كتاب المؤنس
في
اخبار افريقية و تونس
تاليف
الفقيه النبيه العلامة ابي عبد الله الشيخ
محمد بن ابي القاسم الرعيني القيرواني
المعروف
بابن ابي دينار
عن / الطبعة الاولى بمطبعة الدولة التونسية بحاضرتها المحمية سنة 1286هجري
************************************************** *************
154المؤنس في أخبار.jpg
الباب الثاني
في التعريف بافريقية
افريقية من بلاد المغرب و عند أهل العلم إن أطلق اسم افريقية فإنما يعنون به بلد القيروان و أما أهل السير فيجعلونه إقليما مستقلا و له حدوده و لهم اختلاف فيه و افريقية أوسط بلاد المغرب و خير الأمور أوسطها .
و قيل إنما سمّيت افريقية لأنها فرّقت بين المشرق و المغرب و لا يفرق بين الاثنين إلا أحسنهما .
و قيل سميت افريقية باسم أهلها و هم الأفارقة و الأفارقة من ولد فاروق بن مصرا يم.
و قال آخرون الأفارقة من ذرّيّة قوط بن حام بن نوح عليه السّلام سمّوا بإسم البلاد .
و قيل إنّ إفريقش بن أبرهة بن ذي القرنين لما غزا بلاد المغرب بني مدينة سميت باسمه فقالوا افريقية و سموا أهلها الأفارقة ذكره المقريزي .
و قيل اسمه افريقين بن قيس بن صفي الحميري افتتحها و قتل ملكها جرجير فسميت به و يومئذ قال لاهلها ما اكثر بربرتكم فسموا بربر قاله ابن خلكان .
و قيل اسمه افريقس بالسين المهملة فعربتها العرب بالشين المعجمة .
و نقل ابن الشباط عن بعضهم انه كان يقول اسمها ابريقية من البريق لان سماءها خال من السحب حتى قال بعضهم أن القيروان لا تخلو من السحب في غالب السنة و يعبر عن فحص القيروان بمزاق لان السحب تتمزق منه حتى قال بعضهم تنشا السحابة بالقيروان و تمطر بصقلية و غالب بلاد افريقية كثيرة البرد و الأمطار و غالب الأوقات لا تخلو من السحب .
و سمعت بعض الفقهاء يقول معنى قوله تعالى – أو لم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجزر – يعني الأرض المخرشفة على أحد التآويل و لا يوجد في غالب المعمور أكثر خرشفا من افريقية و الله أعلم ، و افريقية إقليم عظيم جمع المحاسن الجميلة ، و الفوائد الجليلة ، والمدن العظيمة...
و ها أنا أورد من تلك الأحاديث ما ثبتت صحته على وجه التبرّك ، ذكر ابن الشباط قال في كتاب مسلم حدثنا يحيي بن يحيي قال حدثنا هشام عن داوود ابن ابي عثمان عن سعد بن أبي وقاص قال" قال رسول الله صلى الله عليه و سلم – لا يزال أهل المغرب ظاهرين على الحقّ حتى تقوم السّاعة" ، و في كتاب الطبقات في علماء افريقية حدثني فرات بن محمد قال حدثنا عبد الله بن أبي حسان يحصيبي عن عبد الرحمان بن زياد عن أبي عبد الرحمان الحبلي عن عبد الله بن عمر "أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال – ليأتين أناس من أمّتي من افريقيّة يوم القيامة وجوههم أفضل نورا من نور القمر ليلة البدر" ،و ذكروا عدة أحاديث وردت في افريقية و أن المنستير باب من أبواب الجنة ، و لا شك أنّ لها فضلا و شانا و الله اعلم .
