قاتل الله الساسة الذين مزقوا الأوطان، وفرقوا الخلان..

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • الطيب عبدالرازق النقر
    أديب وكاتب
    • 17-09-2013
    • 78

    قاتل الله الساسة الذين مزقوا الأوطان، وفرقوا الخلان..


    كانت تربطه بتوماس وليم العالم الجهبذ الذي تشرئب لمقدمه الأعناق، وتشخص لطلعته الأبصار، علائق ود شفيف وصداقة تأكدت أسبابها على الخفض والشدة، ورسخت قواعدها على الإكبار والحب، فلقد أقذيا أعينهم تحت أضواء المصابيح في تلك المنارة السامقة التي لا تجد بين عرصاتها عراء ولا خلاء ولا وحشة.
    دأب الشاب الطرير الفارع الطول، الحلو القسمات، الذي تعلوه سمرة لا تدركها الأعين إلا حينما يشع بهاء ثغره، على أن يُدخِل على صاحبه الماركسي الذي أتاه الشيطان حظاً وافراً من الخلاعة، وقدراً هائلاً من المجون، قبس من نور التشجيع، ويُلهِمهُ بلفظه الموشى بالصراحة وتعابيره التي يغلب عليها الصدق ما يرفع عنه أثار الضعة التي يأنسها في نفسه، وأغلال الصغار الذي جعل من حياته أتون يحتدم بالكره، ويضطرم بالعداوة.
    كفّ توماس وليم الذي ينحدر من بيت رفيع الدعائم، أثيل المنبت في الجنوب عن التردد على مجلس الشيوعي ياسر بعد أن كان ملازماً له ملازمة رفعت عنه آصار العجمة، وجعلته متمكناً من ناصية العربية، فلقد أضحى مجلس الرفيق ياسر يفيض بالتذمر، ويضجُ بالشكوى من نتائج الانتخابات التي قوضت حصون الأمل في دواخله بأن تقوم للشيوعية العجفاء قائمة في تلك البقعة المحاطة بسياج العلم والفكر، والمزدانة بآكام النور والمعرفة، بعد أن قيض الله زمرة من الطلاب المنتسبين للواء الإسلام مسحوا الكرى عن الجفون، والقذى عن العيون، وأبقوا على جذوة لم يطفئ وميضها توالي السنون، أو يخمد بريقها تعاقب القرون، نعم لقد جدد أولئك الفتيان الذين يخطرون في مطارف الشباب، ويختالون في حُميا النشاط ما رثّ من حبل الدين، وجمعوا ما شتّ من شمل القيم والأخلاق، فلم يجد الماركسي الممعن في عمايته، والمُنكب على غوايته، مراغما ولا سعة سوى ترك الجامعة التي أُشتُهِرَ فيها بالذكاء والنباهة.
    هجر ياسر الذي يرى أن الإسلام لم يساوي بين كل الناس في الغني والحرية، بل ساوى بعضهم في الفقر والعبودية، قاعات التحصيل وهو في السنة الرابعة ولم يأبه لرجاء منقذه الذي أنزله منزلة الأبرار في جنته، لقد طالبه توماس الذي أوغل في البحث، وأمعن في التنقيب، حتى صار من أساطين العلم، وأرباب الاجتهاد فيما بعد أن يرسل طرفه الكليل إلي مستقبله المدلهم، وأن يسعف نفسه بفيض من التفكير العميق الهادئ فيما يؤول إليه حاله بعد نبذ العلم، وقطيعة المعرفة.
    مضى ياسر في نزقه ومجونه لا ينشد غير العُهر، ولايبتغي غير اللذة، حتى انتشلته يد حانية بعد عقد ونيف من وهدة القنوط، والتردي في غياهب الفسق والانحلال، لقد كانت حياة اليساري الغارق في أوضار الانحراف عبارة عن ضباب لا يشع في جنباته أمل، حتى أطلّ بقوامه السمهري توماس فأحالها إلي جنة وارفة الظلال، صديقه توماس الرجل العذب الروح، السليم الصدر، الحاد الذكاء، الذي يهش للعلم هشاشة البخيل للمال، توماس الذي قضى عقد من الزمان في بلاد العم سام أفناها في العمل الدائب، والعناء المرهق، والكسب العلمي المتواصل، حتى أضحى من العلماء الذين يرجع إليهم في المشكلات، ويستصبح بسناهم في الملمات.
    توماس الذي صقله العلم، وهذبه التمدن، حصد منجل الوغى السواد الأعظم من عترته في تلك الحرب اليباب التي لم تكن تأصرها آصرة، أو تدركها شفقة بين الأشقاء الذي يعيشون في كنف وطن واحد. ولكن الهيجاء أخفقت في جعل توماس تستفزه طيرة الغضب، أو تستخفه فورة الحقد، فصدره لم يكن موبوء بجراثيم السخائم والبغضاء، بل ظلّ كما عهده الناس سليم الجوانح، عفيف الجوارح، لا يبسط لسانه بأذى، أو يطوي صدره على ضغينة، نعم لم يكن توماس كرصفائه من أقطاب العلم في جنوبالوادي الذين قدحوا زناد الحرب، وأشعلوا فتيلها، لا..لم يكن قط وحشٌ تبدى على جبلته يتحلب الريق من أنيابه، أو يقطر الدم من أظفاره، بل كان يقلب كفيه أسى وحسرة، ويحرك لسانه بالإنكار والدهشة، كلما شاهد وطنه الذي عصفت به الأنواء، وشعبه الذي يتخطفه الموت، ودياره التي يستبيحها الغريب.
    أخذ توماس يبحث بهمة ماضية، وعزم أكيد عن صديقه ياسر حتى وجده بعد نصب وعنت في مواخير الفساد، يعاقر الخمر، ويضاجع رزائل البغاء، وجده كما تركه لا يشغل ذهنه بفكر، أو يده بعمل، فتعهده بخيره، وأرضعه أفاويق بره، ولم يتركه حتى التأم شمله مع الناس، وانتظم عقده بالمجتمع.
    هاهو ياسر الآن مُدثراً بلفائف المرض، فقد أثخنته جراح لا تندمل إلا برؤية من يسري عنه الهموم، ويهون عليه متاعب الحياة، فصديقه الذي يلازمه ملازمة الفصيل لأمه أمست رؤيتة أُمنية دونها خرط القتاد، فمحض وداده توماس الذي لا يضاهيه أحد عنده في جوده ونجدته، وصدق لهجته، وكرم عشيرته، قد شحط عن الديار، وبات يقاسي لأواء الحياة وقسوتها في تلك الأراضي التي تركض فيها المصائب، وتتسابق إليها النكبات...
    قاتل الله الساسة الذين مزقوا الأوطان، وفرقوا الخلان.
    الطيب عبد الرازق النقر عبد الكريم
    ولاية النيل الأزرق-الدمازين
  • عائده محمد نادر
    عضو الملتقى
    • 18-10-2008
    • 12843

