" دخان الكيف " Antonio Rodriguez Guardiola قراءة : محمد المهدي السقال

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محمد المهدي السقال
    مستشار أدبي
    • 07-03-2008
    • 340

    " دخان الكيف " Antonio Rodriguez Guardiola قراءة : محمد المهدي السقال


    " دخان الكيف " (1)


    أنطونيو رودريكز كوارديولا

    Antonio Rodriguez Guardiola

    تمهيد:


    عاش المغرب تحت عنوان الحماية، فترة استعمارية توزعته بين إسبانيا و فرنسا، وقد صدرت عن مفكرين وأدباء عاشوا في المغرب وعايشوا أحداثه وتحولاته من الجانبين، كتابات تفاوتت انشغالاتها بتفاوت زوايا النظر و اختلاف مواقع الرؤية، مما جعلها تخضع في تأليفها لتحكمات ظروف و أسباب نزول، تراوحت بين الذاتي الموضوعي.
    هل كان الشعر أبعد التعبيرات الجمالية صدقا مع النفس في كتابة جل الأدباء المعمرين عن كينونتهم، لصدورهم فيه عن مشاعر إنسانية من صميم تجاربهم الشخصية ؟. لمقاربة هذا التساؤل، تم الاشتغال على نصوص شعرية تخص مدينة " القصر الكبير"، ضمن قصائد ديوان الشاعر الإسباني أنطونيو رودريكز كوارديولا تحت عنوان:" دخان الكيف".
    الشاعر:
    عدا كونه إسبانياً تردّد على بعض المدن المغربية خلال مرحلة الحماية، بدلالة ما رصده في شعره من معاينات مكانية بالأساس في طنجة و فاس والقصر الكبير، أو بدلالة ما كان من صدى لشعره عن تلك المدن، إذ حاز على جائز الشرف مرتين في مدينة العرائش القريبة جدا من القصر الكبير.( سنتا 1929 و 1937).
    فإن الشك سيراود البعض حول حقيقة عيشه في مدينة القصر، في غياب توثيق دقيق يمكن الاطمئنان إليه في الحكم على الوجود أو التواجد الفعلي للشاعر كوارديولا بها، غير أن استيقاف بعض المؤشرات المرتبطة بالوصف المادي للمرئيات المُتعامَل معها في متنه الشعري، ربما تسعف في الاستئناس بها، كي ننفي بعض الشك على الأقل، لفائدة الاتجاه القائل بوجود الشاعر حقيقة في الفضاء المكاني للمدينة.
    من ذلك، ارتباط عناوين نصوصه بمواقع مخصوصة تحيل على أمكنة بعينها، ما زالت كثير من شواهدها دالة على تعامل الشاعر معها في تفاصيلها الحسية، مثل: "القيصرية" من خلال نشاطها التجاري / "ضريح سيدي علي بوغالب" بمحيطه الطبيعي/ "جامع سيدي سعيد" ببوابته العتيقة / "النادي العسكري" والوصف عن قرب، لما كان يشهده من حفلات رقص على نغمات موسيقية، لم يفت الشاعر أن يقدمها من خلال معاينة مادية لآلاتها المتنوعة / "باب مدفن سيدي أحمد التلمساني" وموقعه الجغرافي / "حديقة السلام" و محتوياتها التي ما تزال عالقة بالذاكرة القصرية إلى الآن.
    إنها مؤشرات دالة على ارتباط الشاعر بالمكان، إلا أن يكون قد أفلح في تمثل تلك الأمكنة بوجدانه الشاعري عن طريق التخيل، ولن يكون في ذلك إلا مبدعا كبيرا، نجح في تصوير ما قد عجز عن رصده أولئك الذين ثبت تواجدهم التاريخي في مدينة القصر الكبير.
    بنية المقتطفات:
    تتشكل بنية المقتطفات من أحد عشر نصا شعريا، مترجما عن الإسبانية إلى اللغة العربية(2)، ضمن متابعة جمعية البحث التاريخي بمدينة القصر الكبير، للمنجز الإبداعي في تعبيره الشعري، حين يلامس كينونة وجود المدينة في عمقها الإنساني، بغض النظر عن هوية مصدر القول فيه، ما دامت تستلهم من عبق الوجود الحضاري للمدينة بمختلف تجلياته، موضوعا لاشتغالها و مادة لانشغالها.
    نجحت تلك النصوص المعربة، في تيسير اقتراب المتلقي من مجمل المعاني التي راهن الشاعر أنطونيو رودريكز كوارديولا، على الإبلاغ بها من خلال صور فنية، حرصت الترجمة على تمثلها ما أمكن، بالنظر لصعوبة القبول بأي ادعاء لمطلق وفاء الترجمة من و إلى،( في مجال الشعر خاصة )، إذا استحضرنا خصائص كل لغة في بناء صورها الفنية، و ما يتصل بذلك من إشكالات العلاقة بين المبنى والمعنى في إنتاج النص الشعري، والتلميح هنا إلى انعكاس صعوبات الترجمة في الشعر، على التقييم الموضوعي لجمالية التعبير الشعري بمختلف مكوناته التصويرية والرمزية في أصل الديوان.
    العنوان الرئيس: " دخان الكيف "
    الدخان في العنوان، مخصوص بالإضافة إلى الكيف، وبالتالي فهو لا ينفتح بمدلول لفظه على أي معنى آخر، غير ما يلحق الكيف من احتراق عشبه لنفث دخانه بين عشاقه.
    ( ما زال الناس يتذكرون بيع الكيف بالتقسيط في الدكاكين العامة ناهيك عن وجوده بين الأيدي دون رقيب على استعماله من غير حصار في متناول الأفراد الراغبين فيه سواء كان دخان كيف مما يتداول بين الناس ساعتها).
    والكيف نبتة زراعية في أكثر من منطقة في ضواحي المدينة، كانت رائجة الاستعمال في التدخين قبل السيجارة العصرية والمرتبطة في وجودها بمجيئ الاستعمار، وقد ظل عبق دخان الكيف بين شريحة اجتماعية في المدينة أهم وسيلة للانتشاء، بعيدا عن الشعور بالحرج تحت أية سلطة رقابية ، سواء كانت أخلاقية أو إدارية.
    النصوص:
    1 - حالمة هي القصر الكبير 2 - القيصرية 3 – في النادي العسكري 4 - باب مدفن سيدي احمد التلمساني 5 - قمر في سيدي علي بوغالب 6 - أنشودة القصر الكبير 7 - سيدي سعيد 8 - امرأة فقيرة 9 - برج العاج 10- إستير 11- حديقة السلام بالقصر الكبير.
    غنائية الديوان و بنيته الحوارية:

    تطفح نصوص الديوان المقتطفة، بعبَق نفَس شعريّ واضح الإمتاح من الذات، في تفاعلها مع الوجود الذي عاشه الشاعر واقعا أو تخيلا.
    وتكون بذلك أقربَ إلى الشعر الغنائي، في تعبيرها عن تجربة شخصية ذاتية بحمولة انفعالاتها النفسية، إزاء ما تقع عليه الرؤية للأمكنة والشخوص والأشياء، سواء كانت إدراكا بالبصر عن طريق العين الحسية، أو كانت إدراكا بالإبصار، بواسطة الحدس الوجداني.
    ستستمد تلك النصوص غنائيتها من فيض الأحاسيس التي خالجت الشاعر، فسعى إلى إشراك الآخر في الشعور بها، من خلال حالات و مواقف امتزج فيها العاطفي بالذهني.
    ( يستبعد هنا الحديث عن غنائية النص الشعري من زاوية موسيقاه بمستوييها الداخلي والخارجي، في غياب المعرفة بطبيعة الأنساق الإيقاعية التي وظفها الشاعر في النص الأصلي).
    على أن تلك الغنائية في " دخان الكيف"، و المتمثلة أساسا في قوة حضور الذات بأبعادها العاطفية، على امتداد ما صوره الشاعر من تماهيات الانفعال الوجداني مع اللحظة الواقعية أو المتخيلة في الزمان والمكان، ستجد ما يقابلها في صراعات الشاعر النفسية داخل الذات، والتي فاضت بها تأملات عميقة في معاني الحياة والوجود، تمظهرت خاصة في البنية الحوارية الداخلية لجل نصوصه، فكان الشاعر في سؤال ومساءلة مستمرين مع ذاته و مع مؤثثات مجال الرؤية كما أحس بوقعها في نفسه وجدانيا وذهنيا.
    ولن تأخذ تلك المونولوجات منحى واحدا، فهي حينا بين الشاعر والمرأة بوجوديْها الاجتماعي والعاطفي، و حينا آخر، بين الشاعر و الأشياء التي تفاعل معها جماليا و روحيا، متأثرا بما تتركه في نفسه لحظة التماهي معها.
    القيمة الأدبية والتاريخية لنصوص"دخان الكيف":
    يتساءل قارئ نصوص "دخان الكيف"، عما يتبقى في نفسه من أثر جمالي، لتدفق تلك الأحاسيس المعبر شعريا، لترجمة تعلق الشاعر بمدينة القصر الكبير، من خارج الانتماء الجغرافي والديني، علما بأن احتفاء الشاعر الإسباني انطونيو رودريكز كوارديولا بالمكان، سيظل باستمرار، نابعا من تفاعله الإنساني مع اللحظات التي التقطها وعمل على تصويرها من واقع حقيقتها أمام عينيه، أو تمثلاته لها بمخياله الفني، بعدما رصد كثيرا من علامات دالة على نضج المجتمع القصري في تعايشه الاجتماعي والديني مع مختلف مكوناته البشرية، دون اعتبار للفروق في الانتماء الجنسي أو الاعتقاد الديني.
    بموازاة ذلك، قد يتساءل عن سكوت الشاعر، على ظواهر أو مظاهر أخرى للحياة الفردية والجماعية في المدينة، من قبيل الكامن أو المتحرك في الوجدان الوطني، و ما اتصل به من ردود فعل الحراك ضد طمس الهوية ولو في أبسط تجلياته، بالنظر لطبيعة المرحلة التاريخية، والموسومة واقعيا بوجود ما يسمى بالحماية.
    ثمة ظاهرة فريدة تلفت الانتباه، و تتعلق هذه المرة بما طبع تعلق ساكنة " القصر الكبير" بكثير من الأمكنة ذات الصلة بالعمران الإسباني، بل يلاحظ فيض من الحنين إليها، مازال ممزوجا بمشاعر الغبن على ما أصابها من اندثار بفعل عوامل التعرية الطبيعية، أو ما لحقها من تشويه بفعل تدخل العامل البشري في تغيير معالهما الجمالية بعد الاستقلال.
    و أزعم أن التمسك القوي بذلك الحنين للمكان بعمرانه الروحي أو الاستعماري في مدينة القصر الكبير، إنما يعكس أصالة ذاكرة المدينة في بعده الكوني و الإنساني، بما تحمله من معاني التعايش و التسامح مع الآخر، حين يكون المنجز العمراني وجها جماليا وحضاريا.
    بل أزعم أن مدينة القصر الكبير ذات التاريخ العريق ببنية مجتمعها المديني، قد حققت لها هوية ثقافية لا تؤمن بالبعد الواحد والوحيد لبوصلة الحضارة الإنسانية، وشاهدها على ذلك ما تتكئ عليه من رصيد، شكلته تعاقبات التاريخ و تنوع روافدها الثقافية بعمقها الإنساني، فأفرزت ذلك التوهج الحميمي للتعلق بقيم الجمال والخير.