و حكي بعض المؤرخين عن عبد الرحمان بن زياد بن انعم انه قال كانت افريقية من طنجة إلى طرابلس ظلا واحدا وقرى متصلة عامرة فأخربت جميع ذلك الكاهنة و ذلك لما هزمت حسان بن النعمان الغساني بعدما فتح قرطاجنة و تونس و هزم البربر هزيمة شنيعة و فروا أمامه إلى برقة و رجع إلى القيروان فسال هل بقي واحد ممن له شوكة قوية من البربر فقيل له امرأة ساحرة يقال لها الكاهنة و هي بجبل أوراس في عدد عظيم ، فسار إليها و التقى معها فاقتتلوا اشد قتال فقتل من العرب خلق كثير و انهزم حسان و اتبعته الكاهنة حتى خرج من عمل قابس و أسرت من أصحابه ثمانين رجلا و ذلك في خلافة عبد الملك بن مروان ، و كتب حسان إلى عبد الملك يخبره بما لقي المسلمون فوافاه الجواب يأمره بالمقام حيث أدركه كتاب عبد الملك فأدركه و هو في عمل برقة فأقام هنالك خمسة أعوام بموضع يقال له قصور حسان و به سمّي إلى الآن ،و ملكت الكاهنة افريقية خمس سنين منذ انصرف حسان عنها و قالت للبربر إن العرب يطلبون من افريقية المدائن و الذهب و الفضة و نحن إنما نطلب منها المزارع و لا نرى لكم إلاّ خراب افريقية حتى ييأسوا منها و أرسلت إلى كل ناحية لقطع الشجر و الزيتون فخربت البلاد بأسرها و هدمت الحصون و كانت كلها قرى متّصلة .
و في تواريخ النصارى انّه كان لملك افريقية و هو صاحب قرطاجنة مائة ألف جفن بين حصن و مدينة يحكم عليها و انّه لما غزا رومة المدائن أخذ من كل بلدة رجلا و دينارا و سار إليها على ناحية المغرب على بحر الزقاق من ناحية الأندلسية و أفرنجة و أناخ على رومة وحاصرها حصارا شديدا و بعث صاحب رومة عسكره في البحر إلى قرطاجنة و أناخ عليها ووقع القتال بينهم على وادي بجردة و كان بينهم قتال شديد و كان الخيالة من أهل قرطاجنة ثمانين ألفا غير الرجالة فعند ذلك رحل صاحب قرطاجنة عن رومة و رجع إلى بلاده و من ذلك الوقت بقيت الأفارقة في الأندلسية و ملكوها مئين من السنين و الله اعلم .
و قال الملشوني لم يدخل افريقية نبي قط وأوّل من دخلها بالإيمان حواري عيسى عليه السلام ، قلت الحواري الذي دخلها اسمه متّى العشار و قتل بقرطاجنة و هو أول من كتب الإنجيل بلسان العبراني بعد رفع المسيح بتسع سنين ، و قال غيره بل دخلها نبيّ الله خالد بن سنان العبسي و كان في زمن الفتوة و لكن لم يدخلها بدعوة وهو مدفون في المغرب في بلدة بسكرة و أنكر بعض الفقهاء ذلك و صححه آخرون و الشيخ التواتي ممن أثبته أنه هو .
و رأيت بخطّ والدي رحمة الله عليه قال حضرت الشيخ المذكور و هو متوجّه لزيارة نبي الله خالد بن سنان العبسي وله كتاب صنّفه الشيخ و ثبت عنده صحّته و هو في تلك البلاد يسمونه خالد النبيّ و يزورونه و يتبرّكون بمقامه صلى الله عليه و سلم .
