رحلتي الأولى إلى مصر / د. سعيد الشليح

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • د/ سعيد الشليح
    أديب وكاتب
    • 09-12-2008
    • 220

    رحلتي الأولى إلى مصر / د. سعيد الشليح

    رحلتي الأولى إلى مصر
    بقلم: د. سعيد الشليح

    النيل و الأهرام و المآذن و القلاع الشوامخ و مآثر أخرى عرفتها قبل أن أراها، فتحيزت مكاناً في القلب و الذاكرة.. و إغراء هذا الحيز أغواني بزيارة مصر في عز الصيف، حيث القيظ دليل، و الأسعار المرتفعة مركبة ، و كل أماكن الاستجمام ملآى عن آخرها بزوار وفدوا إليها من مشرق و مغرب..
    سوق العتبة
    كان إغواء السفر إليها بلقيسياً ، و لعلي كنت هدهداً حزم الحقائب في عجالة و طار للقياها.
    الزمان: الحادية عشرة و نصف ليلاً.
    المكان : القاهرة.
    "صفعة" بين الرمضاء و النار هبت مرحبة بالقادمين.. شرود ظرفي في انتظار لفحة الصباح ، و غفوة أولى مضى بها حشد هائل من البشر.. الكل تائه.. واحد يبحث عن زوجته، و ثان يسعى إلى مهرب منها، و ثالث يسأل عن متاع الأرض، و رابع يفترش بساطها منتظراً شيئاً ما، و خامس أوكل إلى كتفيه إحداث تيار هوائي علوي بين أقوام و أقوام.. و بين هذا و ذاك، وقفتُ مشدوهاً، أفكر في سبيلي إلى الخلاص. " إحنا في سوق العتبة" ... ألقى إليَّ بها ظريف مبتسماً دون أن يقف.
    ساعتان و التذمر و القلق يعصفان بي؛ حتى إذا قرر رجال أمن "الميناء الجوي القديم" الإفراج عن جواز سفر أخضر مستضاف في إقامة زجاجية، كنتُ أدعو لأمثالي من حاملي التأشيرة بكثير من الصبر و قليل من الأجر.
    قد يعود الاكتظاظ الفوضوي الذي كنت أسيره، ساعتين، إلى ضيق مساحة الميناء و إلى عدم انضباط القادمين تباعاً و إلى أشياء أخرى أجهلها طبعاً؛ لذلك، التمست عذراً للأخوة المصريين، و إن كدت أختنق في بهو غير مكيف..إلا من أنفاس آدمية تتصاعد كالبخار أو الدخان.
    بوابة المفارقات
    لئن اشتهرت القاهرة بحاراتها القديمة و تعدد بواباتها، فإن ميدان التحرير يبقى، في نظري، بوابتها الكبرى التي يطل منها الزائر على مفارقات عجيبة تعج بها مدينة تأوي ساكنة تعد بالملايين.
    و إذا اختالت مراكش بلونها المتميز، فإن القاهرة تزدهي بلون بني داكن يكسو عباءتها.. لون ذو تركيبة العجب. يحمل عبق التاريخ لأنه مزيج من نقع الأهرام و شذرات المقطم؛ لون يضفي على المدينة جمالية التميز و يوقع الزائر في حبها من حيث لا يدري، لأنها تختزل، لوحدها، تاريخ مصر.
    السبيل إلى الجنيه
    و هذه الشوارع التي تتقاطع في ميدان التحرير تحكي بالمسمى و المبنى و النصُب التذكارية ملاحم كفاح الشعب المصري من أجل التقدم و الازدهار، و تبدي للعيان معاناة مواطن "غلبان" حسبُه وجبة "كُشري" أو "فول مدمس" أمام شقاء يوم كامل لكسب قروش قد لا تكفيه لإعالة أسرته. لكن شظف العيش و ضنك السعي لا ينتزعان عن هذا المواطن ابتسامات و "قشفات" يستعين بها على بؤس يرمقه بعيون ملؤها الاستغراب من قدرة المواطن "الغلبان" على سلّْ سيف السخرية من غمد المعاناة لمقارعة الزمن و الضحك عليه. فتراه يستمتع في بؤسه بلحظات سعيدة يكاد لا يعيشها كثير من المترفين.
    يحار الزائر، مثلي، من تدني مستوى الأجور متسائلا عن السبيل الذي يسلكه المواطن المصري لمواجهة الغلاء و ضمان العيش الكريم. فإذا كان إطار (مهندس مثلاً) يحصل على راتب شهري قدره 150 جنيه، فكم يتقاضى العامل أو المواطن البسيط ؟
    إن ضرورة تجاوز المثبط الاجتماعي و تخطي العائق الاقتصادي تحفز المواطن المصري على البحث عن مصدر ثانٍ للدخل يؤمن به توازنه الاجتماعي؛ قد يكون عملاً في شركة ما أو لحسابه الخاص (تجارة صغيرة جداً). فلا غرابة إذن أن يقود مهندس سيارة أجرة، أو يوفق مواطن بين وظيفتين في القطاعين العام و الخاص.
    حكى لي صاحبي أنه أوقف سيارته ذات مرة عند إشارة المرور، في ميدان طلعت حرب. دنا منه صبي. ابتسم. باغثه بالقول: "أحكي لك نكتة يا بيه؟". كانت النكت الأربع قصيرة و مرحة. ضحك صاحبي و ناوله جنيهاً. آنذاك، أطل الضوء الأخضر، فضغط على البنزين و انصرف بأربع مقابل واحد
    "مصر فوق الجميع"!
    و أنت عائد من أهرام الجيزة، تقابلك لوحة كبيرة مكتوب عليها بالخط العريض: " مصر فوق الجميع". تتوهم، للحظة، أن في الأمر تعالياً و أن المصريين، لاعتبارات تاريخية، ينصبون أمتهم فوق الأمم. لكن سرعان ما يتبدد و همك و تخلص إلى أن مدلول العبارة يعني، بكل بساطة، أن المصلحة العليا للبلاد فوق كل اعتبار.
    إنه النداء الذي غدا يسكن الهوية المصرية. لا فرق بين زيد المترف و عمرو "الغلبان".. لو سألت أيّاًّ منهما عن بلده، لرد خاشعاً مبتسماً : " مصر تاج على راسي من فوق..دي غاليه علينا يا بيه". و عن أحواله، يجيب مطمئناً: "مستوره و الحمد لله يا بيه".
    سألت سائق الأجرة مازحاً: " إذا كانت مصر فوق الجميع ، فمن يوجد تحت، يا تُرى؟" أجاب الرجل بعفوية مائية الصوت و الصدى: " النيل يا بيه" !!
    اتضحت لي معالم الصورة أكثر عندما زرت أحياء القاهرة، أغناها و أفقرها. أوراش بناء هنا و هناك. حركة تجارية دائبة. باعة متجولون. الكل يجري على نبرات صوت عبد المعطي حجازي في قصيدته "الطريق إلى السيدة":
    ... و الناس يمضون سراعاً
    لا يحفلون
    أشباحهم تمضي تباعاً
    لا ينظرون