    القصر الكبير: محمد المهدي السقال


    *************
    (1) دخان الكيف : أشعار عن مدن مغربية مع رندة وقرطبة الأندلسيتين.
    ( نصوص حول
    مدينة القصر الكبير/ شمال المغرب )
    شعر: أنطونيو رودريكز كوارديولا
    Antonio Rodriguez Guardiola

    صدر سنة 1963 / أعيد طبعه سنة 1972 ثم 1981 بمدينة سبتة.
    (2) المترجم: محمد أخريف.
    باحث أكاديمي،مجاز في التاريخ من كلية الآداب بالرباط سنة 1976
    -
    ،وحاصل على المعمقة في التاريخ والجغرافية بجامعة UNED بمدريد إسبانيا سنة 1998.
    صدرت له عدة وأبحاث تاريخية وأثرية حول مدينة القصر الكبير و نواحيها، يعود له فضل اكتشاف نقائش و أحجار رومانية بالقصر الكبير، وبقايا فخارية وقناطر إسلامية تحت الأرض، وضمنها خبايا مطفية الجامع الأعظم بنفس المدينة،إلى جانب اكتشافه لرسوم تعود لما قبل التاريخ بقبيلة أهل سريف.

    **********

    " مُـجَـرَّدُ كَـلاَمِ عَـجُـوزٍ لَـمْ يُـدْرِكْـهُ الْـبُـلُـوغ "
يعمل...
X