قصائص مقاهية
(4)لسيد يوسف مرسى)
الوهـــــــــــــــــم
يحتضن الجبل تلك ال قرية التى يذوب سكانها بين التباب والوديان الصحراوية يلتمس كل واحد
منهم رزقه ما بين صيد واحتطاب ورعى لنعيجات
قد رسمن على وجه الوادى من حفر أفواههن صورة
تبرز وجه القحط على ثوب الجبل
لكن الحياة تسير بشدتها مع القبول لأهل القرية حياة بدوية وليس لديهم طموح فى الإنحدار ناحية الحضر
فالسكون والهدوء يملئان المكان سكينة
تمر بهم أسراب الطير السارح لعيشه ورزقه قبل طلوع الشمس وتودعهم فى رجوعها لأعشاشها قبيل المغيب
لا أحد يمر عندهم فى واديهم الأقرع
ومن أين يأتى المرور؟ إلا من تائه أو ضال للطريق
أوذا مراد من جفاء الأرض أوله خبرة للبيداء فيمر
كما يمر الطير كأنه عابر سبيل قد يراه البعض أثناء قطعه للوادى وقد لايراه أحدا منهم إذا أتى فى وقت
فراغ الأكواخ من أهلها
لكن لايستمر الهدوء والسكون دائما فكثيرا ما يتغير الحال من يوم إلى يوم ومن ساعة إلى ساعه
وذات يوم وجدوا رجل منهم تأخر عن معياد رجوعه إلى أهله وبيته فقد إستأثرت زوجته وأولاده بسكان القرية نظرا لتأخره فبحثوا عنه بالوادى والدروب الصحراوية دون جدوى وغلبهم الليل والجهد فباتوا حتى يشق النور
عليهم وتشرق شمس النهار فقد يحدث لإى واحد منهم
شيئا أو ضررا فرجعوا إلى منازلهم حتى حين
ومع بكر الشروق خرج الجميع للبحث فى مضارب الصحراء لعلهم يأتون به أو يعثرون عليه
فيأتون به إلى أولاده وداره لكن الوادى شح بهم
وتبابه وأحجاره السوداء واشتد القيظ واشتد بهم العناء أكثر فلا أثر للرجل من قريب أو بعيد
لقد فقد أثره عند إحدى المغارات وهذه لم يدخلها أحدا من قبل فكيف بهم ؟
أضاء البعض مشعله الزيتى وتقدم إلى المغارة يستكشفها
ومن خلفه بعض من أهل القرية باحثين مؤازرين
لكن حمزة كان أسرع منهم فقد أكل فريسته وتمدد فى هدوء لاينغص رقوده شيئا فى الوادى فمن هذا الذى دخل عرينه وتجاسر فى مسعاه يطلبه
فانقض عليهم بكل قوته فصاروا من هول الفزع والخوف كجروز يبحث كل واحد منهم على جحر
يختبئ فيه من
الهول الذى لقيهم والموت المؤكد الذى رآوه باعيننهم
وذابوا فى الصحراء كلا على رأسه
لاينظرأحدهم خلفه وتملكهم الفزع والخوف ورجعوا وقد عرف أين سكن قريبهم؟ وأين مثواه ؟ وبادر كل واحد منهم فى تقوية وتغليظ متاريس باب بيته وكثرت الأغلال على الأبواب من الداخل حتى صاروا فى سجن عميق
وطال بهم الأمد وتغلل الخوف فى الصغار والنساء
فكانوا لايخرجون أطفالهم خارج البيوت حتى فى وضح النهار فكان الليل عندهم يتساوى بالنهار فى تلك المحنة
والراعى فيهم لايبرح كثيرا وبدأت الأغنام تضمرويسوء حالهم من سئ إلى أسوء
حتى ضاقت عليهم الدنيا بما رحبت وظنوا أن لامفر
من الوقوع بين أنيابه يوما ما
فخلق الضيق لهم ثورة من غليان داخل كل حبيس من عدو حيوان وليس درب فى مقاومته فلم يمربهم أمرا كهذا الذى رآته أعينهم فهو
لا يعرف الشفقة إلا اشباع رغبته
عدو طعامه اللحم والدم ولاغير ذلك