و من مدن افريقية – برقة- و طرابلس- و غدامس- و فزان- و اوجلة-وودان- وكوار- و قفصة- و قسطيلية – و قابس- و جربة- و تيهرت- و باجة- و الاربس- و شقبنارية- وصبرة- وسبيطلة- وباغاية- و لميس- و اذنة- و درعة- و مجانة- و سوسة – و بنزرت- و زغوان- و جلولا- و قرطاجنة- و تونس- وكل هذه وقع عليها الفتح ، و إنما كانت دار الملك أولا في قديم الزمان بقرطاجنة لما كانت بيد الافارقة الاغريقيين الى ان دخلت عليهم البربر من بلاد المشرق بعد ما قتل ملكهم جالوت و تفرقوا في البلاد فانحاز أكثرهم الى افريقية و المغرب و استوطنوا البلاد سهلها ووعرها الى ان ظهر فيهم دين النصرانية فتغلبت الروم على سواحل البلاد و صارت الى من لهم ذمة ، و كانت قرطاجنة اعظم مدن المغرب و هي قديمة البناء قال بعضهم انها بنيت في زمن داوود عليه السلام و ان بين بنائها و بناء رومة اثنتين و سبعين سنة و لم يذكر ما السابق منهما ، قلت هذا بعيد جدا الا ان يكون بناءها الثاني او الثالث لقول احد المفسرين ان الذي كان يأخذ كل سفينة غصبا هو صاحب قرطاجنة ، و موسى كان قبل داوود عليهما السلام بزمان طويل ، و ذكر ان مجمع البحرين برادس و الجدار بالمحمدية و هي طنبذة و أهل تلمسان أيضا يسمون بلدهم بالجدار الى الان و الله أعلم .
و يشهد لقدمها ما روته الثقاة عن عبد الرحمان بن زياد بن أنعم قال "كنت و انا غلام مع عمّي بقطاجنة نتمشى في آثارها و نعتبر بعجائبها فاذا بقبر مكتوب بالحميرية – أنا عبد الله بن الاواسي رسول رسول الله صالح ، وفي رواية بعضهم – شعيب بعثني الى اهل هذه القرية ادعوهم الى الله تعالى أتيتهم ضحى فقتلوني ظلما حسيبهم الله ، و ذكر بعض المؤرخين أن موسى بن نصير لما فتح الاندلسية ذكر له بها شيخ كبير فدعا به فإذا الشيخ وقعت حاجباه على عينيه فقال له أخبرني كم أتى عليك من السنين – قال خمسمائة عام – فسأله عن أشياء فأجابه إلى أن قال له – أين بلدك –قال- قرطاجنة –قال له –كم عمرت بها – قال- ثلثمائة عام و بهذه البلاد مائتي عام –فسأله عن خبر بناء قرطاجنة –فقال – بقية من قوم عاد الذين أهلكهم الله بالريح العقيم فعمّروها ما شاء الله ثم خربت و بقيت الف سنة خرابا حتى أتى النمرود بن لاوذ بن النمرود الجبار فبناها على البناء الأول ثم احتاج الى الماء العذب فبعث الى ابيه و كان أبوه بالشام و العراق و عمّه على السند و الهند فأرسل اليه أبوه المهندسين و الفعلة فهندسوا له الماء حتى أوصلوه الى المدينة و مكثوا يرتادون الماء اربعين سنة ، و لما حفروا أساسه وجدوا حجرا مكتوبا عليه بالخط الاول سبب خراب هذه المدينة إذا ظهر فيها الملح فبينما نحن ذات يوم عند غدير بدار الصناعة بقرطاجنة اذ نحن بالملح منعقد على الحجر فعند ذلك رحلت الى هنا و من كان على مثل رأي في ذلك ، و سأله عن عمر الملك فقال – عمر سبعمائة عام و الله أعلم -.
و هذه الحناية من اعجوبة الدنيا و اذا افتخر المصريون بالاهرام نفتخر اهل افريقية بهذه الحناية على مصر لان اصل الماء منبعث من عير جنقار و اليوم اسمها الحميدية و هي وراء زغوان بمسافة بعيدة و جلبوا ماء زغوان معها و كلما وجدوا في طريقهم ماء جلبوه من اليمين و الشمال عدة فراسخ و كانت من أولها الى آخرها محفوفة بالبساتين و الامياه جارية بينها .
و في تواريخ النصارى أن طول مسافة الحناية من منبعثها الى المدينة ستون ميلا على الاستقامة و بتعريجها وعطفاتها ثلثمائة ميل و نيف و ثلثون ميلا و انها كملت في ثلثمائة سنة و اربع سنين ، قلت لا يستغرب طول هذه المدة لان هذا البناء من اغرب الابنية و اذا كان طولها ثلثمائة ميل و نيف و ثلثين ميلا فلا يبعد ان يكون البناء في كل سنة ميلا مع هذا الاتقان الذي بها و طول اعمار القوم و من شاهدها حكم بعقله بصحة ذلك.
