الفخ

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • مناف بن مسلم
    أديب وكاتب
    • 19-09-2013
    • 72

    الفخ

    الفــــخ
    عندما اجتاز الممر المتهدم لم يكن ثمة صوت غير الظلام الليلي ولهاثه المبحوح وخشخشة الاكياس والملابس الممزقة التي تدوسها اقدامه ورائحة الجثث المتسربة عبر رطوبة الجدران. اكتشفت اقدامه التي هدها التعب الجثة المرمية بجانب البركة القذرة , جثة امرأة مغتصبة بعنف. اطلق صوتا غريبا من فمه المملوء بلعاب بسيل كلما ازداد تشبعا برائحة الجثة ....وجبة شهية.... اهتز فوقها كراقص زنجي محتفل بمولد جديد منتش باللحم البشري الميت تنهش اسنانه القوية الجسد الممتلئ حيوية قبل ايام مضت والمرمي على حافة البركة الان بعد نضال دام لحظات ضد وابل الرصاص. لم يستمر احتفاله بالجسد الشهي إلا دقائق مشتته , اطلقت على اثرها رصاصتين مصوبتين بدقة. ارتمى الجسد النازف فوق الجثة مطلقا عواء عميقا متهدجا كصوت الالم البشري. ساد الصمت المفاجئ منسجما للحظة مع كثافة العتمة , اخترقه صوت بشري انتشر صداه فوق الجدران المهجورة " تبا لك ايها النتن ولهذه الحياة القذرة التي اصبحتم فيها اكلي لحوم البشر " . بصق الرجل وتحرك باحثا عن الجثة , احتراما للموت وليس للإنسان الذي اصبح قذرا يموت ككلب ويترك عاريا , تلتهمه الحيوانات الاخرى. تعثرت اقدامه واقتربت منه. كانت اصواتهم رنانة , همجية , فسقط مرتطما بوجه بارد , ارتمى سريعا على بندقيته المرمية بجانبه . كان القتال قصيرا , عنيفا , اكتشف في تلك اللحظة انه يمتلك قوة رهيبة لم يعرفها من قبل مدفونة بأعماقه خرجت دفعة واحدة ضد هذه الكلاب الشرسة التي تهجم دون خوف يدفعها الجوع الذي اعاد خلقها كائنات قاسية يتملكها التوحش امام كائنات الدم واللحم والعظام . انتهى القتال بخمسة رصاصات عشوائية اطلقت مرة واحدة تلاها الصمت الليلي المعتاد , تبدده اصوات الكلاب البعيدة المحتفلة بانتصارها , بسيطرتها على الليل زارعة الرعب فيه.
    شعر الرجل بالموت القريب . حاول ان يتذكر كم مضى عليه من الوقت .. ما الذي حدث وما السبب في وجوده هنا كل شيء مشوش , الهواء البارد الرطب , الارض الموحلة , الظلال الباهتة , روائح الموت المنتشرة في كل مكان , والجثة التي تتعفن . الحياة تهرب سريعا ليبقى الموت الكابوس الجاثم الى الابد . حاول جاهدا ان يبعد كل هذا عن رأسه حاصرا تفكيره في الزمن القليل الباقي لديه . فتح عينيه بصعوبة ليرى الاشياء من حوله كثيفة للغاية , جدران مهدمة تبدو عالية بشكل لا يطاق , كلاب مقتولة تزدحم جثثها المغسولة بالدماء على حافة الوحل . حاول الهروب من كوابيسه الاسرة بعد الكلاب المقتولة , اضنته اللاجدوى . كانت تبدو كثيرة .. كثيرة جدا. لم يحاول قط النظر الى المرأة المقتولة , احس بالألم يلتهم جميع انحاء جسمه . اتعبه النهوض وظلال الجدران المنخورة التي اطبقت عليه كمخالب نسر تخنقه بقوة كلما حاول الاسترخاء مستسلما لآلامه وشبه الغيبوبة التي يعيشها والشعور العنيف بالموت كي يصبح جثة تتعفن سريعا فتأكله الكلاب . يجب عليه الخروج من البناء المهجور بأية وسيلة . ولم يكن هناك غير الزحف بدمائه المتخثرة وآلامه الحادة . احس برأسه ثقيلا .. ثقيلا جدا . سقط بعدها متعبا يئن تارة ويصمت تارة اخرى, محاولا الزحف مرة اثر اخرى فاقدا احساسه بالوقت , يتملكه خياله المضطرب المشوش . تراءت حوله صور لم يعتدها من قبل تدور وتدور بلا رحمة – كلاب شرسة يقطر من فمها الدم , تأكل بوحشية الجثث المنتشرة على جوانب البرك الطينية , او تهجم على الاطفال المذعورة , وتلك المرأة التي تركته يحبها بعنفوان الحياة والموت معا . حاول التشبث بكل ما يمكن ان يؤكد له بأنه لم يمت بعد , ويعيش معالجا جراحه كي يناضل مرة اخرى ضد كل الكلاب التي شاركت في افتراس جثة المرأة التي علمته حب الحياة تاركة في انفه رائحة جسمها الحي , لا تفارق جسمه اينما ذهب . الوقت يمر سريعا وقواه منهارة الان . استحالت الجثث والجدران اشباحا طويلة جدا تاركة هذا الكائن وحده في انتظار الموت محاولا عبثا الصمود ضد الالم والجوع , حالما للحظات قليلة بالخروج من هذا المستنقع الموحش.
    استجمع اخر شتات قوته المتلاشية وبدأ الزحف الصامت دون ان يفكر في هدف ما سوى المحاولة الاخيرة للخروج بعيدا عن هذا الكابوس العفن . استنشق الهواء الجاف بعد اجتيازه اخر المتاهة المهجورة . غمره فرح طفولي واستلقى وقت طويل على الارض الباردة .
    احس اخيرا انه يستطيع ان يفتح عينيه الان كي يستمتع بحلاوة الانتصار وقد اصبح حرا بعيدا عن ذلك السجن النتن والكلاب التي تهجم بوحشية لتأخذ فريستها المنتظرة هناك.
    لما فتح عينيه وحدق حوله ببرود وجد نفسه محاطا بقطيع من الكلاب الجائعة يسيل اللعاب من فمها المفتوح دائما.
    مناف بن مسلم
    البصرة
  • محمد الشرادي
    أديب وكاتب
    • 24-04-2013
    • 651

