
أراد البطل وأخوه أن يعبرا عن انتمائهما لطفولتهما من خلال لعبهما البريء لكنهما يسقطان في الوحل .. كان لابد من تعنيف الأم لهما وتأكيدها أنهما لا يملكان من الملابس غير ما عليهما من ثياب
من أين (آتي لكما بملابس أخرى)
وفي اليوم الثاني، .
البراءة وروح الطفولة لا تلبث أن تفقد معناها الجميل يوما في معترك الحياة .. فنرى النص يتحول بشكل تدريجي من اللعب واللهو العفوي إلى العمل الجدي فالعائلة بحاجة إلى بيع جهد الشابين لصاحب الأرض المتجبر رغم صغر سنهما و مساعدة أبوهما في الحقل . لكن الرجل كان فضا قاسي القلب كما صوره الكاتب وحتى ولده السمين إشارة للترف والغنى الذي يعيشه و الذي كان يتعامل بنزق واستعلاء مع الشابين .. ليظهر لنا الكاتب إن هذا الاستعلاء الطبقي هو امتداد موروث فمثلما الفقير يورث الفقر لأولاده فكذلك الأرستقراطي يورث أخلاقه وسجاياه لأبنائه ، هي ليست فوارق في المستويات المعيشية فحسب بل هي ثقافة مجتمعية فلكل طبقة وشريحة اجتماعية لها ثقافتها الخاصة بها ..
وربما إن حالة الرفض التي ظهرت لدى البطل تجاه أبن صاحب الأرض هي ناتجة من التراكم الكمي والنوعي للظلم والاضطهاد الذي مورس ضد الفلاح هما مارسا الرفض .بينما الأب فضل السكوت لكونه سيفقد عمله .. وباب رزقه وهو المسئول عن عائلة من ثلاثة أبناء .. هو لا يريد أن يخسر قيده بثورته التي لن تغيير شيئا لأنها ثورة فردية ، رغم أن فلذات أكباده ضربا بقسوة .. أمامه ..
ورغم كل الذي صار لكن انتقام البطل كان بضرب الأرض بقدمه هي حالة تنفيس للثورة العارمة التي عصفت به .. .. حمل الأرض مسؤولية ما جرى له .. من ظلم .. وجور ..
أن الانتقام جاء غرائبيا لا يمت إلى الواقع بصلة حيث( أن الأرض أقسمت أنها لن تثمر أبدا ) .
. ربما هي رؤيا تأملية أراد أن يطرحها البطل أنه في حالة أن يجافي الأرض سوف لن تنتج هذه الأرض .وتعود بالخير إلى مالكها ، في حين لا يجني الفلاح لقاء بيعه لجهده إلا ما يسد رمقه ..
:
في اليوم الثالث
يتخلى الفلاح عن الأرض رافضا العمل مع مالك الأرض الذي استغله، ويرحل إلى العراق كي يجد عملا بديلا يمكنه أن يحسن حاله وحال أولاده وزوجه ، جرى وراء أمل قد يكون هو الآخر سراب ليبيع جهده لمالك ومستغل آخر .ويضع نفسه في خدمة الغير. متحملا الغربة وآلام الفراق ، لأهداف واضحة ولكن النتائج تبقى غير واضحة المعالم ..
رغم الفرح الذي ساد وكأن ذلك يوم عيد للفلاحين هو يوم الخلاص من الفقر والعوز المادي
صاحب البالطو الأصفر ..يقودهم إلى رحلة ألا عودة ..
في ذلك القطار الذي مضى
وفي اليوم الثالث أيضا
الذي لا أعرف أن الكاتب هل أخطأ العد أم الرقم ثلاثة تكرر بشكل مقصود ( وأعتقد انه سقط سهوا ) ..لأن لا أشارة تبين أن التكرار جاء بقصدية .. هنا يريد الكاتب تعميق المآساة وأن الرحلة التي ذهب بها الأب لم تثمر بعد ، وانقطع الرجاء و عملت الأم كخادمة ،
في أشارة إلى أن الأب لم يرسل ما يعينهم على تحمل أعباء المعيشة .