وعند النصارى كان بقرطاجة ثلاثة اسوار دائرة بها البحر يضرب في سورها و هي من اعجب بلاد الله و كان تكسيرها اربعة عشر الف ذراع و هي من اعظم بلاد افريقية ، و قال البكري لو دخلها الداخل عمره لراى كل يوم اعجوبة و بها قصر يعرف بالمعلقة مفرط في العلو فيه طبقات كثيرة مطل على البحر ، قلت لم يبق مما ذكر الا هذا الاسم و بقيت خرائب بها يسمونها المعلقة الى الان ، قال و بها قصر يسمى الطياطر فيه دار الملعب و قصر يقال له ترمس فيه سوارى من رخام مفرطة في الطول يتربع على راس السارية عشرة رجال و بينهم سفرة و سبعة مواجيل تعرف بمواجيل الشيطان فيها ماء لا يدرى من اين دخلها ، قلت المواجيل موجودة ليومنا هذا ، قال و داخل المدينة مينة تدخلها السفن بشرعها و هي اليوم ملاحة عليها قصر و رباط يعرف ببرج أبي سليمان ، قلت الملاحة التي ذكرها و برج أبي سليمان هي الان البلد التي عمرها الاندلس و برج أبي سليمان بها معروف و ملاحة أخرى قريبة من أوهام المرسى و الله اعلم ايهما كانت .
قال و بها قصران من رخام يعرفان بالاختين فيهما ماء مجلوب من قبل الجوف لا يعرف من اين منبعثه ،قلت هو و الله اعلم الماء الذي عليه آبار سكرة مجلوب من الجوف من تحت الجبل الذي خلف جعفر و فيه ايضا ماء مجلوب من الجوف تحت الملاحة التي بها لانهم وجدوا ارض سكرة كثيرة المياه و الغالب عليها الرمل فحصروا الماء بتحكيم البناء العظيم و جعلوه متصلا بعضه ببعض و اداروا البناء كالحلقة لجمع الماء فيها و انحصاره و لها منفذ الى نحو قرطاجنة ، و اخبرني بعض ممن اطلع عليها انه راى المنفذ الجاري و راي بعض بنيانها من ناحية الجوف و الذي من ناحيو قمرت من تحت الملاحة ، و يقول من لا خبرة له ان هذا الماء بقصد بساتين سكرة و هذا شيء لا يفي بعضه ثمن سكرة اضعاف مرات و انما هذا من عمل الملوك لامر مهم ، و كذلك الحناية لما احيي بعضها المولى المنتصر الحفصي و جلب الماء عليها الى بساتينه بابي فهر و يعبر عنه اليوم بالبطوم عجز عن بنائها بالحجر و جعل اقواسها طابية و هي اقواس يسيرة و جلب الماء الى البركة التي هنالك و هي باقية الى الان هذا مع ضخامة ملكه و علو سلطنته و ارتفاع صيته لم يستطع اصلاح بعض ما فسد منها و لا قدر على ردها كما كانت اول مرة ، و بقية الحناية و آثارها باقية الى يومنا و هي تدل على أمر عجيب ، و اما آثار المدينة فلم يبق منها الا بقية خراب يعبر عنها بالمعلقة فيها اماكن كان يستقر بها الماء ، و آثار المدينة يراها من يركب البحر بين القبلة و المشرق ، و لا شك ان البحر الذي في حلق الوادي اليوم لم يكن قبل هذا الوقت و انما حدث بعدما خربت قرطاجنة ، و اذا كانت المعلقة قصرا من قصورها و برج ابي سليمان متصل بها و محسوب منها بل كما قالوا انه من البناء الذي في وسطها تكون مسافتها ازيد من اثني عشر ميلا و الله أعلم ...(مع تحيات حاتم سعيد أبو هادي)
في
اخبار افريقية و تونس
تاليف
الفقيه النبيه العلامة ابي عبد الله الشيخ
محمد بن ابي القاسم الرعيني القيرواني
المعروف
بابن ابي دينار
عن / الطبعة الاولى بمطبعة الدولة التونسية بحاضرتها المحمية سنة 1286هجري
************************************************** *************
154المؤنس في أخبار.jpg
الباب الثاني
في التعريف بافريقية
افريقية من بلاد المغرب و عند أهل العلم إن أطلق اسم افريقية فإنما يعنون به بلد القيروان و أما أهل السير فيجعلونه إقليما مستقلا و له حدوده و لهم اختلاف فيه و افريقية أوسط بلاد المغرب و خير الأمور أوسطها .
