كان أحمد يجلس برفقة أصدقائه داخل كافتيريا (الأمل المشرق) وسط المدينة، رنّ هاتفه النقال، بــامتعاض ردّ:
- آاي يا أمي
- تعال يا أحمد أبوك عَيّان
- أنا شغال يا أمي، شوفي زول تاني
أحمد من أسرة متوسطة تخرج من الجامعة قبل خمس سنوات، كان كثير التذمر من وضعه المعيشي، كان يريد لطموحه القفز فوق المراحل، كلما وجد وظيفة تركها، معللاً ذلك لضعف راتبها الشهري، ورغم ذلك يحلم ويحلم بتغيير وضعه إلى الأفضل.. مرّة ثانية رنّ هاتفه، تلكأ قليلاً قبل أن يرد:
- ألو.. ولكن سريعاً ماتبدل امتعاضه إلى ابتسامة وابتعد قليلاً عن أصدقائه.
- ألو.. ندى
ندى الفتاة الثرية التي تزوجها واحد من أبناء طبقتها قبل ثلاث سنوات، لكنها لم تكن موفقة معه، كانا كثيراً مايتشاجران على كل صغيرة وكبيرة، وفي خلافهما الأخير أتفقا على أن يبتعدا عن بعضهما عدة أيام حتى يتوصلان إلى طريقة يضعان بها حداً لخلافاتهما المستمرة، كان أحمد يرى فيها خلاصه من الفقر، وهي ترى فيه خلاصها من زوجها.
قالت: أحمد زوجي داخل علي في الخط اقفل أنا برجع ليك
مباشرة أتصل زوجها: ألو.. ندى كيفك؟
ردّت: أنا منتظراك
بعزيمة أتخذت قرارها، أن تضع حداً نهائياً لمشاكلها مع زوجها هكذا قررت.
في موعده تماماً كان زوجها معها داخل الفيلا، لاحظ وجودها لوحدها كغير المألوف، لم يكترث لملاحظته كثيراً، ما شغل تفكيره إصرارها على أن ينتظرها داخل الغرفة المنزوية آخر الممر الداخلي للفيلا ريثما تعود.. رنّ هاتفه كان المتصل صديقه ضابط الشرطة الذي أخبره إنه اليوم مناوب، فأخبره بدوره إنه الآن في جلسة صلح ودية مع ندى.. دخلت عليه وهي مصوبة نحوه مسدسها كاتم الصوت، دون أن تتردد أطلقت عليه رصاصتين أردتاه قتيلاً ثم نزعت عنه خاتماً باهظ الثمن، وأخرجت من جيبه حزمة نقود وهاتفه النقال.. لم يكن شاقاً عليها قتله، شغل تفكيرها ضخامة جسده الملقى وسط الغرفة وعليها كيفية إخفاءه، سرعان ما واتتها فكرة أن تزحزح السرير وتجعله فوق الجثة، لم تفكر كثيراً إذ بدأت في تفكيك أطراف السرير، وإعادة تركيبها فوق الجسد الضخم.. ولم تنسى وهي خارجة من الغرفة أن تلقي عليها نظرة مراجعة.. ومن الهاتف الثابت الخاص بالفيلا أتصلت.
- ألو.. أحمد إنت وين؟
ردّ أحمد:
- أنا قريب
قبل أن تعرف أين هو بالضبط قالت:
- أنا عاوزه أشوّفك تعال هسه مامعاي زول
- حاضر
وفي طريقه إليها رنّ هاتفه، بــامتعاض لم يرد حتى أنتهت نغمة هاتفه، إنّه رقم والدته مرة أخرى أتصلت
ردّ مختصراً:
- آاي يا أمي
أحمد إنت وين؟
- أنا شغال يا أمي
لم تهتم لكلمة (شغال) لأنها تدرك أنّه يخدعها، أكملت قولها:
- تعال يا أحمد أبوك عَيّان
ردّ أحمد:
- برجع بعد ساعتين
كان إحساسها كـأم يخبرها بأنه لن يرجع مثلما قال لها. عندما اقترب من الفيلا أتصل بـ(ندى)
- ألو.. أنا قريب منك
أخبرته إنها تركت له الباب موارباً وعليه الدخول مباشرة. مايميز الفيلا فنائها الشاسع، وسورها العالي، ونباتات الزينة المتراصة في تناسق تام، وأشجار (اللاشوقة) العالية كأنها تتباهى بسموقها أعلى من الجدران.. كانت تنتظره وسط ممرات الحديقة، وفي نفسها أن تضع نهاية لعلاقتها به، اقتادته من يده وهو يتبعها مسلوب الإرادة، في آخر الممر عند باب الغرفة همست له:
- انتظرني على السرير، انتظرني على السرير
استلقى على السرير ونظره معلق على سقف الغرفة، كتعليق أحلامه الموعودة ،انتظاره لندى كالعاشق يمني نفسه بالحسناء في ليل مجونها..فَسّر تأخرها عنه بأنها تعد له شيئاً لأجل الضيافة، بينما هي تعد له شيئاً آخر! كانت تقف داخل محل إتصالات.
