الشماسة طرائد البؤس وأنضاء الفاقة /الطيب النقر

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • الطيب عبدالرازق النقر
    أديب وكاتب
    • 17-09-2013
    • 78

    الشماسة طرائد البؤس وأنضاء الفاقة /الطيب النقر

    وُلِدَ في أحراش مأهولة بالضواري من ذئبِ حافل النفس بالجرائر، مثقل الضمير بالكبائر، وأم أعلاها عسيب، وأسفلها كثيب، لينة الأطراف، ثقيلة الأرداف، كابدت من نصب العيش، وعنت البؤس، ووطأة الغرس، ما دفعها أن تلج معترك البغاء الذي يؤمه وعولٌ نحلت أبدانهم مقارعة اللذة، وشحبت أبدانهم مواتاة الرذيلة.
    سرى خبر انضمام الفتاة البارعة الشكل، اللطيفة التكوين، للواء العار، وكتيبة الخزاية في كل صقع وواد، بعد أن تجرعت من غصص الحياة وآلامها ما أجبرها أن تتجرد من ثوب الحياء، وتكون من رائدات الخنا، وسدنة الانحلال.
    عقد كل داعر يتسابق إلى مظان الشهوات، وخبيث يتزاحم على موارد النزوات العزم للنيل من رغائب بلغت كنانتها السهام، وتوافدت لمائدتها قوافل اللئام، حتى قبيلة البخلاء التي لا تبسط يدها بمعروف، ولا تندي يمينها بنوال، أولمت لها الولائم الفاجرة، وأقامت لوأد شرفها الليالي الداعرة، فصارت موطناً لكل مبتغى، ومهبطاً لكل مرتجى.
    وبعد أشهر عديدة قضتها تلك الفتاة في مستنقع العهر، ومعاطن الفجور، تمخض نضالها الدائب عن «نغل» تركه أبوه لأمه، وتركته أمه للناس، وتركه الناس للقدر حتى التقطته أيادي حفية مضت به إلى تلك الديار التي تنعي الشرف، وتندب الأخلاق،«دار المايقوما« ... الدار التي شيدتها الأرصفة المائجة بالفتنة، والمباني التي تشهد خلوات العشاق، «دار المايقوما» التي تسخر هازئة من كل قصر ورئاسة، ومن كل صاحب مكانة وقداسة، «دار المايقوما» التي تفضح من كوروا عمائمهم، ورفعوا طيالسهم، وسرحوا لحاهم، تفضح من قادوا هذا الشعب إلى الفقر المدقع، والغلاء المرهق، والعيش الخسيس.
    نشأ الطفل في مهاد الملق والفاقة، وترعرع في أكناف المرض والجوع، وقبل أن يناهز الإدراك، ويشارف الحلم، آثر أن يفر من منزل وهت فيه نوازع الحياة، وتداعت بين جنباته أسباب الأمل.. وعندما همدت الأصوات، وسكنت الحركات، أطلق الفتى البائس ساقيه للريح، وقصد عن حرد جماعة لم يزهر قط وجهها الشاحب، أو ينبسط محياها الكئيب، أو يبتسم ثغرها الحزين، جماعة لا تنشد غير الشبع، ولا تطلب سوى الهيام في أودية الكيف، جماعة تستدر الأكف بالسؤال، وتجني المال بالسرقة، شريحة الشماسة التي قنعت بحظها من الحياة رغم أنها ترى طائفة تسربلت بالحرير، ورصعت أصابعها البضة بالماس، قد شادت قصوراً تطاول السماء، ورياضاً تنافس جنة العاصي، وتركتهم طرائد للعوز، وأنضاءً للمخمصة.
    نعم لقد تركتهم دولة المشروع الحضاري يقاسون التعب، ويعانون النصب، وهم الذين لم تخلُ حياتهم من المخاطر، والمهالك، والحتوف، لقد وجد الغلام المنبوذ الذي يستعصم بخيوط الأحلام نفسه في ركاب نفر من ضعاف النفوس الذين لا يتحركون إلا في إطار دوافعهم الانتهازية، مروجي المخدرات الذين يتخذون منه ومن هو على شاكلته قطعاناً تسعى، ورغائب تُبتغى، ولذائذ تنال، بعد أن ضاقت حيله، وتصرمت حبال أمله في دولة تشبل عليه وترعاه، أما غمار الناس فقد كانوا ساكني القلب، لا يختلج فيهم شعور، أو ترف عليهم عاطفة، حتى نالته عوامل الزوى والبلى، وأخذته نشغات الموت في مساء يوم كئيب وقد أحاطت به عصبته الذين جلسوا مطرقين لا يلوون على فعل شيء وهم يرمقونه بطرف دامٍ، وفؤاد منفطر حتى علقته أوهاق المنية، فأتى في جنح الليل البهيم من يبقر بطنه ويستأصل كُلاه.. حتى يحصل على قراريط من المال يقيم بها أوده، ويسد بها رمقه..
    ليت شعري متى ترحم الإنقاذ الحانية حفنة من البشر تُنهر كما يُنهر الكلاب، وتُذبُّ كما يُذبُّ الذُباب.
  • ريما الجابر
    نائب ملتقى صيد الخاطر
    • 31-07-2012
    • 4714