و قيل إنما سمّيت افريقية لأنها فرّقت بين المشرق و المغرب و لا يفرق بين الاثنين إلا أحسنهما .
و قيل سميت افريقية باسم أهلها و هم الأفارقة و الأفارقة من ولد فاروق بن مصرا يم.
و قال آخرون الأفارقة من ذرّيّة قوط بن حام بن نوح عليه السّلام سمّوا بإسم البلاد .
و قيل إنّ إفريقش بن أبرهة بن ذي القرنين لما غزا بلاد المغرب بني مدينة سميت باسمه فقالوا افريقية و سموا أهلها الأفارقة ذكره المقريزي .
و قيل اسمه افريقين بن قيس بن صفي الحميري افتتحها و قتل ملكها جرجير فسميت به و يومئذ قال لاهلها ما اكثر بربرتكم فسموا بربر قاله ابن خلكان .
و قيل اسمه افريقس بالسين المهملة فعربتها العرب بالشين المعجمة .
و نقل ابن الشباط عن بعضهم انه كان يقول اسمها ابريقية من البريق لان سماءها خال من السحب حتى قال بعضهم أن القيروان لا تخلو من السحب في غالب السنة و يعبر عن فحص القيروان بمزاق لان السحب تتمزق منه حتى قال بعضهم تنشا السحابة بالقيروان و تمطر بصقلية و غالب بلاد افريقية كثيرة البرد و الأمطار و غالب الأوقات لا تخلو من السحب .
و سمعت بعض الفقهاء يقول معنى قوله تعالى – أو لم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجزر – يعني الأرض المخرشفة على أحد التآويل و لا يوجد في غالب المعمور أكثر خرشفا من افريقية و الله أعلم ، و افريقية إقليم عظيم جمع المحاسن الجميلة ، و الفوائد الجليلة ، والمدن العظيمة...
و ها أنا أورد من تلك الأحاديث ما ثبتت صحته على وجه التبرّك ، ذكر ابن الشباط قال في كتاب مسلم حدثنا يحيي بن يحيي قال حدثنا هشام عن داوود ابن ابي عثمان عن سعد بن أبي وقاص قال" قال رسول الله صلى الله عليه و سلم – لا يزال أهل المغرب ظاهرين على الحقّ حتى تقوم السّاعة" ، و في كتاب الطبقات في علماء افريقية حدثني فرات بن محمد قال حدثنا عبد الله بن أبي حسان يحصيبي عن عبد الرحمان بن زياد عن أبي عبد الرحمان الحبلي عن عبد الله بن عمر "أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال – ليأتين أناس من أمّتي من افريقيّة يوم القيامة وجوههم أفضل نورا من نور القمر ليلة البدر" ،و ذكروا عدة أحاديث وردت في افريقية و أن المنستير باب من أبواب الجنة ، و لا شك أنّ لها فضلا و شانا و الله اعلم .
