أبدا لم يجف دمعها!
====
تطلعت إلى نصف المرآة المعلقة على الجدار. كان وجهها عبوسا قمطريرا، يحمل آلام الدنيا، وقسوة وقهر ما حدث لها اليوم.
سنون هادرة مضت وهي تحمل صرتها فوق رأسها، تضع فيها مآسيها وحزنها وقطعا من القماش والروائح والمناديل، تدور بها في البلاد، من بلدة إلى بلدة، لتبيعها إلى نساء القرى.
لم تكن لتبيع لهن بسهولة؛ بل يفاصلونها ويرهقونها من أجل نصف الجنيه وأقل. كثيرا ما يوبخونها ويصفن بضاعتها بأنها عديمة القيمة ورديئة؛ فتقابلهن بابتسامة تحاول بها أن تستميل ما بقي في قلوبهن من رحمة.
تظل على ذلك طول النهار حتى تتهالك قوتها وإرادتها مع تهالك أقدامها وكل أجزاء جسدها. وتعود مكللة بجنيهات قليلة، تسد بها جوع طفليها، وتدخر منها جزءا منها أعانها في تعليمهما.
لم يعد لهما أحد غيرها بعد وفاة زوجها. تضعهما في حضنها، وتنتظر بشغف اليوم الذي يكبران فيه ليزيحا عنها حملها الثقيل. تطلب منهما الجد في المذاكرة والتفوق.
وفي اللحظة التي كانت تمني نفسها بأن تستند عليهما بعد أن كبرا، وأنهما صارا لها عونا وحماية من كل الأخطار التي كانت تحدق بها ومازالت، تفاجأت بهما يسألونها عن صحة تلك الإشاعات التي تناثرت حولها. شعرت بأن الدنيا تميد بها وأن السماء أطبقت عليها حين قال لها ولدها، والذي أصبح شابا يافعا وبحدة: هل صحيح ما يقال عنك؟!
نظرت إليه بقلق وغضب: وماذا يقال عني. تطلع إليها الآخر بتجهم، وخرج صوته أكثر غلظة: أنك...
كانت تسمع بتلك الإشاعات من حين لآخر، وكانت تسمع الألسنة وهي تهمس بكلام كالسكاكين في كل خطواتها. لا لشيء غير أنها تعيش وحيدة دون نصير لها سوى طفليها الصغيرين، ولا لشيء سوى أنها أرادات أن تعيش عفيفة شريفة، وصدت كل همساتهم وغمزاتهم ومساوماتهم كحائط صد منيع. كان يراودها قلق مبهم داخل نفسها من هذه اللحظة، لكنها كانت تؤكد لنفسها بثقة ويقين أن ولديها وفلذة كبدها لا يمكن أن يصدقا ذلك، وأنهما سيقفان بالمرصاد كجنديين لكل من تسول له نفسه أن يطعن في شرفها.
فكرت في أن ترد عليهما وأن تؤنبهما بأنها حافظت على نفسها، ولم تترك يدا تعبث بجسدها. قاومت عيونا كانت تراقبها وتطاردها كذئاب جائعة. وأن تقسم لهما بأنها قاتلت حتى تخرج من دنياها نظيفة. وأن تقول لهما بأنها لم تتزوج، وجففت ينابيع شبابها من أجلهما، وحفاظا عليهما. لكن لسانها عجز عن الكلام، ولا تعرف سببا لذلك؛ ربما لأنها لم تكن تصدق بأن ولديها اللذين كانا يلتصقان بها في كل خطوة من خطواتها، ويعرفاها تمام المعرفة يمكن أن ينطقا بتلك الإشاعات أو أن يصدقونها للحظة واحدة، أو لأن وقع المفاجأة التي سقطت عليها كصاعقة جعلتها تقف أمامهما صامتة دون أن تتكلم؛ إلا أن عينيها تحدثت وأفاضت بالدموع التي انهالت كمطر رغما عنها.
تابعتهما وهما يلملمان أغراضهما وكل مالهما، ونار تشتعل في صدرها كالحريق. تركاها وسافرا بعيدا عنها دون حتى أن يودعاها.
أصبحت بعد ذلك تعيش الوحدة والقهر والحزن في حجرتها. لا يعبأ بها أحد. صار البكاء رفيقها في ليال طويلة لا تنتهي. تتلفع بظلام الحجرة المتهالكة التي لا يؤنسها فيها إلا ضوءا ينبعث من بنورتها القديمة، والتي طبع الزمان آثاره عليها مثلما طبع آثاره على وجهها. وحدهما يعيشان في هذا الفراغ القاتل.
ليلة أمس، راودها حلم أسعدها. حلمت بابنيها يأتيان إليها، ويعتذران لها عما ارتكبا في حقها. عاهداها بأن لا يفارقاها أبدا، وسيفعلان من أجلها كل شيء يسعدها.
صحت على نشوة الحلم، وفرحة تلونت بإشراقة الشمس تعلو وجهها. توضأت، وسجدت لله شكرا، وقالت: - بالتأكيد سيفسر حلمي بالخير هذه المرة! أخذت حملها، ومضت في طريقها. تفاجأت بأحدهما يقابلها في الطريق. شعرت بسعادة الدنيا، وكادت ترقص في الشارع من شدة فرحتها. أقنعت نفسها بأن حلمها تحقق. لمح وجهها فتبدلت ملامح وجهه، أسود لونه وكشر لها عن أنيابه. كان يتأبط ذراع زوجته، فحدجها بنظرة مميتة. ودون أن يذكر اسمها أو صفتها أجهز على كل إرادتها: - ألم تموتي بعد أيتها...؟!
لم تقو على الحراك بعدها خطوة واحدة. هُزمت وتلاشي كل شيء حولها. بلا وعي دارت وعادت تجر أذيال خيبتها. أوت إلى حجرتها وتلال من الأحزان تتدافع فوق جسدها. شعرت بمقتها لحياتها ودنياها. أمسكت سكينا، وعاودت النظر إلى المرآة. بخيبة أمل الدنيا قررت أن تمضي بلا عودة. سددت طعنتها بكل قوة...
تعليق