    "الأمية.. أمحوها إزاي؟"
    إنها مصر التي قبِلت و صفة الانفتاح بإيجابياتها و سلبياتها. تصارع الزمن بكل ما لها من موارد بشرية و اقتصادية.. تستثمر رصيدها الحضاري و تعرض كل إمكانياتها لجلب السائح و استقدام المستثمر لإنعاش اقتصادها و رفع مستوى عيش أبنائها.
    وقع فلاح مصري في شرك نصَّاب "فهلوي" جعله يبصم عقود بيع كل أراضيه دون مقابل..و لحسن حظه، حصل أحد أصدقائه، مصادفة، على تلك الوثائق قبل تسجيلها في "الشهر العقاري". فتهيأ له سؤال صاحبه عن دواعي البيع. و كانت المفاجأة أن الفلاح كان يظنها،عند البصم، و ثائق لإنشاء مؤسسة بالمناصفة مع "الفهلوي". وقتها، أقسم الفلاح أن يستورد، من ذاته، ما يمحو به أميته.
    إنه مشهد طريف و هادف من مشاهد تبثها قنوات التليفزيون المصري في إطار حملة لتوعية المواطن بضرورة الانخراط في برامج محو الأمية لاكتساب المبادئ الأساسية للقراءة و الكتابة و الحساب التي تعينه في تدبير أمور حياته و تساعده على الإسهام في نهضة بلده. هذا المشهد يعكس بقوة حسن توظيف الفضاء السمعي البصري لمحاربة هذه الآفة التي تمس 66% من الإناث و 52% من الذكور في بلد إذا ذكر، ذكرت اللغة العربية و ثراتها و ثقافتها، في بلد محمد عبده و طه حسين و نجيب محفوظ... و الشوامخ الرواسخ في ذاكرة التاريخ.
    بادرة تستحق كل التنويه فعلاً.. لكن، ثمة، سؤالان ظلا يناوران و يناوشان خلدي و بالي:
    - أولاً، إذا كانت برامج محو الأمية تستهدف، بالأساس، مواطناً "غلباناً" يزاول مهنتين فأكثر، فمتى و كيف تأتيه فسحة زمنية لمتابعة هذه البرامج ؟
    - ثانيا، ماذا لو نطق المواطن "الغلبان" الميم نوناً ؟ فبدلاً من وضع أصول تربوية لمحاربة الأمية، قد يتم وضع قواعد مؤسِّسة ل..."نحو الأمية" !
    حسبي أن طرفة "نحو الأمية" عدوى انتقلت إلي من رحلة إلى النيل و الأهرام و إلى حيث لم تكفَّ شهرزاد عن الكلام المباح، ولم يكف شهريار عن تذكر ما جرى في سوق العتبة عند ارتطام الهامات بالأقدام في ذروة القيظ و الازدحام.
    التعديل الأخير تم بواسطة د/ سعيد الشليح; الساعة 14-01-2014, 21:30.
  • حور العازمي
    مشرفة ملتقى صيد الخاطر
    • 29-09-2013
    • 6329