وفي اليوم الرابع
تموت شقيقته لعدم امتلاكهم أجرة الطبيب
وقد بكت شبابها الضائع قبل أن تبكيها القرية ويحملوها ليواروا جسدها التراب
وفي اليوم الخامس
يتطلعون للطائرات ويطلبون منها أن تأتي بالغائب ، تحولت الطائرات إلى غربان تقبض على فأر وهو إشارة إلى الخراب القادم .هذه الرسم السريالي للجمل المنحوتة بإتقان يجعلنا نعتقد أن ورائها يكمن خزين من الهم والمعاناة لم تأت بشكل اعتباطي غير مقصود ،
فالطائرات في السماء أمل محلق ..وأحلام بريئة .. ما لبثت أن تتحول إلى كوابيس ، لأن الغراب ونعيقه هو في الموروث الشعبي لكثير من الشعوب يعني الشؤم .. ولكن حتى هذا الطائر المشئوم تجده يجد قوته ويأكل ويحلق عاليا ..
إلا عائلته فقد بلغ بها الأمر إنها تبات ليالي على ما تصبح به من جوع..
أن هذه الصورة المأساوية التي رسمها الكاتب قد يكون مبالغا فيها من باب تعميق المأساة ، وليس واقعا عاما ولكن يبقى الفقر داء قاتلا .
وفي اليوم السادس
يسقط حبه صريعا أمام سطوة المال .فحبيبته الجميلة تزوجت من رجل غني عنده بيت كبير وتلفزيون ودش .. أن قمة صراعه تتجلى في أنه يحاول ذبح من كان سببا في هذا الفقر او ربما هو الفقر ذاته
وفي اليوم السابع
الذي تنتنهي فيه أيام الأسبوع تأتي جارتهم لتخبرها عن الحروب الدائرة لم يحدد حربا معينة لكنه أوحى أنها حرب الخليج لأن الأب ذهب للعراق
وأن ذلك الغائب قد يكون ضمن ضحايا الحروب فهو ربما قتيل من قتلاها ,
أن الكاتب أستطاع أن يدخلنا في ازدواجية من التخمين الافتراضي أولهما الأب ,,
وثانيهما الأمل الذي يخلصهما من فقرهما .. وكلاهما منقذ
أما اليوم الثامن
فقد أخذ هذا اليوم بعدين
أولهما افتراضي أنه أراد أن يصنع المستحيل من خلال أحلامه ويوجد يوما زمانيا أخرا مضافا إلى الأسبوع ليكون مكملا لأحلام العائلة الضائعة ،
وثانيهما امتداد طبيعي لباقي الأيام أنه أراد أن يشير إلى استمرارية الحياة وأن ما انتهى إليه اليوم السابع سيعاد مرة أخرى
وهو إشارة ضمنية إلى أن الفقير يظل فقيرا لأن الآمال والأماني ، والأحلام تبقى سلاح عاجز لا يحقق شيئا ,
الكاتب لم يترك اليوم يذهب سدى دون قفلة موجعة
بعضها ردات فعل آنية للبطل حين يضرب المدير بالقلم وأخرى أفعال دون كيشوتيه حين كان يحارب دون كيشوت طواحين الهواء
بطلنا يضرب الأرض بقدميه ، أو يذبح ذلك المجهول الذي يتربص به
و بعضها حالة استسلام للقضاء القدر
وبكاء ونحيب للأم
ليبقى الأمل في النص كفنار يتطلع إليه الكثير للوصول لبر الأمان يلوح على وجوههم وهم يقفون عند المرافيء
في انتظار الغائب ...
للكاتب حارس الصغير ...
لقد ثبت أن أنماط الإنتاج المختلفة تتحكم بحركة الحياة الاجتماعية والفكرية والسياسية
وأن العمل الأدبي لابد أن يكون متأثرا بتلك الأنماط عن طريق مباشر أو غير المباشر على إبداع المؤلف والذي ينتمي إلى ذات البيئة موطن إبداعه ، و المتخيل السردي لا يمكن أن ينفصل عن الواقع،
ففي نص (وغربت شمس اليوم الثامن )
تجد أن الكاتب حارس الصغير من بيئة الفلاحين من صعيد مصر ، و أنه تعامل مع النص بواقعية مدركة ,
فالانتماء الطبقي الفلاحي للبطل،له جذور في وعي الكاتب لذا أعطاه إحساسا مضافا وعميقا فباتت الرؤيا واضحة رغم اختلاف الانتماء المكاني للمتلقي ، فتلك الطبقة المسحوقة والمضطهدة والمستغلة من قبل مالكي الأرض الإقطاعيين ، جعلت الكاتب يحدد مبكرا أسباب فقر البطل الذي كان يحقد في داخله على مسببي فقره ، البطل لم تكن له أمنية غير قتل هذا المارد الذي أخذ يفتك به وبطموحاته .ويمتهن كرامته الإنسانية ..لكنه يبقى عند حدود تأملية وأماني مجرد ة . لم تقترن بفعل واضح للتغيير
أوضح كاتبنا .بهذا النص الباذخ .
