تحرّك القطار من المحطة.. كان هو كغير عادته في مثل هذه الرحلات.. عندما توكل إليه مهمة من الواجب تنفيذها بدون نقاش _الحرص على الإتقان والدقة في التنفيذ لنجاح المهمة_ كان فرحًا لمرافقتها له، وجودها معه كمناضلة متمرّسة أدخل الطمأنينة إلى قلبه، شعرها الليلي يداعبه النسيم، أحسّه كسيمفونية تتخلل السهول والوديان الممتدة بامتداد سرعة القطار، تحسس مافي حقيبته، وتحسست هي أيضًا حقيبتها الصغيرة المربوطة باحكام حول خصرها.
قال لها:
- أنا مبهور بك
- وما سرّ ذلك؟
- لأنك مناضلة
ردت بصوت يخالطه الألم:
- لكنني من وطن جريح، وأنت من قلب أفريقيا
- أتمنحينني الاستقرار؟
فهمت مقصده أو تجاهلته فقالت:
- أتعتبر نفسك غير مستقر؟ فكرتْ قليلًا ثم مازحته قائلة:
- مقابل ماذا؟
- الوطن
اعتدلت في جلستها فسألته بين العبث والجدية:
- أتستطيع أن تمنحني الوطن حقًا؟
- أن يكون كل منّا وطنًا للآخر
- أليس هذا هروبًا من الواقع؟ هل سيسامحني أخي الشهيد، إن انشغلت عن الثأر له بشيء آخر غير الوطن؟ لا أنكر أنك مناضل من أجل الحرية.
- وأنت امرأة تتسامى فوق الجراح
- هل السعادة شيء كهذا؟
- السعادة أن نحسّ ببعضنا ونفرح لانتصار بعضنا.
توقف القطار.. أمرهما العسكري بالنزول. تم تفتيشهما وجدوا كيسًا صغيرًا داخل حقيبتها، وآخر داخل حقيبته.
ابتسم العسكري منتصرًا وسأل:
- أأنتما معًا؟
- نعم نحن معًا
أقتادهما إلى مبنى واسع يخيّل إليك بأن لا أحد غيرهما فيه، أدركا أنهما مقبلان على شيء يجهلانه. وقع أقدام ثقيلة قادمة إليهما ثمانية رجال بزيّهم العسكري مدججين بالسلاح.
قال أحدهم:
- أنت حاربت مع العدو ضدنا في سنة ثمانية وأربعين
- لا سيدي نحن لم نحارب لو أننا حاربنا لما كنا خارج الوطن هذه أكذوبة سيدي
- إذن حاربتم في سبعة وستين
- لاسيدي هذه أكذوبة أخرى لو أننا حاربنا لما طاشت النبال
- لم تكن نبال كانت مدافع وطائرات أيها البدائي
- سيدي لم نحارب
- إذن تعاون في اعترافك لنا، كن محترمًا أيها الـ...
- نحن تعلمنا هذا منكم سيدي، الاعتراف والاحترام علمتمونا أن نتهجأ لكم س ي د ي .. هذا شرف لمعسكرات الجهاد أقصد لمدارس الاجتهاد التي كانت تتهجأ أولًا ألف الله ثم ألف الوطن وأقسم إننا لم نحاربكم سيدي.
دخلت عليهم امرأة متربصة، فارعة الطول، شقراء، ترتدي أيضًا زيًّا عسكريًا، في عينيها الخضراوين حزم، تذكرني بقطتنا، قبل أن يلمس كلب جيراننا طعامها، همستْ لأكبرهم وسلمته أكياسهما مع تقرير من عدة صفحات بعدها ضحكوا جميعًا. هل سيعدمونهم رميًا بالرصاص؟ سار بخيلاء نحوهما ودار من حولهما وقال:
- يالكم من معتوهين أتحملون ترابًا داخل حقائبكم؟
من الواضح أنهم لايعرفون قيمته يجهلون ثمنه! وقذف بكيسيهما وكاد أن يتناثر التراب لولا رشاقة الفتاة في إلتقاطهما.. فقالت :
- كاد أن يتناثر ويضيع منّا!
قال كبيرهم وهو ضاحكًا:
- كدت تؤذين نفسك من أجل حفنة من تراب
أطلقوا سراحهما وكان تقريرهم: لم يكونا أكثر من معتوهين يستمتعان بأكياس من التراب، أنهم أُناس بسطاء، وحرصًا منّا على سلامتهم واجب علينا رعايتهما، ومراقبتهما مدى الحياة! لا للإرهاب، نعم للمستوطنات.
واصلا رحلتهما في القطار الآخر قالت وهي تطالع السهول والوديان:
- كنت أتصور أنني وحدي من تحمل تراب وطنها داخل حقيبتها؟
قال بكثير من الارتياح:
- إننا ممزوجان بإحساس واحد وقضايا وهموم مشتركة وكلانا لايمكن له العيش
دون الآخر.