و حكي بعض المؤرخين عن عبد الرحمان بن زياد بن انعم انه قال كانت افريقية من طنجة إلى طرابلس ظلا واحدا وقرى متصلة عامرة فأخربت جميع ذلك الكاهنة و ذلك لما هزمت حسان بن النعمان الغساني بعدما فتح قرطاجنة و تونس و هزم البربر هزيمة شنيعة و فروا أمامه إلى برقة و رجع إلى القيروان فسال هل بقي واحد ممن له شوكة قوية من البربر فقيل له امرأة ساحرة يقال لها الكاهنة و هي بجبل أوراس في عدد عظيم ، فسار إليها و التقى معها فاقتتلوا اشد قتال فقتل من العرب خلق كثير و انهزم حسان و اتبعته الكاهنة حتى خرج من عمل قابس و أسرت من أصحابه ثمانين رجلا و ذلك في خلافة عبد الملك بن مروان ، و كتب حسان إلى عبد الملك يخبره بما لقي المسلمون فوافاه الجواب يأمره بالمقام حيث أدركه كتاب عبد الملك فأدركه و هو في عمل برقة فأقام هنالك خمسة أعوام بموضع يقال له قصور حسان و به سمّي إلى الآن ،و ملكت الكاهنة افريقية خمس سنين منذ انصرف حسان عنها و قالت للبربر إن العرب يطلبون من افريقية المدائن و الذهب و الفضة و نحن إنما نطلب منها المزارع و لا نرى لكم إلاّ خراب افريقية حتى ييأسوا منها و أرسلت إلى كل ناحية لقطع الشجر و الزيتون فخربت البلاد بأسرها و هدمت الحصون و كانت كلها قرى متّصلة .
و في تواريخ النصارى انّه كان لملك افريقية و هو صاحب قرطاجنة مائة ألف جفن بين حصن و مدينة يحكم عليها و انّه لما غزا رومة المدائن أخذ من كل بلدة رجلا و دينارا و سار إليها على ناحية المغرب على بحر الزقاق من ناحية الأندلسية و أفرنجة و أناخ على رومة وحاصرها حصارا شديدا و بعث صاحب رومة عسكره في البحر إلى قرطاجنة و أناخ عليها ووقع القتال بينهم على وادي بجردة و كان بينهم قتال شديد و كان الخيالة من أهل قرطاجنة ثمانين ألفا غير الرجالة فعند ذلك رحل صاحب قرطاجنة عن رومة و رجع إلى بلاده و من ذلك الوقت بقيت الأفارقة في الأندلسية و ملكوها مئين من السنين و الله اعلم .
و قال الملشوني لم يدخل افريقية نبي قط وأوّل من دخلها بالإيمان حواري عيسى عليه السلام ، قلت الحواري الذي دخلها اسمه متّى العشار و قتل بقرطاجنة و هو أول من كتب الإنجيل بلسان العبراني بعد رفع المسيح بتسع سنين ، و قال غيره بل دخلها نبيّ الله خالد بن سنان العبسي و كان في زمن الفتوة و لكن لم يدخلها بدعوة وهو مدفون في المغرب في بلدة بسكرة و أنكر بعض الفقهاء ذلك و صححه آخرون و الشيخ التواتي ممن أثبته أنه هو .
و رأيت بخطّ والدي رحمة الله عليه قال حضرت الشيخ المذكور و هو متوجّه لزيارة نبي الله خالد بن سنان العبسي وله كتاب صنّفه الشيخ و ثبت عنده صحّته و هو في تلك البلاد يسمونه خالد النبيّ و يزورونه و يتبرّكون بمقامه صلى الله عليه و سلم .