    #2
    الزميل القدير
    الطيب عبد الرزاق النقر
    أسلوبية جميلة وفكر عميق
    لا أدري لم يرتبط امجون دائما بالحزب الشيوعي فالحقيقة أنا لست من محبيه ولم أتابع خطواته
    أحببت صمودك أمام هجمة وإصرارك على أن تعيد الشاب لجادة الصواب
    السرد كان جميلا ولو أجد بعض التكثيف سيضيف له
    العنوان جاء تقريريا وطويلا وليتك تفكر بأن تغييره ليكون ملفتا وأكثر قربا من القاريء
    أهلا وسهلا
    كل الورد لك وليتك تشاركنا قراءة بعض النصوص وإبداء الرأي حولها
    الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

    تعليق

    • الطيب عبدالرازق النقر
      أديب وكاتب
      • 17-09-2013
      • 78

      #3
      سلام أستاذة عائدة
      أتمنى أن يسعفني الوقت لأتابع هذه السموط التي يدونها بعض جهابذة هذا الصرح..أدرك تماما مدى تقصيري ..ولكن صدقيني بضاعتي مزجاة ورأيي ما زال في معية الصبا..
      كل الود والتجلة

      تعليق

      • محمود عودة
        أديب وكاتب
        • 04-12-2013
        • 398

        #4
        تمتع بقوة سرد رائعة وقدرة على تطويع الكلمات واستساغتها بما يتلائم مع تراكم افكارك الرائع ولي ملاحظة بسيطة وهي الفهم الخطأ للشيوعية ووصمها بالمجون والفسق والحقيقة هي مذهب فلسفي وان كان ينكر الأديان السماوية والعياذ بالله ولكن نحن في وطننا العربي فهمنهاه بهذا الشكل وانا اضم صوتي الى الأستاذة عائدة بالنسبة للعنوان
        مودتي وتحياتي

        تعليق

        • أحمدخيرى
          الكوستر
          • 24-05-2012
          • 794

          #5
          اهلا بك يا بن النيل ..
          لست ادرى ما الذى جعلنى اتذكر "رواية : موسم الهجرة إلى الشمال " الشهيرة لـ الطيب صالح
          وانا فى متصفحك " ربما لان ياسر بطل قصتك يتشابه فى صفاته مع حسن " بطل رواية الطيب صالح "
          فى البداية احترت " هل أنا امام مقال قصصي .. او صفحة مذكرات .. ولكن السرد المسترسل ، والرشيق فى نفس الوقت " جعلنى انسى كل هذا ..
          واندمج مع النص ..
          لى ملاحظات فى الاستهلال ، والغلقة ..
          فـ الاستهلال جاء " بـ ذكرى ثم شخص ووصف " فجعلتنى اسرح فى مقال قصصي
          انقذ السرد والحبكة الاحداث
          حتى كانت الغلقة " بنفس العنوان "
          والمفترض ان العنوان مفتاح تنوير اولي " فبدت لى كذلك كـ صفحة مذكرات "

          على اى حال التجربة جميلة وقلمك جميل ..
          واتمنى ان اقرأ لك أكثـر إيها العزيز

          تحياتى
          https://www.facebook.com/TheCoster

          تعليق

          • الطيب عبدالرازق النقر
            أديب وكاتب
            • 17-09-2013
            • 78

            #6
            شكرا أخي محمود على كلامك الجميل الذي ترك في دواخلي احساس بالزهو والاختيال..وآسف اذا كان العنوان طويل بعض شيء بس حسيت انه معبر اكتر وملائم لواقع بلدي المرير دمت سيدي

            تعليق

            • الطيب عبدالرازق النقر
              أديب وكاتب
              • 17-09-2013
              • 78

              #7
              أستاذ أحمد خيري
              ممنون والله لتعلقيك اللطيف دا وصدقني حديثك هذا لامس شغاف الفؤاد أنا يا سيدي أكتب في الشأن السياسي في بلادي ولا علاقة لي بالقصة والسرد لا من قريب ولا من بعيد بس زي ما قلت هي عبارة عن كشكول لو أبتغيت الاختصار..بس شخوص هذا الكشكول ما زالوا يضطربون على ظهر البسيطة...
              أستاذ خيري لك كل الود والتبجيل
              التعديل الأخير تم بواسطة الطيب عبدالرازق النقر; الساعة 14-04-2014, 21:07.

              تعليق

              يعمل...
              X