ثمانية أيام لم تكن أيام عادية .. بل كل يوم منها بمثابة قصة تحمل (سمات ومقومات القصة الكاملة ) لكنها في حالة ترابط تسلسلي مع بعضها البعض .. أبقى النهاية مفتوحة لتقودنا إلى يوم آخر يتجدد فيه الأمل بعودة الغائب ..
ويأتي السؤال ما أن نقرأ العنوان
لم ثمانية أيام ...؟
الزيادة هنا مقصودة .أحيانا نتمنى أن تطول الساعات ، أن تطول الأيام والليالي .. لحاجة في النفس .
هنا أضاف الكاتب يومه الثامن منطلقا من ذات الأمل بإطالة الزمان .. عل وأن يأتي الغائب المنتظر ...
الاستهلال والعودة
، بيّن الكاتب أن الغائب سيعود ، من خلال قراءة العرافة للطالع( ولكن متى ..؟ )
خلال ثمانية أيام هذا ما تنبأت به ..
والعرافة هنا رمزا للتخلف الاجتماعي ، تمد حبالا واهنة تربط الإنسان بالحياة ليقتل حالة اليأس أو العدمية التي تعشش في داخله .
حين يفقد الإنسان القدرة على معايشة الواقع بشكل سليم يلجأ لقراءة طالعه المبهم ، لتمنحه سرابا من أمل يقرب البعيد ،ويشد الإنسان للغد ، ولعل أكثر الناس تشبثا بنبوءات العرافين وقارئي الكف والطالع هم أولئك الفقراء المعدمون .
ونجد أن أهل الريف أكثر تقبلا لهذه الأفكار ، لخصب خيالهم ولشساعة المادة المتخيلة ..
طريقة السرد توحي أن ثمة حنين وشوق في قلب الأم لهذا الغائب ،
فالأم هي رمزا للعطاء ، و مثال للصبر والتضحية والإيثار كانت أكثر الشخوص تعلقا بالأمل وتشبثا بنبوءة العرافة .. لأنها جربت صدق كلامها .. كما ادعت ..
الكاتب فرض على المتلقي مشهدا دراميا من بداية النص وسار بأنساق امتدت إلى نهايته في إيقاع قلق ولكنه مشوق، وحتى حين أراد أن يضفي على روح النص نوع من الدعابة وجد نفسه ينقاد طوعا إلى كوميديا سوداء حتى لا يخل ببناء النص التراجيدي ..
من خلال البحث عن الدلالات والمعنى نجد أنفسنا .. نسبر العمل بتلقائية و فضول معرفي .. إلى العمق لنستجلي الحقائق
ولكن كلما تلمسنا طريقا للخلاص نجد أن نهايته مغلقة ..
ليبقى سؤال يلح علينا ونحن نتابع قراءة النص
من هذا الغائب ..الأب ،الأخ ، الابن ، رمزا معينا ...؟!
لا أحد يعرف.. ولو فرضنا جدلا أنه الأب فهذا غير ممكن .
لأن في بداية النص ( يذكر السارد ) أن الأم كانت تحمل طفلا رضيعا .. والرحيل جاء في اليوم الثالث. وأن النبوءة سبقت الرحيل
أذن ربما الابن أو الأخ ... لكن لا توجد إشارة أو تلميح سردي إلى ذلك
(من هو الغائب . ما هي ملامحه ..؟ّ)
ربما هو رمزا ..للأمل المنشود .. والسعادة الغائبة ..
ليبقى ذلك لغزا مبهما نقتفي أثره حتى ندركه
فهذا الاستعراض للمأساة ا لتي عاشتها العائلة يعطينا دلالات واسعة إلى أن البحث جاء كحالة خلاص من الفقر المدقع الذي كان يعيشها البطل وعائلته ..