    #2
    وصفت وأجدت وأبنت
    لله درك
    معنى عميق وقول في وصف رشيق
    وبهاء تتفاخر به السطور
    تقديري وحياكم الله
    http://www.pho2up.net/do.php?imgf=ph...1563311331.jpg

    تعليق

    • أبوقصي الشافعي
      رئيس ملتقى الخاطرة
      • 13-06-2011
      • 34905

      #3
      وجبة أدبية فاخرة
      مزيج بين مقال و خاطرة
      وصف وجع قض الضياء
      لله درك
      أديبنا المبجل / الطيب النقر
      نقر ٌ طيب على فسيفساء الحياة
      بأزميل المعنى
      و مطرقة الضمير ..
      تقديري و تحية تليق



      كم روضت لوعدها الربما
      كلما شروقٌ بخدها ارتمى
      كم أحلت المساء لكحلها
      و أقمت بشامتها للبين مأتما
      كم كفرت بفجرٍ لا يستهلها
      و تقاسمنا سوياً ذات العمى



      https://www.facebook.com/mrmfq

      تعليق

      • حور العازمي
        مشرفة ملتقى صيد الخاطر
        • 29-09-2013
        • 6329

        #4
        وصفت فأبدعت وبينت كل
        ماهو يفعل من ظلم وقهر
        واستعمار النفوس البريئة
        نص عميق بفكر راقِ
        تعايشت مع هذا النص الروائي
        بكل تفاصيلة وظلم الأبرياء هنا

        دمت بخير استاذي الفاضل
        تقديري والياسمين

        حور

        تعليق

        • الطيب عبدالرازق النقر
          أديب وكاتب
          • 17-09-2013
          • 78

          #5
          ريما الجابر
          جزاك الله خير على نداوة لفظك وحفاوة حرفك
          ممنون

          تعليق

          • الطيب عبدالرازق النقر
            أديب وكاتب
            • 17-09-2013
            • 78

            #6
            حادي الركب قصي
            لك التجلة والتقدير أستاذنا...وشاكر لأحرفك الفينانة التي تصعد بي لعنان السماء..
            دمت موفور الصحة والعافية

            تعليق

            • الطيب عبدالرازق النقر
              أديب وكاتب
              • 17-09-2013
              • 78

              #7
              حور
              هذه الطغمة التي تأخذ بخناقنا الان هي التي أودت بأرض النيلين لهذا التشرذم ..كما أن الظلم قد نشر بنوده وأعلن عن وجوده في كل سهل وواد..نسأل الله الخلاص

              تعليق

              يعمل...
              X