فما العمل ؟ وكيف الخروج ؟
واجتمعوا فى ضحى يوم حتى أهلكهم الكلام والحيرة
لكن كان بينهم رجل قليل الكلام ينأى بنفسه دائما بعيدا
عنهم يقلب عينيه فى وجوه القوم ويرى خوفهم وحيرتهم
وكأنه لايهمه الأمر من قريب أوبعيد
قال بصوت خافت وقد رفع يده يريد منهم أن يسمعوا له
ما يقول فتكلم وكأن يهامس نفسه وقال:
أنا أكفيكم شر هذا الأسد وهذ العدو اللعين الذى أسكن الخوف فيكم وجعل أعتابه تسكن بينكم
نظر الجميع بعضهم لبعض وهم فى دهشة من أمر الرجل فهذا الذى يتكلم ليس بالرجل القوى بيننا
نحيل ؛قصير فكيف له بقتل الأسد
أهو فى عقله ؟ فى وعيه استغراب ودهشة وفضول انتابت القوم قال أحدهم وهو يزعم لهم أنه الزعيم دائما
كيف لك هذا ؟ أتعى ما تقول ؟ قال الرجل : وقد نهض ووقف على قدميه ،نعم أعى ما قلته
فقالوا :والدهشة زادت طورها نحن معك
لكن قل لنا كيف ؟
قال الرجل : سأقول لكم حينما أقضى عليه
قالوا لك ما تريد ولكن نحذرك فأنت ضعيف ولاطاقة لك بهذا الحيوان المفترس
قال الرجل وكأنه واثق من خطاه سأمضى قدما لما أردت
وسأبيح لكم بعد رجوعى من مهمتى كيف تثنى لى القضاء عليه
لكن بشرط أن تمهلونى بعض الوقت على أن تلتزموا
دياركم وأن ترعوا مصالحكم كما كنتم حتى أعود لكم
إن قدر الله لى الرجوع
وخرج الرجل إلى مراده وفى مخازن عقول القوم
للرجل ما من ردة ورجوع فهو هالك هالك
ذهب الرجل إلى حيث مهمته وسار بعصاه فى يده
لايحمل غيرها وهناك وجد حمزة مستلقيا فى ظل صخرة ينظر الوادى أمامه والرجل يتقدم رويدا رويدا
حتى كان منه بقليل
استغرب الأسد من جسارة الرجل الذى أتى إليه منفردا
غير خائف منه ولايرتابه رعب
ونظر الرجل فى عينى الأسد قائلا :جئت إليك قاتلا لك
قال الأسد :أنت قاتلى
قال الرجل نعم أنا قاتلك أيها الوحش
وكيف لك بقتلى وأنت خاوى اليدين ؟
قال الرجل :لكن لدى سلاح لم أحضره معى لقتلك
ولكن جئت إليك الآن محذرا
فإياك إياك
ضحك الأسد ضحكة عالية وهو ينظر لهذا الكائن النحيل
وهو يقول لو حتى وضعته بين ذراعى فلا يكمل لى وجبة من غداء فتدارك
الرجل الأمر وسار راجعا وهو يحذره إياك تنسى أنى راجع لك وسوف أقتلك
وغادر الرجل مملكة الأسد وظل الأسد عالقا ذهنه
بالسلاح الذى سوف يقتل به من قبل الرجل النحيل
ويمر يوم بعد يوم والرجل لم يعود بعد فالتهم الوهم كبد
الأسد واعتلاه الهم وصاريهزل جسمه وانقطع عن الطعام والشراب حتى صار لايستطيع الحراك ولم يقوى على الوقوف وبدأ العد التنازلى للسقوط لهذا الملك
الذى أرعب
الناس والخلق وتشفى فى لحومهم يأكلها حينا ويهدر المتبقى أجسادهم فضلات وطعام للطير الجارح
وأتى الرجل النحيل خاويا بدون سلاح
كما جاءه أول الأمرووقف أمامه فى مقابل فمه وآنيابه
وهو يقول له أين السلاح الذى وعدتنى أن تقتلنى
بإياه لقد جئتنى خاويا كما جئتنى أول مرة
قال الرجل وهل هناك أقوى من سلاحى الوهم والهم
لقد نلت منك وقتلتك وعاقبتك أيها الوحش ولتكن لأمثالك بك عبرة ومثل
تمت بحمد الله سبحانه وتعالى
سيد يوسف مرسى
