رصاصتان في القلب
... تطلعت إلى المرآة تتحسس عزيمتها ، باغتتها أنوثتها بصرخة استغاثة مدوية ، هالها ما رأت . فكرت أن تكسرها ، خافت على قلبهِ شظايا الانكسار. أرادت أن تستعيد الخطى، أن تواصل الهروب إلى مكان ليس فيه مرايا، أصوات من حولها تسد الأفق. صوت المرآة وأنوثتها، صوت العقل وأمها، صوت الفقر والسقف المتداعي، أصوات المشككين والطاعنين في الشرف. صوت يقذف بها إلى آخر . وكل الأبواب غلقت دونها إلا باب الحاج "الطيِب" الرجل السبعيني الذي أرهقته سلالم المنزل المهترئة صعودا ينوء بحمل الهدايا ، ونزولا محملا بثقل الخيبة ، متكئا على عكاز الأمل. صمُ الأذنين لم يعد مجديا، أصبحت الأصوات تسكنها. حتى قلبها الذي طالما كان عونا لها يخرس وسوسة العقل فيها، بح صوته ولم يعد يسمع له إلا أنين. تعاظمت الصرخات من حولها . أحستها تطبق على أنفاسها ، قاومت و قاومت .... ثم سقطت.
أفاقت على ضرب الدفوف وزغاريد النساء تشيع راوية حبهما إلى مثواها الأخير. تراءى لها فستان الفرح الأبيض كفنا يلفها وهي تجلس جثمانا إلى جانب الحاج "الطيب" الذي قبض بقوة على الحياة في يدها وقد انتصبت قامته ، استقام ظهره و دبت الروح في أوصاله.
فجأة اختفت كل الوجوه ومعالم الأشياء من حولها، زُلزلت الأرض تحت قدميها ودارت بها - لا تدري كم من دورة - قبل أن يستقر المشهد.
إنه هو... ! هو… لاشك !
لم تفلح سنون الغياب في إخفاء ملامحه عن ذاكرة قلبها ، مازال بإمكانها تعرفه من بين آلاف الصور. ها هو يسير إليها بنفس الخطوات التي استقبل بها البحر ذات مغيب رحيلا نحو غدهما الأفضل، ملوحا بوعد كان آخر كلمة خطتها الأقدار في روايتهما.
حين أدارت بدورها ظهرها للحياة، ركبت صهوة الانتظار وراحت تخط بمفردها قصة حب على صفحات الترقب، هاربة بيدها عن الأيدي الممتدة إليها. أرادتها قصة قصيرة تملأ الفراغ فيها ، وتشغلها عن حرقة الغياب ، فاستحالت رواية طالت فصولها حتى مالت شمس الأيام عن وهج العمر ، واحترق الجسد انتظارا، لتلقي بها السطور على أعتاب الأربعين.
و كأن ما بين الأمس واليوم طرفة عين. خفق قلبها بأكثر مما يحتمل، كأنها ترى روايتهما تتململ في قبرها، كأن نقطة النهاية تتزحزح من مكانها لتفسح المجال لسطور جديدة. راودتها فكرة نبش القبر واستخراج جثتها، راودها أن ترمي كفنها و تجري عارية. كيف والحاج "الطيب" يجلس حارسا أمينا لغنيمته، يسد الطريق بين الأمس واليوم ويجثم بكل ثقله على القبر.
- مبارك لك يا وفاء ! لقد تغيرت كثيرا !علمت بالأمر فور وصولي ، فآثرت إلا أن أشارككِ فرحتك يا ابنة العم .....
لم تسمع شيئا مما قال ، كانت الدهشة تعطل حواسها والأسئلة المتساقطة بغزارة كالعرق المتصبب من جبينها تستولي على فكرها: كيف ...؟ لماذا.....؟ من يخبرني أن ما أعيشه حقيقة ؟ أن ما أراه ليس وهما ؟
لماذا لم تخبرني أنك عائد ؟ أنك قادم ؟ أنك حي..؟
كنت لأنتظرك العمر كله ! لماذا غصت في الغياب ، حتى إذا انقطعت أنفاس انتظاري طفوت على الحاضر من جديد ؟ لماذا جعلتني أوقع يائسة شهادة وفاتنا ، ثم عدت لتقول أنك لا زلت حيا ؟
يا لفجيعتي ! أيعقل أن أحتفظ بك كل هذه المدة بأيامها ولياليها وعذاباتها لأخسرك بفارق يوم! كيف سأعيش مع رجلين في واقعي... ؟
استعادتها يد امرأة ممدودة لمصافحتها و صوت رجل يقول : يسعدني أن أقدم لك زوجتي (ماري(.
تعليق