- ألو.. شرطة النجدة؟ أريد التبليغ عن جريمة قتل، سجل العنوان
أحمد يجول ببصره في أنحاء الغرفة، نظر إلى المرآة كأنه تخيل وجود رجل أسفل السرير، ومابين شخوص بصره لبرهة ومابين توهمه، نظر أسفل السرير ليتأكد من ذلك، نهض مذعوراً غير مصدقاً بأن أسفل السرير قتيل.. وبصوت عالٍ:
- ياندى، ندى، ياندى
باحثاً عنها في كل أرجاء الفيلا ركض الى الفناء الخارجي، والأبواب مغلقة من الخارج تناهى إلى مسامعه صافرة النجدة وهي تقترب من الفيلا، بمهارة تسلق على شجرة (اللاشوقة) وثمة طائر عليها. وصل رجال الشرطة وانتشروا داخل الفناء، وهو ينظر إلى الطائر كأنه يستجديه راجياً منه، أن لا يصدر صوتاً يلفت انتباه العسكري إليه.. فبدر إلى ذهنه ماذا لو أتصلت عليه والدته في هذه اللحظات؟ لنبه رنين هاتفه رجال الشرطة، لماذا أمه بالذات؟ ربما يتصل عليه أي واحد من أصدقائه أو ربما يتصل شخص ما عن طريق الخطأ.. وأمه هناك تدعو الله له، بأن يصلح من حاله ويهديه إلى الطريق القويم. دخلت ندى من الباب مستفسرة عن الذي حصل، كأنها جاءت للتو، ولدهشة الجميع أمر الضابط بالقبض عليها، موجهاً لها تهمة قتل صديقه، الذي أخبره قبل مقتله بقليل، إنّه معها في جلسة صلح ودية.
الخرطوم 15/12/2013
يحيى البحاري
- آاي يا أمي
- تعال يا أحمد أبوك عَيّان
- أنا شغال يا أمي، شوفي زول تاني
أحمد من أسرة متوسطة تخرج من الجامعة قبل خمس سنوات، كان كثير التذمر من وضعه المعيشي، كان يريد لطموحه القفز فوق المراحل، كلما وجد وظيفة تركها، معللاً ذلك لضعف راتبها الشهري، ورغم ذلك يحلم ويحلم بتغيير وضعه إلى الأفضل.. مرّة ثانية رنّ هاتفه، تلكأ قليلاً قبل أن يرد:
- ألو.. ولكن سريعاً ماتبدل امتعاضه إلى ابتسامة وابتعد قليلاً عن أصدقائه.
- ألو.. ندى
ندى الفتاة الثرية التي تزوجها واحد من أبناء طبقتها قبل ثلاث سنوات، لكنها لم تكن موفقة معه، كانا كثيراً مايتشاجران على كل صغيرة وكبيرة، وفي خلافهما الأخير أتفقا على أن يبتعدا عن بعضهما عدة أيام حتى يتوصلان إلى طريقة يضعان بها حداً لخلافاتهما المستمرة، كان أحمد يرى فيها خلاصه من الفقر، وهي ترى فيه خلاصها من زوجها.
قالت: أحمد زوجي داخل علي في الخط اقفل أنا برجع ليك
مباشرة أتصل زوجها: ألو.. ندى كيفك؟
ردّت: أنا منتظراك
بعزيمة أتخذت قرارها، أن تضع حداً نهائياً لمشاكلها مع زوجها هكذا قررت.
