..و بعد تعب شديد بلغت المكتب ، كانت تلهث جراء المجهود الذي بذلته ، ذلك أن مصعد قسم الشرطة معطل باستمرار ، الأمر الذي فرض عليها ارتقاء السلالم و الوصول إلى الطابق الأعلى .كانت تمسح العرق الذي نز من كل جسدها ، و ظهرت بقع منه على جلبابها الأخضر ، أما قلبها فكان يغرد بقوة حتى كاد يخرق الصدر. وجدت الضابط الشاب في استقبالها ، دعاها للجلوس ، قعدت على الكرسي الملاصق لمكتبه الذي حال لونه ؛ كان يضع على سطحه ملفات كثيرة ، و إلى جانبها الهاتف الذي ما توقف عن الرنين ، مكالمات تتبع أخرى..بعد أن التقطت أنفاسها الضائعة ، سلمها الشاب ألبوم صور لتتأملها على مهل .نظرت إلى المكتب الفسيح المغمور بالضوء ، وجدت طلاء حيطانه قد بدأ يتآكل ، تساءلت مع نفسها : لم لا يجددون الطلاء و المكاتب ؟ أمر غريب ! كيف يمكن الاشتغال في مثل هذا الوضع ؟ غير أن ابتسامة الضابط اذابت ثلج حيرتها ، و هو يدعوها لمشاهدة الصور ، و يشجعها على البحث و التنقيب في الألبوم و ذاكرتها..اوضعت مرفقها على حافة المكتب ، ورأسها على راحة كفها اليمنى، و راحت تتابع الصور بتركيز و اهتمام ، فهي لا تبغي أن تخذل هذا الشاب الوسيم ، إنه قريب الشبه من ابنها الذي أكلته عجلات الطريق. و في حين ، كان الباقون يتابعون عملها بترقب و فضول ، و يمكن القول : بتوتر شديد ، إنهم يعتبرونها المفتاح الوحيد لفك طلاسيم الجريمة الشنعاء ، بعد أن ادلهمت السبل ، و تضببت الطرق ، و صار البلوغ صعبا إن لم يكن مستحيلا.الصور :أما الصور فكانت لمجرمين عتاة ، يتميزون بالقسوة ، لا يتورعون عن الاتيان بالأعمال الشنيعة ، فقد عرف عنهم وحشيتهم و تمثيلهم بضحاياهم .القضية :مقتل أسرة بأكملها في ظروف غامضة ، لم يترك الجاني أو الجناة أثرا يدل عليهم ، مما يعني احترافيتهم ، و هو أمر صعب على رجال الشرطة فك اللغز ، و القبض على المجرمين. كان الضغط شديدا من طرف الرأي العام الذي أصيب بالبلبلة ، و فقدان الاطمئنان ، و من الرؤساء الذين يريدون نهاية لهذا الرعب الذي استوطن النفوس..تقول قصاصة إحدى الصحف :اهتز سكان مدينة {...} على فاجعة جريمة قتل بشعة وقعت حوالي الساعة الثامنة والنصف من مساء يومه الاربعاء 11 دجنبر 2...واستنادا إلى مصادر محلية، فان جريمة القتل البشعة راح ضحيتها أفراد أسرة بأكملها ، فقد تم ذبح الجميع من دون رحمة و لا شفقة ، و لم يتم تسجيل أي سرقة ، حيث إن كل ممتلكات الأسرة لم تمس ، مما يعزز فرضية الانتقام. و لكن ، من الجاني / الجناة ؟المرأة التي تقلب الصور و تنظر إليها بإمعان ، هي الشاهد الوحيييييد على الجريمة البشعة ؛ إذ ظهرت بعد نداء من لدن السلطات يحث كل من لديه معلومات عن الجريمة أن يدلي بشهادته ، و إلا اعتبر مشاركا ، و قد كانت ليلة الحادث المشؤوم قرب مسرح الحدث ، و تمكنت من رؤية المجرم الفار من المنزل و هو يحمل آلة حادة ، لم يتمكن من إبصارها لأنه كان يجري مبتعدا عما اقترفته يداه الآثمتان .تنظر إلى كل صورة على حدة ، و بتدقيق ، تقربها إلى عينيها حتى تكاد تلامس روموش عينيها ، و هو ما تبقى من جمالها الغابر ، الناظر إليها و هي تتابع الصور بذلك الشكل ، لن يشك بتاتا في أنها تعاني من قصر النظر، و في لحظة ، رأيتها تركز باهتمام بالغ على صورة واحدة بالذات.._عفوا ، سيدتي ، ما أنا إلا سارد !!رفعت رأسها ، و نظرت باتجاهي. جفلت ، و من عينيها أطل طائر مبلل ، تراجع الكرسي ، أحدث صريرا ، ثم سقط محدثا دويا منكرا ، لفت أنظار الجميع ..أشارت إلي بإصبع مضطرب ، ثم ضمر قليلا قليلا ، ليأكله الصمت البارد..و لما رأيت الأنظار تطوقني ، و العيون تحدق بي ، و أن ريح الاتهام بدأت تفوح شيئا فشئا ، و حفاظا على مشاعر المكتب ، و توازن الأحداث ،أنهيت ، بحزم ،القصة.
لطخة فنية
تقليص
X
-
الأفاعي تغير جلودها تتجدد باستمرار ..
فالذي تشاهده اليوم لن تشاهده غداً!!
القبض على الحقيقة يشبه القبض على ثانية التهمت ما قبلها من ثواني
ستليها نعم لحظات لكنها لا تشبه الوجه الذي غادر للحقيقة !!