    #2
    حسرتي على العراق. الذي أصبح أرض الموت المتربص بالباس في كل مكان،و قد يأتيك من حيث لم تحتسب.
    نص موجع أخي.أتمنى للعراق الشقيق الخروج من محنته سريعا.
    تحياتي

    تعليق

    • مناف بن مسلم
      أديب وكاتب
      • 19-09-2013
      • 72

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة محمد الشرادي مشاهدة المشاركة
      حسرتي على العراق. الذي أصبح أرض الموت المتربص بالباس في كل مكان،و قد يأتيك من حيث لم تحتسب.
      نص موجع أخي.أتمنى للعراق الشقيق الخروج من محنته سريعا.
      تحياتي
      الاستاذ محمد الشرادي
      شكرا لك على مرورك الرائع ومشاعرك النبيلة نعم العراق في محنة وانا مثلك يا اخي اتمنى ان يخرج العراق من محنته وان تخرج كل الدول العربية التي مزقتها شياطين الشر وجعلتها ارض خصبة للموت والدمار من محنتها وان يعم السلام كل العالم
      تحياتي وتقدير
      مناف بن مسلم

      تعليق

      • مناف بن مسلم
        أديب وكاتب
        • 19-09-2013
        • 72

        #4
        المشاركة الأصلية بواسطة وجدان الشاذلي
        نص جميل ... اتستخدمت فيه الرمزية باسلوب رشيق
        الممر الضيق في بداية النص لعله يكون السنوات الأخيرة التي تمر بها العراق
        الجسد المرمي للمرأة هي الأرض المغتصبة
        والكلاب هم الأعداء المتربصون في الداخل والخارج ..

        أعجبني كثيرا توظيف الرمزية في هذه القصة ، وأسلوب السرد كان جميل
        حيث أنك أبطأت من حركة السرد بتوظيف متقن للوصف للمكان والحالة النفسية لبطل القصة

        حقا نص بديع .. هناك فقط بعض الأخطاء الإملائية ولكنها لاتنقص من جمالية النص .
        مودتي وتقديري
        الاستاذ وجدان الشاذلي
        ان قراءتك للنص وتحليلك الدقيق والرائع يترك الاثر الكبير في القلب شكرا لمرورك الرائع
        مودتي وتقديري
        مناف بن مسلم

        تعليق

        • مهدية التونسية
          أديبة وكاتبة
          • 20-09-2013
          • 516

          #5
          رائع حين تقرأ نصا وتغوص في التفاصيل الدقيقة
          والحالة التي يكون عليها البطل
          وانت تقرأ تتنفس مايتنفسه تحس بتلك الرائحة النفاذة
          تطالعك تقاسيمك دون ارادتك تبعس في وجه العفونة
          في وجه الموت المتربص به وبمن علمته الحب
          الحظن الدافئ" الوطن "
          تصوير قوي خدم النص بتقنية جميلة
          تقديري وٱحترامي


          http://www.youtube.com/watch?v=RkH_701__k0











          لاتسأل القصيدة عن دمها عن حرفها المغدور بهجر المكان
          لاتسأل فويلها الكلمات حين يسيل دمعها على خد الورق!

