ملاك
يصاحبها الحزن كظلها، مربوطا بحاجبيها لكأنه أصبح جبينها المعقود . فيه الشقاء. تتدلى من عينيها نظرات كئيبة بالغة الأسى . كثيرا ما أشاطرها المزاح؛ محاولة مني لأبعث الأمل المترسب في أعماقها. تنظر بذات النظرةالمنتحبة التي اعتدتها منها، رغم أنها لا تفصح عن مكنونات نفسها ؛ لكننيأستطيع قراءة نفسيتها المعذبة. تخرج ابتسامة على شكل فقاعة، سرعان ما تنفجر محدثة ندوبا بقلبها الغض. تودعني ، و تنصرف بخطوات متثاقلة.
هل أصبحت ملاك مجرد هيكل يمشي بلا روح؟، أم هي تخلت عن روحها، ما الذي جعلها مرهقة لهذه الدرجة، و يائسة بائسة. هي من توزع الفرح و الأمل .أقارن بينها و بين تلك الفراشة التي كانت تملأ الزقاق فوضى بمشاغباتها،خاصة عندما أصطحب ابنتي .تقترب منا ، و تطالب بحصتها من الحلوى . موقفها عندماخطبتها من نفسها لابني. تقدمت منه، و قالت له: و لكنك لا تشبه الفرسان. ثم استدارت نحوي ،و قالت: اشتر له برنوسا و حصانا ؛ ليكون جديرا بأميرة ، فسندريلا لن تتزوج إلا أميرا.
للتو خطرت لي فكرة استدعائها ، لحفلة ميلاد ابنتي هي و صديقاتها، و تدبير حفلة خصيصا لتنشرح روحها و صدرها. لم أنتظر ، و أخبرت ابنتي بذلك. سرت كثيرا بالفكرة، لكنها ترددت قليلا؛ كونها تخاف من إعراض زوجة والدها عن السماح لها بالاستجابة.
لم يكن من السهل أن يوافق والدها، نزل عند رغبتي بعد إصرار وإلحاح، و كرامة لصداقة جمعتنا؛ فكثيرا ما تشاركنا أحلامنا البريئة في ريعان الشباب، و التي كانت في طريقها للتحلل في أفق الوقت يوما بعد آخر.
حضورها للحفلة لم يكن ليقلل من مأساتها على ما يبدو، رغم كمية السعادة التي كانت ترشقنا بها،لكنني كنت ألمح سحنة الألم بادية في زوايا عينيها، لم تقصر رغم حزنها في بث جو ملائكي و حميمي بينها و بين صديقاتها. أحسها ترغم ملامح وجهها ، و تعتصر الضحك ؛ و لكأنها تحيكه من دمها.
مرت الحفلة رغم كل ذلك بسعادة غمرت الغرفة. استسلمت للنوم مرهقا من جراء متابعة حفنة فتيات مشاغبات، و اللواتي كثيرا ما كن يتوجهن لغرفة ابني لمعاكسته. طبعا من الصعب أن يتغلب عليهن ، مراهق يكبرهن بسنتين فقط، فيبتسم لهن ، و هو يمرر وعدا لملاك من خلف برنوسه المعلق فوق مشجبه.
استيقظت فجرا على وقع صراخ ، يزداد بقوة ؛ ليخفت ذلك الصوت ، و يتسلل النحيب مع ضوء القمر . كأن القمر ينتحر بين يدي هذا الذي يبكي باختناق . سارعت للخارج بعد ارتداء ثيابي.
يجري من بيته حتى آخرالزقاق، ثم يعود ؛ ليسكن أمام بيته، يضع يديه على رأسه مثل تائه ، ثم يجثوعلى ركبتيه ، و يصرخ .عيناه تمشط اللاشيء.
-ماذا هناك؟ ما الذي حصل لك؟
نظر نحوي، و بصوت مختنق و مضطرب:
-ملاك.
-ما بها؟
ثم بدأ بالبكاء و النحيب، يشد رأسه ؛ و كأنه اللوم يقطع أواصره.
-لم أجدها في سريرها.
أخذته ، و اتجهنا نحو مركز الشرطة ، و سجلنا محضرا باختفاء ابنته.
كل يوم يمر ، و لا نسمعخبرا جديدا عن ملاك ، يتجه سلوكه نحو الجنون، يمارس تعذيب نفسه. أحيانايعاتب جبنه عن مواجهة زوجته، و كيف استطاع إغفال حالة ابنته ، و كيف لم ينتبه لمأساتها و تعذيبها؟
كل شيء تغير في الحي، الكل أصبح يصطحب أبناءه للمدرسة؛ فحالات الاختطاف أصبحت هاجس المدينة في السنوات الأخيرة، و يبدو أن ملاك ما هي إلا ضحية أخرى.
أمسكت يد ابنتي ، متوجها بها نحو مدرستها. تأففت قليلا ، و قالت:
-ليس هناك ما يخيف يا أبي.
-حتى ملاك لم يكن هناك ما يخيفها.. و انظري ما حصل.