تحية وتقديرالتعديل الأخير تم بواسطة وفاء الدولة; الساعة 31-01-2014, 12:12.
تعليق
-
-
المشاركة الأصلية بواسطة حسن لختام مشاهدة المشاركةقص ممتع، وشيّق..ونهاية غير متوقعة
إذن على السارد، أن ينهي قصته،وبحزم، كي لاتتعقّد الأمور أكثر فأكثر..وربما تُقترف المزيد من الجرائم
مودتي، صديقي المبدع المتألق التدلاوي
أخي الغالي ، السي حسن لختام..
أشكرك على دفء تعليقك ، و مزن تحليلك..
ممتن لك الإشادة المحفزة.
مودتي
تعليق
-
-
قالت احلام مستغانمي في روايتها ذاكرة الجسد الكاتب الروائي قاتل .. تذكرت كلماتها عندما وصلت مع قصتك الرائعة السرد الى الخاتمة المقاجئة
تحياتي لابداعك
مودتيالتعديل الأخير تم بواسطة محمود عودة; الساعة 02-02-2014, 22:49.
تعليق
-
-
المشاركة الأصلية بواسطة محمد الشرادي مشاهدة المشاركةأنهيت القصة للتستر على الفاعل الأصلي. لأن السارد ما هو إلا ناطق بلسان آخر يحب في كثير من الأحيان أن يبقى خلف الستار، و يدفع بالسارد إلى الواجهة.ليتلقى التهم، و اللوم و العقاب إذا تطورت الأمور.و ما هذا الشخص المتخفي إلا أنت أيها الكاتب الجميل.توحشناك ه
تحياتي
أشكرك على تعليقك العميق و السديد.
و أنا بصدد الرد على تعليقك ، تلقيت هبر وفاة عبدالسلام جاعة..تألمت.
عذرا فالالم اخرسني
مودتي
تعليق
-
-
المشاركة الأصلية بواسطة وفاء الدولة مشاهدة المشاركةالأفاعي تغير جلودها تتجدد باستمرار ..
فالذي تشاهده اليوم لن تشاهده غداً!!
القبض على الحقيقة يشبه القبض على ثانية التهمت ما قبلها من ثواني
ستليها نعم لحظات لكنها لا تشبه الوجه الذي غادر للحقيقة !!
تحية وتقدير
فقد أسعدني حضورك و تعليقك ، أختي المبدعة البهية ، وفاء
دمت بروعة
تعليق
-
-
قفلة في الجووووووون هاهاها
استمعت كثيرا بك هنا أستاذنا الجليل... نص مراوغ جدا..
تحياتى وتقديريصفحتي على فيس بوك
https://www.facebook.com/profile.php?id=100080678197757
تعليق
-
-
المشاركة الأصلية بواسطة محمود عودة مشاهدة المشاركةقالت احلام مستغانمي في روايتها ذاكرة الجسد الكاتب الروائي قاتل .. تذكرت كلماتها عندما وصلت مع قصتك الرائعة السرد الى الخاتمة المقاجئة
تحياتي لابداعك
مودتي
شكرا لك.
مودتي
تعليق
-
-
المشاركة الأصلية بواسطة بسباس عبدالرزاق مشاهدة المشاركةبقدر غرابتك تأتي مدهشا دائما
القفلة موحية أكثر نحو بعدا نمى بسرعة عالية جدا حتى أضحى عملاقا
من هو المجرم
أظن أن الأمر غير مهم بقدر ما هو مهم تلك الإشارة في النهاية
أحب كثيرا طريقتك في القص أيها الحبيب المبدع
محبتي و تقديري
أشكرك على تعليقك الذي سرني ، إضاءة قيمة ، و تحليل حصيف.
بوركت
مودتي
تعليق
-
-
المشاركة الأصلية بواسطة محمد سلطان مشاهدة المشاركةقفلة في الجووووووون هاهاها
استمعت كثيرا بك هنا أستاذنا الجليل... نص مراوغ جدا..
تحياتى وتقديري
شكرا لك على تعليقك الطيب.
سعدت بتقبلك النص.
مودتي
تعليق
-
-
أخي عبدالرحيم
ذكرتني برواية أودت بصاحبها إلى السجن
لأنها اتخذت ضدّه كدليل على ارتكابه جرائم قتل
القصة شاهدتها في أحد الأفلام ولا أدري مدى مطابقتها للواقع
كدت تودي بنفسك إلى الهلاك لولا أنك توقفت في الوقت المناسب
نهاية مراوغة بعد سرد سلس ونقي
احتراماتي ودمت بخيرالتعديل الأخير تم بواسطة أم عفاف; الساعة 26-02-2014, 18:54.
تعليق
-
-
المشاركة الأصلية بواسطة أم عفاف مشاهدة المشاركةأخي عبدالرحيم
ذكرتني برواية أودت بصاحبها إلى السجن
لأنها اتخذت ضدّه كدليل على ارتكابه جرائم قتل
القصة شاهدتها في أحد الأفلام ولا أدري مدى مطابقتها للواقع
كدت تودي بنفسك إلى الهلاك لولا أنك توقفت في الوقت المناسب
نهاية مراوغة بعد سرد سلس ونقي
احتراماتي ودمت بخير
أشكرك على هاته القراءة الطيبة ، و الإشادة العذبة.
بوركت
مودتي
تعليق
-
ما الذي يحدث
تقليص
الأعضاء المتواجدون الآن 213196. الأعضاء 6 والزوار 213190.
أكبر تواجد بالمنتدى كان 409,257, 10-12-2024 الساعة 06:12.
تعليق