(4)لسيد يوسف مرسى)
الوهـــــــــــــــــم
يحتضن الجبل تلك ال قرية التى يذوب سكانها بين التباب والوديان الصحراوية يلتمس كل واحد
منهم رزقه ما بين صيد واحتطاب ورعى لنعيجات
قد رسمن على وجه الوادى من حفر أفواههن صورة
تبرز وجه القحط على ثوب الجبل
لكن الحياة تسير بشدتها مع القبول لأهل القرية حياة بدوية وليس لديهم طموح فى الإنحدار ناحية الحضر
فالسكون والهدوء يملئان المكان سكينة
تمر بهم أسراب الطير السارح لعيشه ورزقه قبل طلوع الشمس وتودعهم فى رجوعها لأعشاشها قبيل المغيب
لا أحد يمر عندهم فى واديهم الأقرع
ومن أين يأتى المرور؟ إلا من تائه أو ضال للطريق
أوذا مراد من جفاء الأرض أوله خبرة للبيداء فيمر
كما يمر الطير كأنه عابر سبيل قد يراه البعض أثناء قطعه للوادى وقد لايراه أحدا منهم إذا أتى فى وقت
فراغ الأكواخ من أهلها
لكن لايستمر الهدوء والسكون دائما فكثيرا ما يتغير الحال من يوم إلى يوم ومن ساعة إلى ساعه
وذات يوم وجدوا رجل منهم تأخر عن معياد رجوعه إلى أهله وبيته فقد إستأثرت زوجته وأولاده بسكان القرية نظرا لتأخره فبحثوا عنه بالوادى والدروب الصحراوية دون جدوى وغلبهم الليل والجهد فباتوا حتى يشق النور
عليهم وتشرق شمس النهار فقد يحدث لإى واحد منهم
شيئا أو ضررا فرجعوا إلى منازلهم حتى حين
ومع بكر الشروق خرج الجميع للبحث فى مضارب الصحراء لعلهم يأتون به أو يعثرون عليه
فيأتون به إلى أولاده وداره لكن الوادى شح بهم
وتبابه وأحجاره السوداء واشتد القيظ واشتد بهم العناء أكثر فلا أثر للرجل من قريب أو بعيد
لقد فقد أثره عند إحدى المغارات وهذه لم يدخلها أحدا من قبل فكيف بهم ؟
أضاء البعض مشعله الزيتى وتقدم إلى المغارة يستكشفها
ومن خلفه بعض من أهل القرية باحثين مؤازرين
لكن حمزة كان أسرع منهم فقد أكل فريسته وتمدد فى هدوء لاينغص رقوده شيئا فى الوادى فمن هذا الذى دخل عرينه وتجاسر فى مسعاه يطلبه
فانقض عليهم بكل قوته فصاروا من هول الفزع والخوف كجروز يبحث كل واحد منهم على جحر
يختبئ فيه من
الهول الذى لقيهم والموت المؤكد الذى رآوه باعيننهم
وذابوا فى الصحراء كلا على رأسه
لاينظرأحدهم خلفه وتملكهم الفزع والخوف ورجعوا وقد عرف أين سكن قريبهم؟ وأين مثواه ؟ وبادر كل واحد منهم فى تقوية وتغليظ متاريس باب بيته وكثرت الأغلال على الأبواب من الداخل حتى صاروا فى سجن عميق
وطال بهم الأمد وتغلل الخوف فى الصغار والنساء
فكانوا لايخرجون أطفالهم خارج البيوت حتى فى وضح النهار فكان الليل عندهم يتساوى بالنهار فى تلك المحنة
والراعى فيهم لايبرح كثيرا وبدأت الأغنام تضمرويسوء حالهم من سئ إلى أسوء
حتى ضاقت عليهم الدنيا بما رحبت وظنوا أن لامفر
من الوقوع بين أنيابه يوما ما
فخلق الضيق لهم ثورة من غليان داخل كل حبيس من عدو حيوان وليس درب فى مقاومته فلم يمربهم أمرا كهذا الذى رآته أعينهم فهو
لا يعرف الشفقة إلا اشباع رغبته
عدو طعامه اللحم والدم ولاغير ذلك
فما العمل ؟ وكيف الخروج ؟