    #2
    ذكرتني في مصر وجمال مصر

    العتبة جميلة جدا لكنها دوماً مزدحمه
    سوق العبور جميل جدا
    مطعم السرايا مركب واقفه ع النيل
    مطعم صانصت يديره سامي العدل له ملكه
    فلفلة الهرم جميل جدا
    سينما الشيراتون رهيبه
    لوبي رمسيس
    مطعم ومقهى قصر النيل
    قهوة العمدة
    الحسين وأكل الحسين يااااه
    و و و
    كثيرا وكثيرا وكثير
    عشت بها كثيرا
    هي بالنسبة لي بلدي الثاني
    عين شمس لي فيها اقارب
    المطريه لي فيها اقارب
    شقتنا الخاصه للعائله فيصل الهرم

    كم اشتقت اليها
    اللهم حسن احوالها واحفظ اهلها
    وارجعها اجمل من قبل آمين

    نص اثار فيني الشوق والحنين لها
    ام الدنيا
    تقديري واكثر سيدي

    حور

    تعليق

    • أبوقصي الشافعي
      رئيس ملتقى الخاطرة
      • 13-06-2011
      • 34905

      #3
      لله درها ..
      مصر أم الدنيا
      و قبلة الأمان و الحضارة
      طيبة القلب
      كريمة الخصال
      حماها الله و حفظ أهلها من كل سوء..

      أجد النص كمقال أدبي فاخر
      به بعض التراكيب البديعية المحلقة..


      حياك الله معنا
      د. سعيد
      و اسمح لي بنقل النص
      لنثريات حرة..
      تقديري و أكثر



      كم روضت لوعدها الربما
      كلما شروقٌ بخدها ارتمى
      كم أحلت المساء لكحلها
      و أقمت بشامتها للبين مأتما
      كم كفرت بفجرٍ لا يستهلها
      و تقاسمنا سوياً ذات العمى



      https://www.facebook.com/mrmfq

      تعليق

      • أمينة اغتامي
        مشرفة ملتقى صيد الخاطر
        • 03-04-2013
        • 1950

        #4
        فعلا أخي قصي الشافعي
        أوافقك أن النص مقال وصفي،ويمكن تصنيفه في أدب الرحلة
        على غرار وصف ابن بطوطة لزيارته لمصر والشام والحجاز..
        من أجمل ما ميز هذا النص لغته الحديثة وصوره المحلقة
        وحرارة الشوق ودفء المشاعر التي جمعت وتجمع الإخوة العرب
        بمصر والشعب المصري العزيز على قلوبنا
        الدكتور سعيد الشليح
        تقبل مني كل التقدير والاحترام


        تعليق

        • د/ سعيد الشليح
          أديب وكاتب
          • 09-12-2008
          • 220

          #5
          هي مصر
          بلد الثقافة و الفن
          تفتح أحضانها للقادمين
          و تدعوهم لولوج بواباتها آمنين..
          فلا عجب أن يحن إليها كل من زارها
          فما بالك بمن أقام بها و نسج روابط الأخوة مع أهلها..

          لك شكري و تقديري أ/ حور العازمي

          تعليق

          • ريما الجابر
            نائب ملتقى صيد الخاطر
            • 31-07-2012
            • 4714

            #6
            نثرية رسمت لوحات حية من مصر
            وستظل تعج بالأمان وتنهي الفوضوى
            تحية تليق وتقديري
            http://www.pho2up.net/do.php?imgf=ph...1563311331.jpg

            تعليق

            يعمل...
            X