          تعليق

          • عبد السلام هلالي
            أديب وقاص
            • 09-11-2012
            • 426

            #6
            ما أقسى ان يتحول الوطن إلى حقل ألغام، حيثما وليت وجهك فتمة فخ ينتظر الارتواء و لا يقبل إلا الدم شرابا.
            نص يأخذ بتلابيب القارئ بقبضة الوصف الدقيق ، المركز، و الذكي، ليخوص به في تفاصيل التفاصيل، يقدم له رؤية ثلاثية الأبعاد،ليشعر و كانه في كبد الحقيقة، أو في جوف الظلام يتنقل مع الشخصية المركزية، يخاف بخوفها، يترقب معها، يتراقص نبضه مثلها بين خوف، حنق، أمل، ثم خيبة. لتكتمل الدائرة. دائة الخيبة.
            و لكن يبقى الأمل، و لا نملك غيره.
            تحيتي لك و لقلمك أخي مناف
            التعديل الأخير تم بواسطة عبد السلام هلالي; الساعة 26-01-2014, 11:47.
            كلمتك تعمر بعدك دهرا، فاحرص أن تكون صدقتك الجارية

            تعليق

            • مناف بن مسلم
              أديب وكاتب
              • 19-09-2013
              • 72

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة مهدية التونسية مشاهدة المشاركة
              رائع حين تقرأ نصا وتغوص في التفاصيل الدقيقة
              والحالة التي يكون عليها البطل
              وانت تقرأ تتنفس مايتنفسه تحس بتلك الرائحة النفاذة
              تطالعك تقاسيمك دون ارادتك تبعس في وجه العفونة
              في وجه الموت المتربص به وبمن علمته الحب
              الحظن الدافئ" الوطن "
              تصوير قوي خدم النص بتقنية جميلة
              تقديري وٱحترامي
              الاستا
              ذة مهدية التونسية
              رائع فعلا حينما تكون قراءة النص بهذه الشفافية
              شكرا لمرورك ولتحليلك الرائع
              يقول الشاعر محمود درويش (كم مُتنا وكم مُتنا,
              وكان الكَهَنَهْ
              خَدَماً للسيف منذ المعبد الأوَّلِ
              حتى آخر الثورات’)
              تحيتي ومودتي
              مناف بن مسلم

              تعليق

              • مناف بن مسلم
                أديب وكاتب
                • 19-09-2013
                • 72

                #8
                المشاركة الأصلية بواسطة عبد السلام هلالي مشاهدة المشاركة
                ما أقسى ان يتحول الوطن إلى حقل ألغام، حيثما وليت وجهك فتمة فخ ينتظر الارتواء و لا يقبل إلا الدم شرابا.
                نص يأخذ بتلابيب القارئ بقبضة الوصف الدقيق ، المركز، و الذكي، ليخوص به في تفاصيل التفاصيل، يقدم له رؤية ثلاثية الأبعاد،ليشعر و كانه في كبد الحقيقة، أو في جوف الظلام يتنقل مع الشخصية المركزية، يخاف بخوفها، يترقب معها، يتراقص نبضه مثلها بين خوف، حنق، أمل، ثم خيبة. لتكتمل الدائرة. دائة الخيبة.
                و لكن يبقى الأمل، و لا نملك غيره.
                تحيتي لك و لقلمك أخي مناف
                الاستاذ عبدالسلام هلالي
                يقول الشاعر محمود درويش (من سيحتاج القيامةْ ليرى قاتلَهُ – التوأمَ مجهولَ الهويّةْ؟) نعم اخي حينما يتحول الوطن الى حقل الغام يكون الموت انشودة تناغم ضربات القلب شكرا لتحليلك الجميل والراقي للنص حينما يترك النص هذا التأثير في القاريء يكون قد حقق الكثير من غاياته
                ومثلما قلت انت ويبقى الامل ، لا نملك غيره .
                تحياتي ومودتي
                مناف بن مسلم

                تعليق

                يعمل...
                X