-و هل تعتقد أنها اختطفت؟
-شهران مرا ، و لا خبر عنها، ماذا تعتقدين؟
-إنها في أمان، بل و أحسن حالا مما كانت. أكاد أكون متيقنة من ذلك، لا أعرف مكانها بالتحديد، و لكنها أخبرتني أنها سترحل. لأنها سئمت تغطرس زوجة أبيها التي كثيرا ما تضربها، و تحرض والدها ضدها. هل تصدق أنها قالت لزوجها: أنها تخاف منها أن تقتلها، و هل تعرف أنها قذفتها في عذريتها. لقد ملت تلك الحياة. سأزيدك لتعرف حجم مأساتها ، و العذاب الذي تتجرعه يوميا. ليلة عيد ميلادي رأيتها ، و هي تذهب ناحية المرحاض. أتعرف لماذا؟.. لتغسل أنفها من الدم. ليلتها أخبرتني عن عزمها الرحيل.. حاولت ثنيها عن الذهاب ؛ لكن حياتها تحولت لجحيم لا يطاق...الموت أرحم لها؛ صدقني أبي.
لم أعر كلامها أهمية ؛ فقد بدت غاضبة جدا، كثيرا ما كانت ناقمة على عائلة ملاك، خاصة زوجة أبيها، تلك التي دخلت حياة تلك الطفلة و حولتها إلي جحيم، و كأنه لا يكفيها فقدان والدتها حتى تزيد على حزنها كمية أعتى من العذاب.
مر الزمن بسرعة - كما قال نيوتن – الزمن هو نهر ، لا يأبه لنا، يستمر بالجريان و التدفق، أحسه يمعن في السريان بين أضلعنا بسرعة رهيبة. حتى سرقت منا أوقات جميلة لم نلتفت لها، منها لحظات نمو الأطفال، فهذا الولد شب هو الآخر و راح يبحث عن نفسه بعيدا عني، أتذكر أحلامه البريئة التي كنت أتلصص عليه و هو يسر بها لأمه عن عودة ملاك و هو يذرف الدموع. فاجئني بالأمس بإعلانه عن حب زميلة له في العمل ينوي الزواج بها، و أخبرني عن أخلاقها و أدبها، أخبرني أيضا أنها كانت تعيش بالخارج مع خالها أين أنهت دراستها، و التي عادت منذ سنة فقط لتعمل معه مذيعة في التلفاز، قلت لنفسي إذن ليس صعبا أن أرى زوجة ابني و لو من خلف شاشة.
جلست معه نرتشف القهوة، كنت أنتظر أخبار الثامنة لأبارك الحب و لو من خلف الزجاج. كان مهموما و حزينا للغاية عندما بادرني بالحديث:
-عشر سنوات مرت.. إن كانت حية ، ستكون أجمل فتاة على وجه الأرض، لأنني جبان أدفع الآن ضربية مضاعفة، فقدان ابنة... و..
-و لكن الطب في حالة تطور..
-لقد أخبرني الطبيب أن زوجتي عاقر ، لقد انتهى الأمر، لم أخبرها و يجب أن يبقى سرا ، و لابد أن لا تعلم عنه، أخاف عليها أن تتعرض لجلطة ؛ فقلبها أصبح ضعيفا، و ربما لأنني أصبحت أكرهها ، لم أعد مهتما بالإنجاب أصلا.
-هل أصبحت تكرهها ؟
-جدا.. هل تعتقد أن ابنتي اختطفت ؟ لا أنا متأكد أنها هربت من جبني، و من جحيم امرأة حقودة . قد تكون ميتة الآن؛ فمثلها لا يستطيع مواجهة العالم.انتقم مني ربي؛ لأنني لم أمنح ابنتي الحنان بعد وفاة أمها، فحرمني حق الأبوة؛ لأنني لا أستحق الأولاد، فمن ضيع طفلة يضيع أمة.
قالها ، و استسلم لموجة من البكاء و النحيب. حاولت قدر استطاعتي مواساته ، ولم أفلح ؛ فالندم كان ينخر في ضميره. الضمير جسد متقولب بذواتنا ، متى انكسر لم نعد قادرين على لملمته.
رفع رأسه نحوي في استسلام تام ، و هو يجذب نحو رئتيه أكبر قدر من دخان سيجارته؛ كأنه يبحث عن الموت، ثم انتفض ، و صرخ:
-ملاااااااااك...
آلمتني صيحته التي جذبت أنظار الزبائن في المقهي، و لكنه عاود الصياح بقوة و قوة:
-ملاااك حبيبتي، كم أنت جميلة...
عيناه متسمرتان بالتلفاز. كنا ننتظر مشاهدة ابني؛ ليقدم أخبارا لثامنة، كان مع مذيعة عشرينية يقدما أخبار الثامنة، و هما يتبادلان نظرات؛ لا يمكن إلا أن تكون همسات عشق و حب. و تحت صورتها اسمها الذي صعقني جدا.. ملاك ! ،لكن لقبها كان ينضح بالبر لوالدتها.
تعليق