بسمة الصيادي
زهرة في حقل ألغام
تخلقت من لهاث الصمت ، و لطمات الأسئلة التي تصبح الإجابة عليها رحلة في الموت ، عصية ؛ لأنها لم تحمل وجها واحدا ، بل وجوها أسطورية لها امتداد في الذاكرة ، و في وريقاتها الفولاذية أو الطرية اللينة ، التي تحتمي بها كالأشواك أو كقز الحرير .
المشتجر في باطن الوعي ظلال ، حميم و قريب إلي الذات ، تستدير بمنطقها و أفعالها حليب الانتباه بالرفض أو القبول سيان ، لكنها تحفر عميقا في جذوع النفس ، ربما حد القطع و الاجتراح ، دون أن تخلف أثرا في السلوك ظاهرا ، ينعكس في التصرفات ، أو في أدنى تجليات الإحساس بالآخرين ؛ حتى لو هدد البئر بالفوران ، و استحكم هديره تحطيم القيود و الأبواب و النوافذ ، و تلك القشرة العازلة التي التحم بها ، و أنتظر كثيرا حتى يأتي المجهول ، أو يتراجع المتآمر عن جريمته .
القص حالة لا يحدها مكان أو زمان ، حالة شديدة الخصوصية ، لم يكن شاغلها أن تقص أو تروي أو تحكي ، بقدر ما تكون استجابتها لرحلة الحروف من حولها و داخلها ، أي من الخارج و الداخل ، و هذا ليس نقضا لما ندعي من توافق و تصالح بين الرغبة و الإرادة من جانب ، و بين الحكاية أو الموضوع من جانب آخر ؛ ليتحقق ما قيل قديما و حديثا عن مجانية القص ، و الاكتفاء بذاته لذاته ، و ليس أيضا اقتناعا أن بالكلمات تكون القصيدة ، و بالموضوع يكون القص .. لم يكن الفعل خاضعا لكلا الأمرين .. و لكن لنقل أنه كان بينهما ، يتأبطهما معا ، في ذات الجملة ، و ذات النابض بها قبل ارتكابها الكتابة !
تعال نجرد القص تماما ؛ لنحصل في النهاية على قصة أقل ما يقال فيها عادية ، و ربما أدنى من ذلك ، حتى تدرك الفرق ، بين ما بيديك ، و تحت سطوة الفهم ، و بين ما نأيت من دهشات على كل رقعة العمل قبل سلخ الشاة ، فكل خلايا اللغة كانت تتحدث : العظام و الدم و الأوعية ، الأبواب و النوافذ و الكراسي ، حتى الغبار والهواء و العطر ، وملح التردد ، وقمح الاستجابة ، و أيضا المعاني و المدركات ، لها ذات الهواء و الأنفاس .
كل في فلك الدائرة سابح ، قوال و عطاء ، من خلال نسيج متواتر ، بين الانزياح لزاوية انحراف دلالية عظمى ، أو إحجام و قبض و إمساك خوف التهاوي و الزلل ، فيختزل تلك بآهة أو صمت طويل ، يعطي دلالة أكبر في اتساعه أو ضيقه ، في حال القطع بالتنقيط أو بترك مساحة من البياض تشبع و تسبر الحالتين : الناص و القص معا .
التأمل و الكشف حالة حاضرة ، وثيقة الارتباط بدائرة الحرف ، و إن كان في المستوى الأدق ، فلا شيء قاطع ، و لا يقين يستلزم اتجاها معينا .. أهو الحياد ، و الرؤية دون أدلجة ، تحديد مسبق ؟ ربما .. و ربما لا ، فالاختيار لا يقول ذلك ، و لا يتبنى غير لون بعينه ، و لو انفرجت الزاوية ، رغم تعدد الألوان داخل المتن !
أدري تماما لم تأتيني شخصية "الغريب" كمقدمة لحضور طويل و حشد كبير من كتابات "ألبير كامو "، و لم كان هو على وجه الخصوص ، و لم يكن آخر ممن انتهج ، و سار في ظله ، و في اتجاه أرصفته و سمائه ، و لم - حين قرأت نواة روايتها الأولى " مقهى الموت " ، التي تنتظر انبعاثها منذ سنوات ، كرواية كبيرة ، لكاتبة عملاقة ، تراقص الموت و الكلمات ، كما تراقص الحياة بكل الكامن في ذاتها كإنسانة تعي ، و تدرك ماهية الإنسان ، و سر جماله و خلوده ، و إخفاقاته و انكسارا ته على رقعة وطن مباح - كان وجه كامو هو الأكثر إثارة و حضورا ، و بالشكل الذي أطلقني سؤالا حادا ، تراجعت عن الإجابة عنه ، كيما تظل زاوية الرؤية مفتوحة غير مواربة ، بل مشرعة على اتساعها ، فلا تكون قيدا ، و أكون قد أسأت إلي هذه الموهبة ، حين أردت العكس !
صدقا .. و ليس من باب رفع العتب ، و إرضاء الذات الكاتبة و القارئة ، حين أكون بين نبضات " بسمة الصيادي ، قصها أو نثرها الشعري ، أجدني محاطا بوجوه عديدة ، تأتي وحدها دون استدعاء ، من بعيد تردد أنشودة البداية .. البداية فقط ، ثم تحجم إلا عن سموق تربعت عليه . هذه الوجوه التي استعمرت مواطن النفط في رأسي ، و ضخت مشاعري ووعي بالحياة حد الاشتعال ، كانت بدايتها نذير رفعة و سموق في عالم الأدب و الكلمة ، شعرا و قصا ، و لم تكن عبثا ، أو رؤى منامية لكائن متخم .
لن أذكر أسماء بعينها ، لكنني لن أنسى ، أن هنا موهبة في بداية الطريق ، و أن إشراقا جديدا للواقعية و انتصارا لها ، يكاد يبزغ في الأفق ، إن لم يكن هو هذا الصوت الذي تأتيني من قريب بعض شهقاته !
زهرة في حقل ألغام ، عنوان تعمدت به سبر غور قريب و بعيد – في ذات الوقت – لحلم كبير ، تاه في زحمة الألغام التي نشرها الطغاة و الأفاقون و الوراقون المحتالون ؛ لنظل في ذات الرحى ، حاملين صخرة التخلف و القبلية ، و تظل بدايتنا منتهانا ، كالسكارى نترنح بلا هدف و لا غاية ، و نستهلك – بضمائر واهنة زائفة - زهر الجمال و الحق و الخير ، دون أدنى إحساس بالتورط !
تعليق