و من مدن افريقية – برقة- و طرابلس- و غدامس- و فزان- و اوجلة-وودان- وكوار- و قفصة- و قسطيلية – و قابس- و جربة- و تيهرت- و باجة- و الاربس- و شقبنارية- وصبرة- وسبيطلة- وباغاية- و لميس- و اذنة- و درعة- و مجانة- و سوسة – و بنزرت- و زغوان- و جلولا- و قرطاجنة- و تونس- وكل هذه وقع عليها الفتح ، و إنما كانت دار الملك أولا في قديم الزمان بقرطاجنة لما كانت بيد الافارقة الاغريقيين الى ان دخلت عليهم البربر من بلاد المشرق بعد ما قتل ملكهم جالوت و تفرقوا في البلاد فانحاز أكثرهم الى افريقية و المغرب و استوطنوا البلاد سهلها ووعرها الى ان ظهر فيهم دين النصرانية فتغلبت الروم على سواحل البلاد و صارت الى من لهم ذمة ، و كانت قرطاجنة اعظم مدن المغرب و هي قديمة البناء قال بعضهم انها بنيت في زمن داوود عليه السلام و ان بين بنائها و بناء رومة اثنتين و سبعين سنة و لم يذكر ما السابق منهما ، قلت هذا بعيد جدا الا ان يكون بناءها الثاني او الثالث لقول احد المفسرين ان الذي كان يأخذ كل سفينة غصبا هو صاحب قرطاجنة ، و موسى كان قبل داوود عليهما السلام بزمان طويل ، و ذكر ان مجمع البحرين برادس و الجدار بالمحمدية و هي طنبذة و أهل تلمسان أيضا يسمون بلدهم بالجدار الى الان و الله أعلم .
و يشهد لقدمها ما روته الثقاة عن عبد الرحمان بن زياد بن أنعم قال "كنت و انا غلام مع عمّي بقطاجنة نتمشى في آثارها و نعتبر بعجائبها فاذا بقبر مكتوب بالحميرية – أنا عبد الله بن الاواسي رسول رسول الله صالح ، وفي رواية بعضهم – شعيب بعثني الى اهل هذه القرية ادعوهم الى الله تعالى أتيتهم ضحى فقتلوني ظلما حسيبهم الله ، و ذكر بعض المؤرخين أن موسى بن نصير لما فتح الاندلسية ذكر له بها شيخ كبير فدعا به فإذا الشيخ وقعت حاجباه على عينيه فقال له أخبرني كم أتى عليك من السنين – قال خمسمائة عام – فسأله عن أشياء فأجابه إلى أن قال له – أين بلدك –قال- قرطاجنة –قال له –كم عمرت بها – قال- ثلثمائة عام و بهذه البلاد مائتي عام –فسأله عن خبر بناء قرطاجنة –فقال – بقية من قوم عاد الذين أهلكهم الله بالريح العقيم فعمّروها ما شاء الله ثم خربت و بقيت الف سنة خرابا حتى أتى النمرود بن لاوذ بن النمرود الجبار فبناها على البناء الأول ثم احتاج الى الماء العذب فبعث الى ابيه و كان أبوه بالشام و العراق و عمّه على السند و الهند فأرسل اليه أبوه المهندسين و الفعلة فهندسوا له الماء حتى أوصلوه الى المدينة و مكثوا يرتادون الماء اربعين سنة ، و لما حفروا أساسه وجدوا حجرا مكتوبا عليه بالخط الاول سبب خراب هذه المدينة إذا ظهر فيها الملح فبينما نحن ذات يوم عند غدير بدار الصناعة بقرطاجنة اذ نحن بالملح منعقد على الحجر فعند ذلك رحلت الى هنا و من كان على مثل رأي في ذلك ، و سأله عن عمر الملك فقال – عمر سبعمائة عام و الله أعلم -.
و هذه الحناية من اعجوبة الدنيا و اذا افتخر المصريون بالاهرام نفتخر اهل افريقية بهذه الحناية على مصر لان اصل الماء منبعث من عير جنقار و اليوم اسمها الحميدية و هي وراء زغوان بمسافة بعيدة و جلبوا ماء زغوان معها و كلما وجدوا في طريقهم ماء جلبوه من اليمين و الشمال عدة فراسخ و كانت من أولها الى آخرها محفوفة بالبساتين و الامياه جارية بينها .
و في تواريخ النصارى أن طول مسافة الحناية من منبعثها الى المدينة ستون ميلا على الاستقامة و بتعريجها وعطفاتها ثلثمائة ميل و نيف و ثلثون ميلا و انها كملت في ثلثمائة سنة و اربع سنين ، قلت لا يستغرب طول هذه المدة لان هذا البناء من اغرب الابنية و اذا كان طولها ثلثمائة ميل و نيف و ثلثين ميلا فلا يبعد ان يكون البناء في كل سنة ميلا مع هذا الاتقان الذي بها و طول اعمار القوم و من شاهدها حكم بعقله بصحة ذلك.
