ظلالٌ هشّة
أنار لهبي بعود ثقابه .. تراقصت ظلالهم الصغيرة أمامي .. أشعل سيجارته بعود ثقاب ثان .. وبذات اللهب أحرق قصاصة ورق صغيرة ليرميها داخل مدفأة توسطت المكان .
دخلت الغرفة مغلقة الباب خلفها ، لتضع إبريقاً فوق المدفأة .. والتي بدأ الدفء المنبعث منها يغتال برودة هذا الجو .. وضعت أمام طفليها طبقاً من المكسرات وبعض الحلوى .. أخذت مكانها بجوار زوجها لتكسر صمت الضياء المهتريء بقولها :
- أحمد .. تسلى ببعض المكسرات .. سيجهز الشاي قريباً .
لم ينبس بحرف ، بل أخذ نفساً عميقاً من سيجارته ونفث دخان ألآمه التي لا يود لزوجته أن تقلق بشأنها .
قبل عدة أيام توفي صديقه وزميله بالعمل ، لطالما لامس الموت حدود حياتهما بقذيفة هاون .. سقطت بجوار البناء الذي يبنونه دون أن يتأذيا ، وكم أغتال الموت الشارع الذي يمران فيه .. لحظة تفجير .. سرق ضحكات الكثيرين دون أن يمسهما مكروه ، لكن فقط .. زُلّت قدمه من الطابق السابع ليلتحف الموت صديقه .. حيث لأول مرة .. لن يراه أبداً ، ولأول مرة .. سيقتات ألم فقدان صداقة دامت خمسة عشر عاماً ، فلم تعد همّته تقوى على الذهاب لإكمال ذلك المبنى .. والذي شهد آخر نبضة لمارسيل .
التفت حيث طفليه .. وهما يقضمان ما في الطبق ، وتلك البراءة التي تلفّ احتضان ضوء الشمعة لوجهيهما .. وهما يتلذذان بطعم الملح .. " آه صغيريّ .. ما أعذب هذه الملوحة التي تمتصانها .. أمام ملوحة الدموع التي تذرفها دمشق كل يوم " .
أشاح بنظره إلى زوجته ليراها ساهمة حيث تمنى أن يكون ، وإن كان لا يدري إلى أين تذهب بفصولها الأربع .. باغت شتاء أفكارها المختبئة عنه بسؤالها :
- ألم يجهز الشاي بعد ؟
- اصبر قليلاً .. بضع دقائق فقط .
نظرت إليه وضياء اللهب المتراقص يرسم تفاصيل جديدة لزوجها ، يرسم ملامحاً تشي بهشاشة سويداء روحه .
احتضنت بيدها كفه هامسة بعينيها أن .. " لا بأس .. فنحن بخير " ، وكانت بداخلها تضحك على نفسها ، فمنذ وفاة صديق زوجها والخوف قامر بما تبقى لها من أمل بأن الغد أفضل ، ليرميها بين براثن يأس حاولت مراراً أن لا تقع فريسته .
فلقد أصبح الموت يترصد بأحبتها ، واعتاد جسدها لبس اللون الأسود .. ففي كل يوم هناك مأتم يحملها إليه لتعزي أهله ، وآخره كان القداس الذي أقيم لمارسيل ، وخوفها - المختبئ خلف بسماتها المرسومة بقلم رصاص يسهل محوه - على زوجها من مصير مماثل لما حصل لصديقه ، فرغم أن عمل زوجها الخطر لم يقلقها من قبل .. لكن الآن .. بات كل شيء مخيف .. فأن تفقد رئتيها هواء وجوده بداخلها .. أمر يقتلها .
نظرت إليه مرة أخرى ، لتجده يقرأ بتمعن تلّبد غيمات مخاوفها ، ارتبكت مخافة أن يمطر شتاؤها ما تخبئه .. إلى حين .. عن رفيق دربها ، فهل بإمكانه تقبل أن يحمل رحمها حياة ثالثة ؟ وهل ستحتمل ظروفهما هذا الضيف الصغير ؟
قُطعت أفكارها بمقص صرخات طفليها الفرحة ، وتسابقهما على من يطفئ لهب الشمعة أولاً .. فلقد أنيرت الغرفة .. وعلا صوت مذيع الأخبار فجأة : " .. وفي تونس تجددت المواجهات بين عناصر الأمن والسلفيين .. " .
نهض زوجها وبسمة اعتلت وجهه :
- بما أن الشاي جهز وأخيراً .. فلتأتِ بالعشاء .
اتجه حيث وضعني عندما احتاج ضوئي .. وبنفخة منه أطفأ لهبي .
تعليق