ورغم أن البطل بقي سلبيا في تعامله مع الواقع لأنه لم يقم بعمل ثوري جاد أو يحمل أدوات لهدم بنية المجتمع الطبقية أو معالجة أدواءه من أجل التغيير .. , اعتمد قواه التخيلية ،المبنية على أحلام اليقضة المراهقة .. هو ما تمناه وعاشه بخياله ، على شكل أضغاث أحلام ,,
.. علما ( أن يوم الكاتب يوما رمزيا .. ليس كيومنا هذا ربما هو عام .. أو أكثر .. ربما هو تضمين لأحداث مهمة محطات من حياة العائلة لا تحدد بوقت ..)
محطات هذه الأيام ..
اليوم الأول،
طفولة بريئة .عفوية . حياة لا مسئولة ، وخوف طفولي من المجهول يعكسها الكاتب من خلال عرض سريالي للأحدث بوعيه المبدع , حسب تفسير فرويد عن الإبداع السريالي.. ..
وهنا نرى الكاتب قد شكل لنا لوحة من الواقع لكنها تمتاز بغرائبيتها
خوف من لص مجهول يأكل لحمه
عصافير ميته في أعشاشها شجرة متيبسة الأغصان
وبقايا نهر ..تحول إلى بركة موحلة حيث غادرته الأسماك
النص هنا أشارة بما لا يقبل الجدل إلى حالة الجدب .. والقحط.. والجفاف التي مر بها المكان .
أراد البطل وأخوه أن يعبرا عن انتمائهما لطفولتهما من خلال لعبهما البريء لكنهما يسقطان في الوحل .. كان لابد من تعنيف الأم لهما وتأكيدها أنهما لا يملكان من الملابس غير ما عليهما من ثياب
من أين (آتي لكما بملابس أخرى)
وفي اليوم الثاني، .
البراءة وروح الطفولة لا تلبث أن تفقد معناها الجميل يوما في معترك الحياة .. فنرى النص يتحول بشكل تدريجي من اللعب واللهو العفوي إلى العمل الجدي فالعائلة بحاجة إلى بيع جهد الشابين لصاحب الأرض المتجبر رغم صغر سنهما و مساعدة أبوهما في الحقل . لكن الرجل كان فضا قاسي القلب كما صوره الكاتب وحتى ولده السمين إشارة للترف والغنى الذي يعيشه و الذي كان يتعامل بنزق واستعلاء مع الشابين .. ليظهر لنا الكاتب إن هذا الاستعلاء الطبقي هو امتداد موروث فمثلما الفقير يورث الفقر لأولاده فكذلك الأرستقراطي يورث أخلاقه وسجاياه لأبنائه ، هي ليست فوارق في المستويات المعيشية فحسب بل هي ثقافة مجتمعية فلكل طبقة وشريحة اجتماعية لها ثقافتها الخاصة بها ..
وربما إن حالة الرفض التي ظهرت لدى البطل تجاه أبن صاحب الأرض هي ناتجة من التراكم الكمي والنوعي للظلم والاضطهاد الذي مورس ضد الفلاح هما مارسا الرفض .بينما الأب فضل السكوت لكونه سيفقد عمله .. وباب رزقه وهو المسئول عن عائلة من ثلاثة أبناء .. هو لا يريد أن يخسر قيده بثورته التي لن تغيير شيئا لأنها ثورة فردية ، رغم أن فلذات أكباده ضربا بقسوة .. أمامه ..
ورغم كل الذي صار لكن انتقام البطل كان بضرب الأرض بقدمه هي حالة تنفيس للثورة العارمة التي عصفت به .. .. حمل الأرض مسؤولية ما جرى له .. من ظلم .. وجور ..
أن الانتقام جاء غرائبيا لا يمت إلى الواقع بصلة حيث( أن الأرض أقسمت أنها لن تثمر أبدا ) .
. ربما هي رؤيا تأملية أراد أن يطرحها البطل أنه في حالة أن يجافي الأرض سوف لن تنتج هذه الأرض .وتعود بالخير إلى مالكها ، في حين لا يجني الفلاح لقاء بيعه لجهده إلا ما يسد رمقه ..
:
في اليوم الثالث
يتخلى الفلاح عن الأرض رافضا العمل مع مالك الأرض الذي استغله، ويرحل إلى العراق كي يجد عملا بديلا يمكنه أن يحسن حاله وحال أولاده وزوجه ، جرى وراء أمل قد يكون هو الآخر سراب ليبيع جهده لمالك ومستغل آخر .ويضع نفسه في خدمة الغير. متحملا الغربة وآلام الفراق ، لأهداف واضحة ولكن النتائج تبقى غير واضحة المعالم ..