وعند النصارى كان بقرطاجة ثلاثة اسوار دائرة بها البحر يضرب في سورها و هي من اعجب بلاد الله و كان تكسيرها اربعة عشر الف ذراع و هي من اعظم بلاد افريقية ، و قال البكري لو دخلها الداخل عمره لراى كل يوم اعجوبة و بها قصر يعرف بالمعلقة مفرط في العلو فيه طبقات كثيرة مطل على البحر ، قلت لم يبق مما ذكر الا هذا الاسم و بقيت خرائب بها يسمونها المعلقة الى الان ، قال و بها قصر يسمى الطياطر فيه دار الملعب و قصر يقال له ترمس فيه سوارى من رخام مفرطة في الطول يتربع على راس السارية عشرة رجال و بينهم سفرة و سبعة مواجيل تعرف بمواجيل الشيطان فيها ماء لا يدرى من اين دخلها ، قلت المواجيل موجودة ليومنا هذا ، قال و داخل المدينة مينة تدخلها السفن بشرعها و هي اليوم ملاحة عليها قصر و رباط يعرف ببرج أبي سليمان ، قلت الملاحة التي ذكرها و برج أبي سليمان هي الان البلد التي عمرها الاندلس و برج أبي سليمان بها معروف و ملاحة أخرى قريبة من أوهام المرسى و الله اعلم ايهما كانت .
قال و بها قصران من رخام يعرفان بالاختين فيهما ماء مجلوب من قبل الجوف لا يعرف من اين منبعثه ،قلت هو و الله اعلم الماء الذي عليه آبار سكرة مجلوب من الجوف من تحت الجبل الذي خلف جعفر و فيه ايضا ماء مجلوب من الجوف تحت الملاحة التي بها لانهم وجدوا ارض سكرة كثيرة المياه و الغالب عليها الرمل فحصروا الماء بتحكيم البناء العظيم و جعلوه متصلا بعضه ببعض و اداروا البناء كالحلقة لجمع الماء فيها و انحصاره و لها منفذ الى نحو قرطاجنة ، و اخبرني بعض ممن اطلع عليها انه راى المنفذ الجاري و راي بعض بنيانها من ناحية الجوف و الذي من ناحيو قمرت من تحت الملاحة ، و يقول من لا خبرة له ان هذا الماء بقصد بساتين سكرة و هذا شيء لا يفي بعضه ثمن سكرة اضعاف مرات و انما هذا من عمل الملوك لامر مهم ، و كذلك الحناية لما احيي بعضها المولى المنتصر الحفصي و جلب الماء عليها الى بساتينه بابي فهر و يعبر عنه اليوم بالبطوم عجز عن بنائها بالحجر و جعل اقواسها طابية و هي اقواس يسيرة و جلب الماء الى البركة التي هنالك و هي باقية الى الان هذا مع ضخامة ملكه و علو سلطنته و ارتفاع صيته لم يستطع اصلاح بعض ما فسد منها و لا قدر على ردها كما كانت اول مرة ، و بقية الحناية و آثارها باقية الى يومنا و هي تدل على أمر عجيب ، و اما آثار المدينة فلم يبق منها الا بقية خراب يعبر عنها بالمعلقة فيها اماكن كان يستقر بها الماء ، و آثار المدينة يراها من يركب البحر بين القبلة و المشرق ، و لا شك ان البحر الذي في حلق الوادي اليوم لم يكن قبل هذا الوقت و انما حدث بعدما خربت قرطاجنة ، و اذا كانت المعلقة قصرا من قصورها و برج ابي سليمان متصل بها و محسوب منها بل كما قالوا انه من البناء الذي في وسطها تكون مسافتها ازيد من اثني عشر ميلا و الله أعلم ...(مع تحيات حاتم سعيد أبو هادي)