ركبت الباص من المدينة باتجاه الجامعة ، وبدأ الجابي بجمع الأجرة من الركّاب ، إن التسعيرة الحكومية هي ثماني فرنكات وبما أن الفرنكات ألغي التداول بها منذ فترة لا بأس بها ، كان الناس يدفعون نصف ليرة بدلاً من ثماني فرنكات .
تعجّبت عندما كان الجابي يأخذ أجرة الراكب الواحد ليرة كاملة بدلاً من نصفها ، ولم يمتعض أي من الركاب علناً رغم تأكدي تمام التأكد أن الكثيرين منهم منزعج ويكاد ينفجر غيظاً في داخله ، ولكنه يبلعها ويسكت ، فهذه صورة صغيرة من صور الاستغلال التي يتعرض لها كل يوم ، كما أن نصف ليرة لا تشكل فرقاً أو جريمة .
تخيلت نفسي أنادي على الجابي وأطلب منه أن يعيد نصف الليرة التي أعطيتها له ، وبوقاحة وسخرية يجيبني : يبدو أن الأخ غريب عن هذه البلد ... هل رأيت أحداً دفع نصف ليرة ؟؟
فأجبته : ولكن التسعيرة هي نصف ليرة فقط
فرد بوقاحة أكثر : أخي إذا لم يعجبك هذا الشيء ... أمسك خذ ليرتك وانزل فوراً
وعلى الفور ضغط السائق على الفرامل بقوة و أوقف الباص على يمين الطريق وصاح : شرّف أبو الشباب انزل هنا
تحديتهم قائلاً : لكنني لم أصل إلى حيث أريد بعد
وهنا ثارت ثائرة السائق والجابي معاً وهجما عليّ ، الجابي أمسكني من قميصي والسائق كان مستعداً لأي حركة قد أقوم بها .
قال السائق : هيا انزل وإلا نعمل لك اللازم
دار هذا والناس يتفرجون دون أن يتدخل أحد منهم
أحد الركاب صاح بي : يا أخي هذه نصف ليرة مني لك ودعونا نكمل طريقنا ... لقد تأخرنا
أجبته : كثّر الله خيرك ... دعها معك ، فأنت بحاجة لها أكثر مني .... ولن أنزل حتى أصل إلى المكان الذي أريد
بسرعة فائقة ، وبحقد فظيع لكمني الجابي والسائق معاً عدة لكمات على وجهي وصدري ، ومد السائق يده إلى خصره وأخرج مسدساً حربياً وصوّبه نحوي ، ولكني كنت أسرع منه فضربته على يده التي كانت تمسك المسدس ، وسقط المسدس على الأرض ، هجمت عليه وركلته ركلة قوية على معدته ، فأخذ يتألم ويئن بشدة ، وفجأة دوى صوت طلق ناري ، لقد أصابني الجابي من الخلف برصاصة في ظهري وتلتها واحدة ثانية ثم ثالثة . وسقطت صريعاً في أرض الباص وسط دهشة وذهول الركاب .
ولم أشعر إلا ويد الجابي تهزني قائلاً : يا أخ آخر موقف .... ألا تريد النزول ؟؟!!
ذعرت للوهلة الأولى وحمدت الله أن الأمر كان مجرد حلم لا أكثر .
تعليق