رغم الفرح الذي ساد وكأن ذلك يوم عيد للفلاحين هو يوم الخلاص من الفقر والعوز المادي
صاحب البالطو الأصفر ..يقودهم إلى رحلة ألا عودة ..
في ذلك القطار الذي مضى
وفي اليوم الثالث أيضا
الذي لا أعرف أن الكاتب هل أخطأ العد أم الرقم ثلاثة تكرر بشكل مقصود ( وأعتقد انه سقط سهوا ) ..لأن لا أشارة تبين أن التكرار جاء بقصدية .. هنا يريد الكاتب تعميق المآساة وأن الرحلة التي ذهب بها الأب لم تثمر بعد ، وانقطع الرجاء و عملت الأم كخادمة ،
في أشارة إلى أن الأب لم يرسل ما يعينهم على تحمل أعباء المعيشة .
وفي اليوم الرابع
تموت شقيقته لعدم امتلاكهم أجرة الطبيب
وقد بكت شبابها الضائع قبل أن تبكيها القرية ويحملوها ليواروا جسدها التراب
وفي اليوم الخامس
يتطلعون للطائرات ويطلبون منها أن تأتي بالغائب ، تحولت الطائرات إلى غربان تقبض على فأر وهو إشارة إلى الخراب القادم .هذه الرسم السريالي للجمل المنحوتة بإتقان يجعلنا نعتقد أن ورائها يكمن خزين من الهم والمعاناة لم تأت بشكل اعتباطي غير مقصود ،
فالطائرات في السماء أمل محلق ..وأحلام بريئة .. ما لبثت أن تتحول إلى كوابيس ، لأن الغراب ونعيقه هو في الموروث الشعبي لكثير من الشعوب يعني الشؤم .. ولكن حتى هذا الطائر المشئوم تجده يجد قوته ويأكل ويحلق عاليا ..
إلا عائلته فقد بلغ بها الأمر إنها تبات ليالي على ما تصبح به من جوع..
أن هذه الصورة المأساوية التي رسمها الكاتب قد يكون مبالغا فيها من باب تعميق المأساة ، وليس واقعا عاما ولكن يبقى الفقر داء قاتلا .
وفي اليوم السادس
يسقط حبه صريعا أمام سطوة المال .فحبيبته الجميلة تزوجت من رجل غني عنده بيت كبير وتلفزيون ودش .. أن قمة صراعه تتجلى في أنه يحاول ذبح من كان سببا في هذا الفقر او ربما هو الفقر ذاته
وفي اليوم السابع
الذي تنتنهي فيه أيام الأسبوع تأتي جارتهم لتخبرها عن الحروب الدائرة لم يحدد حربا معينة لكنه أوحى أنها حرب الخليج لأن الأب ذهب للعراق
وأن ذلك الغائب قد يكون ضمن ضحايا الحروب فهو ربما قتيل من قتلاها ,
أن الكاتب أستطاع أن يدخلنا في ازدواجية من التخمين الافتراضي أولهما الأب ,,
وثانيهما الأمل الذي يخلصهما من فقرهما .. وكلاهما منقذ
أما اليوم الثامن
فقد أخذ هذا اليوم بعدين
أولهما افتراضي أنه أراد أن يصنع المستحيل من خلال أحلامه ويوجد يوما زمانيا أخرا مضافا إلى الأسبوع ليكون مكملا لأحلام العائلة الضائعة ،
وثانيهما امتداد طبيعي لباقي الأيام أنه أراد أن يشير إلى استمرارية الحياة وأن ما انتهى إليه اليوم السابع سيعاد مرة أخرى
وهو إشارة ضمنية إلى أن الفقير يظل فقيرا لأن الآمال والأماني ، والأحلام تبقى سلاح عاجز لا يحقق شيئا ,
الكاتب لم يترك اليوم يذهب سدى دون قفلة موجعة
بعضها ردات فعل آنية للبطل حين يضرب المدير بالقلم وأخرى أفعال دون كيشوتيه حين كان يحارب دون كيشوت طواحين الهواء
بطلنا يضرب الأرض بقدميه ، أو يذبح ذلك المجهول الذي يتربص به
و بعضها حالة استسلام للقضاء القدر
وبكاء ونحيب للأم
ليبقى الأمل في النص كفنار يتطلع إليه الكثير للوصول لبر الأمان يلوح على وجوههم وهم يقفون عند المرافيء
في انتظار الغائب ...
تعليق