
الأبخرة تتصاعد من المسام الجلدية لأجساد شبه عارية مستحمة على التو.. تتدثر بأرديتها بعجالة فائقة استعدادا للخروج ..وأخرى تسمرت في مكانها عقب دخولها بعد أن فاجأها المشهد..
ألقى بمؤخرته على المقعد فتزعزعت أركانه واهتز من فوقه خلق كثير مثل صبيان شبه عراة قد تعلقوا بأرجوحة..
سمعت همسات ووشوشات من هنا وهناك:
-"يا له من وحش مرعب..!!"
-" انظر إلى بطنه..يا سبحان الله..!!"
-لله قي خلقه شؤون... !!
-"اللهم نسألك السلامة..!!"
أدرك على الفور ما يدور في عقر الذوات،فدوى زئيره في قعر المكان مثل الرعد القاصف..غمغم بملء فيه:"أوباش..!!..الطز عليكم وعلى أمثالكم.."
ارتعدت الفرائص واستدارت الأنظار إلى الاتجاه المعاكس ولم يجرؤ أحد على النطق بأدنى كلمة إلى حد ترامى فيه إلى أدهانهم أن هذا المخلوق الغريب الأطوار قد يكون به مس من جنون..
كان يحمل وجها صارما منتفخ الأوداج،وصدرا عريضا،وعضلات مفتولة..مسد رأسه الأصلع البراق ومد أمامه كرشا تتدلى فوق تبانه الفضفاض مثل قربة ماء ممتلئة عن آخرها..قرع عليها لمرات عديدة ببطن كفيه في مسخرة وقال مرددا بلسانه السليط:"لكريشة شبعانة..الطزعليكم.."
استولى على خزانتين للملابس وحشا فيهما أرديته ثم اندفع بقامته المديدة في اتجاه مجموعة من الأسطل الجلدية مقتنيا منها عشرة..
تقدم نحوه مستخدم الحمام بخطوات وئيدة بعد أن عيل صبره وحاول أن يثنيه عن فعلته بنبرة فيها وهن وتردد:"سيدي ..هذا كثير.."لم يبال وأصر على فعلته..ألح عليه الرجل فأرغى وأزبد وكشرعن أنيابه الشرسة وتطلع إلى مخاطبه من فوق بنظرة هازئة،فبدا له مثل قزم من الأقزام..انتابته نوبة من الضحك إلى أن بدت نواجذه الداخلية..دفعه بعيدا بقبضته الفولاذية مثل دجاجة مغلوب على أمرها..تدحرج عائدا إلى الوراء وصرخ في وجه ثائرا:"الطز عليك أيها العجوز الأبله..انصرف.."..تراجع الرجل في ارتباك لا يلوي على شيء..
سحب الأسطل إلى الداخل نحو حجرات الاستحمام..على مقربة من الصهريج تجمعت ثلة من المستحمين في انتظار دورهم لملء أسطلهم من الماء الحارق الملتهب..صرخ بصوت مربك كما المارد الثائر صرخة مزعجة ارتج لها المكان وتفرق على إثرها الجمع مذعورا،وشرع في غير اكثرات في غرف الماء وهو يتمتم بكلماته النارية المعهودة:"الطز عليكم..ابتعدوا..أفسحوا الطريق.."
تهاوى إلى الأرض مثل البغل بداخل الحجرة الوسطى للحمام بعد أن انتقى له فيها ركنا فسيحا صرف عنه قاطنيه بلهجة تبعث الهلع في الأفئدة:"هيا..ابتعدوا..لقد ملأتم كل مكان أوساخا وقاذورات..الطز عليكم.."
شرع يصول ويجول ملوحا بيديه الممتلئتين..يتمتم متوعدا.. يتشدق بألفاظ نابية بذيئة هازئة بلا مبالاة..أخذ يصب الماء على بطنه بالتتالي ويسمع له،بين حين وآخر،شهيق وزفير..
بلغت درجات الحرارة مداها وجمدت الدماء في الأوردة وضاقت الصدور برهبة المكان..وبدأ المستحمون ينسلون خلسة واحدا واحدا وينصرفون لحالهم آسفين،إلى أن خلا له المكان وحده ثم أطلق العنان لزئير نكير..يشدو بصوت جهوري نشاز،فتتردد أصداء ترانيمه المرعبة هناك في غور المكان....[/align]
تعليق