في موعده تماماً كان زوجها معها داخل الفيلا، لاحظ وجودها لوحدها كغير المألوف، لم يكترث لملاحظته كثيراً، ما شغل تفكيره إصرارها على أن ينتظرها داخل الغرفة المنزوية آخر الممر الداخلي للفيلا ريثما تعود.. رنّ هاتفه كان المتصل صديقه ضابط الشرطة الذي أخبره إنه اليوم مناوب، فأخبره بدوره إنه الآن في جلسة صلح ودية مع ندى.. دخلت عليه وهي مصوبة نحوه مسدسها كاتم الصوت، دون أن تتردد أطلقت عليه رصاصتين أردتاه قتيلاً ثم نزعت عنه خاتماً باهظ الثمن، وأخرجت من جيبه حزمة نقود وهاتفه النقال.. لم يكن شاقاً عليها قتله، شغل تفكيرها ضخامة جسده الملقى وسط الغرفة وعليها كيفية إخفاءه، سرعان ما واتتها فكرة أن تزحزح السرير وتجعله فوق الجثة، لم تفكر كثيراً إذ بدأت في تفكيك أطراف السرير، وإعادة تركيبها فوق الجسد الضخم.. ولم تنسى وهي خارجة من الغرفة أن تلقي عليها نظرة مراجعة.. ومن الهاتف الثابت الخاص بالفيلا أتصلت.
- ألو.. أحمد إنت وين؟
ردّ أحمد:
- أنا قريب
قبل أن تعرف أين هو بالضبط قالت:
- أنا عاوزه أشوّفك تعال هسه مامعاي زول
- حاضر
وفي طريقه إليها رنّ هاتفه، بــامتعاض لم يرد حتى أنتهت نغمة هاتفه، إنّه رقم والدته مرة أخرى أتصلت
ردّ مختصراً:
- آاي يا أمي
أحمد إنت وين؟
- أنا شغال يا أمي
لم تهتم لكلمة (شغال) لأنها تدرك أنّه يخدعها، أكملت قولها:
- تعال يا أحمد أبوك عَيّان
ردّ أحمد:
- برجع بعد ساعتين
كان إحساسها كـأم يخبرها بأنه لن يرجع مثلما قال لها. عندما اقترب من الفيلا أتصل بـ(ندى)
- ألو.. أنا قريب منك
أخبرته إنها تركت له الباب موارباً وعليه الدخول مباشرة. مايميز الفيلا فنائها الشاسع، وسورها العالي، ونباتات الزينة المتراصة في تناسق تام، وأشجار (اللاشوقة) العالية كأنها تتباهى بسموقها أعلى من الجدران.. كانت تنتظره وسط ممرات الحديقة، وفي نفسها أن تضع نهاية لعلاقتها به، اقتادته من يده وهو يتبعها مسلوب الإرادة، في آخر الممر عند باب الغرفة همست له:
- انتظرني على السرير، انتظرني على السرير
استلقى على السرير ونظره معلق على سقف الغرفة، كتعليق أحلامه الموعودة ،انتظاره لندى كالعاشق يمني نفسه بالحسناء في ليل مجونها..فَسّر تأخرها عنه بأنها تعد له شيئاً لأجل الضيافة، بينما هي تعد له شيئاً آخر! كانت تقف داخل محل إتصالات.
- ألو.. شرطة النجدة؟ أريد التبليغ عن جريمة قتل، سجل العنوان
أحمد يجول ببصره في أنحاء الغرفة، نظر إلى المرآة كأنه تخيل وجود رجل أسفل السرير، ومابين شخوص بصره لبرهة ومابين توهمه، نظر أسفل السرير ليتأكد من ذلك، نهض مذعوراً غير مصدقاً بأن أسفل السرير قتيل.. وبصوت عالٍ:
- ياندى، ندى، ياندى
باحثاً عنها في كل أرجاء الفيلا ركض الى الفناء الخارجي، والأبواب مغلقة من الخارج تناهى إلى مسامعه صافرة النجدة وهي تقترب من الفيلا، بمهارة تسلق على شجرة (اللاشوقة) وثمة طائر عليها. وصل رجال الشرطة وانتشروا داخل الفناء، وهو ينظر إلى الطائر كأنه يستجديه راجياً منه، أن لا يصدر صوتاً يلفت انتباه العسكري إليه.. فبدر إلى ذهنه ماذا لو أتصلت عليه والدته في هذه اللحظات؟ لنبه رنين هاتفه رجال الشرطة، لماذا أمه بالذات؟ ربما يتصل عليه أي واحد من أصدقائه أو ربما يتصل شخص ما عن طريق الخطأ.. وأمه هناك تدعو الله له، بأن يصلح من حاله ويهديه إلى الطريق القويم. دخلت ندى من الباب مستفسرة عن الذي حصل، كأنها جاءت للتو، ولدهشة الجميع أمر الضابط بالقبض عليها، موجهاً لها تهمة قتل صديقه، الذي أخبره قبل مقتله بقليل، إنّه معها في جلسة صلح ودية.
الخرطوم 15/12/2013
يحيى البحاري
تعليق