ضحكا سويًا وهما يرددان:
أنتما مجرد معتوهين تستمتعان بأكياس من التراب.
الخرطوم/22/9/2012
يحيى البحاري
قال لها:
- أنا مبهور بك
- وما سرّ ذلك؟
- لأنك مناضلة
ردت بصوت يخالطه الألم:
- لكنني من وطن جريح، وأنت من قلب أفريقيا
- أتمنحينني الاستقرار؟
فهمت مقصده أو تجاهلته فقالت:
- أتعتبر نفسك غير مستقر؟ فكرتْ قليلًا ثم مازحته قائلة:
- مقابل ماذا؟
- الوطن
اعتدلت في جلستها فسألته بين العبث والجدية:
- أتستطيع أن تمنحني الوطن حقًا؟
- أن يكون كل منّا وطنًا للآخر
- أليس هذا هروبًا من الواقع؟ هل سيسامحني أخي الشهيد، إن انشغلت عن الثأر له بشيء آخر غير الوطن؟ لا أنكر أنك مناضل من أجل الحرية.
- وأنت امرأة تتسامى فوق الجراح
- هل السعادة شيء كهذا؟
- السعادة أن نحسّ ببعضنا ونفرح لانتصار بعضنا.
توقف القطار.. أمرهما العسكري بالنزول. تم تفتيشهما وجدوا كيسًا صغيرًا داخل حقيبتها، وآخر داخل حقيبته.
ابتسم العسكري منتصرًا وسأل:
- أأنتما معًا؟
- نعم نحن معًا
أقتادهما إلى مبنى واسع يخيّل إليك بأن لا أحد غيرهما فيه، أدركا أنهما مقبلان على شيء يجهلانه. وقع أقدام ثقيلة قادمة إليهما ثمانية رجال بزيّهم العسكري مدججين بالسلاح.
قال أحدهم:
- أنت حاربت مع العدو ضدنا في سنة ثمانية وأربعين
- لا سيدي نحن لم نحارب لو أننا حاربنا لما كنا خارج الوطن هذه أكذوبة سيدي
- إذن حاربتم في سبعة وستين
- لاسيدي هذه أكذوبة أخرى لو أننا حاربنا لما طاشت النبال
- لم تكن نبال كانت مدافع وطائرات أيها البدائي
- سيدي لم نحارب
- إذن تعاون في اعترافك لنا، كن محترمًا أيها الـ...
- نحن تعلمنا هذا منكم سيدي، الاعتراف والاحترام علمتمونا أن نتهجأ لكم س ي د ي .. هذا شرف لمعسكرات الجهاد أقصد لمدارس الاجتهاد التي كانت تتهجأ أولًا ألف الله ثم ألف الوطن وأقسم إننا لم نحاربكم سيدي.
دخلت عليهم امرأة متربصة، فارعة الطول، شقراء، ترتدي أيضًا زيًّا عسكريًا، في عينيها الخضراوين حزم، تذكرني بقطتنا، قبل أن يلمس كلب جيراننا طعامها، همستْ لأكبرهم وسلمته أكياسهما مع تقرير من عدة صفحات بعدها ضحكوا جميعًا. هل سيعدمونهم رميًا بالرصاص؟ سار بخيلاء نحوهما ودار من حولهما وقال:
- يالكم من معتوهين أتحملون ترابًا داخل حقائبكم؟
من الواضح أنهم لايعرفون قيمته يجهلون ثمنه! وقذف بكيسيهما وكاد أن يتناثر التراب لولا رشاقة الفتاة في إلتقاطهما.. فقالت :
- كاد أن يتناثر ويضيع منّا!
قال كبيرهم وهو ضاحكًا:
- كدت تؤذين نفسك من أجل حفنة من تراب
أطلقوا سراحهما وكان تقريرهم: لم يكونا أكثر من معتوهين يستمتعان بأكياس من التراب، أنهم أُناس بسطاء، وحرصًا منّا على سلامتهم واجب علينا رعايتهما، ومراقبتهما مدى الحياة! لا للإرهاب، نعم للمستوطنات.
واصلا رحلتهما في القطار الآخر قالت وهي تطالع السهول والوديان:
- كنت أتصور أنني وحدي من تحمل تراب وطنها داخل حقيبتها؟
قال بكثير من الارتياح:
- إننا ممزوجان بإحساس واحد وقضايا وهموم مشتركة وكلانا لايمكن له العيش
دون الآخر.
ضحكا سويًا وهما يرددان:
أنتما مجرد معتوهين تستمتعان بأكياس من التراب.
الخرطوم/22/9/2012
يحيى البحاري
تعليق