واجتمعوا فى ضحى يوم حتى أهلكهم الكلام والحيرة
لكن كان بينهم رجل قليل الكلام ينأى بنفسه دائما بعيدا
عنهم يقلب عينيه فى وجوه القوم ويرى خوفهم وحيرتهم
وكأنه لايهمه الأمر من قريب أوبعيد
قال بصوت خافت وقد رفع يده يريد منهم أن يسمعوا له
ما يقول فتكلم وكأن يهامس نفسه وقال:
أنا أكفيكم شر هذا الأسد وهذ العدو اللعين الذى أسكن الخوف فيكم وجعل أعتابه تسكن بينكم
نظر الجميع بعضهم لبعض وهم فى دهشة من أمر الرجل فهذا الذى يتكلم ليس بالرجل القوى بيننا
نحيل ؛قصير فكيف له بقتل الأسد
أهو فى عقله ؟ فى وعيه استغراب ودهشة وفضول انتابت القوم قال أحدهم وهو يزعم لهم أنه الزعيم دائما
كيف لك هذا ؟ أتعى ما تقول ؟ قال الرجل : وقد نهض ووقف على قدميه ،نعم أعى ما قلته
فقالوا :والدهشة زادت طورها نحن معك
لكن قل لنا كيف ؟
قال الرجل : سأقول لكم حينما أقضى عليه
قالوا لك ما تريد ولكن نحذرك فأنت ضعيف ولاطاقة لك بهذا الحيوان المفترس
قال الرجل وكأنه واثق من خطاه سأمضى قدما لما أردت
وسأبيح لكم بعد رجوعى من مهمتى كيف تثنى لى القضاء عليه
لكن بشرط أن تمهلونى بعض الوقت على أن تلتزموا
دياركم وأن ترعوا مصالحكم كما كنتم حتى أعود لكم
إن قدر الله لى الرجوع
وخرج الرجل إلى مراده وفى مخازن عقول القوم
للرجل ما من ردة ورجوع فهو هالك هالك
ذهب الرجل إلى حيث مهمته وسار بعصاه فى يده
لايحمل غيرها وهناك وجد حمزة مستلقيا فى ظل صخرة ينظر الوادى أمامه والرجل يتقدم رويدا رويدا
حتى كان منه بقليل
استغرب الأسد من جسارة الرجل الذى أتى إليه منفردا
غير خائف منه ولايرتابه رعب
ونظر الرجل فى عينى الأسد قائلا :جئت إليك قاتلا لك
قال الأسد :أنت قاتلى
قال الرجل نعم أنا قاتلك أيها الوحش
وكيف لك بقتلى وأنت خاوى اليدين ؟
قال الرجل :لكن لدى سلاح لم أحضره معى لقتلك
ولكن جئت إليك الآن محذرا
فإياك إياك
ضحك الأسد ضحكة عالية وهو ينظر لهذا الكائن النحيل
وهو يقول لو حتى وضعته بين ذراعى فلا يكمل لى وجبة من غداء فتدارك
الرجل الأمر وسار راجعا وهو يحذره إياك تنسى أنى راجع لك وسوف أقتلك
وغادر الرجل مملكة الأسد وظل الأسد عالقا ذهنه
بالسلاح الذى سوف يقتل به من قبل الرجل النحيل
ويمر يوم بعد يوم والرجل لم يعود بعد فالتهم الوهم كبد
الأسد واعتلاه الهم وصاريهزل جسمه وانقطع عن الطعام والشراب حتى صار لايستطيع الحراك ولم يقوى على الوقوف وبدأ العد التنازلى للسقوط لهذا الملك
الذى أرعب
الناس والخلق وتشفى فى لحومهم يأكلها حينا ويهدر المتبقى أجسادهم فضلات وطعام للطير الجارح
وأتى الرجل النحيل خاويا بدون سلاح
كما جاءه أول الأمرووقف أمامه فى مقابل فمه وآنيابه
وهو يقول له أين السلاح الذى وعدتنى أن تقتلنى
بإياه لقد جئتنى خاويا كما جئتنى أول مرة
قال الرجل وهل هناك أقوى من سلاحى الوهم والهم
لقد نلت منك وقتلتك وعاقبتك أيها الوحش ولتكن لأمثالك بك عبرة ومثل
تمت بحمد الله سبحانه وتعالى
سيد يوسف مرسى
تعليق