الدغباجي حكاية وقصّة بل أكثر من ذلك هو أسطورة و ملحمة من تاريخ تونس ، هو فخر للذاكرة الشعبية موثقة في المجتمع جيلا بعد جيل لأنّه جعل الجميع يشيدون بخصاله الفريدة و رباطة جأشه بشجاعته و كرمه و بساطته وابداعه في الشعر الملحمي ..
كان رائدا في شعر المعارك أو كيف ما هو دارج عند الشعراء شعر الخطاري(ج خطرة) أو الملاطم (ج ملطم) و معناها المواجهة من الأغراض التي أخذت مكانة في فترة المقاومة للاحتلال الفرنسي و تواصلت مع الحركة الوطنية باستمرار حتى أوائل الخمسينات.
و تبقى القصيدة اللي تصف ملطم مخزن مطماطة من أرقى ما يقال مما جعلها تسري على الألسن وتلتحم بالذاكرة الجماعية وقبل أن نتعرّف على حياته سنقرأ هذه الأبيات :
جاو خمسة يقصّوا في الجرّة*** وملك الموت يراجي
و لحقوا مولى العركة المرّة*** المشهور الدغباجي
***
فزعوا خمسة بربايعهم*** تايجيبوا الفلاَّقَة
مخزن مطماطة ينجِّيهم*** لثرنهم بنداقة
الكيلاني يتحلَّف فيهم*** بحلالة و طلاقه
الدَّالة الفلاَّقة نمحيهم*** في واسع رقراقة
ضربوا الخمسة وحبوا إيديهم*** زفُّوا زفْ تلاقى
كذب الوسعة يقصر بيهم*** زي هدير الناقة
تاو ان يتلاقوا يقضيهم*** بوسربة شلهاقة
زي الذيب يمزِّل فيهم*** ويلالي ويهاجي
كان التل يخبَّر بيهم*** وجواب البسطاجي.
***
فزعوا حمسة فوق حصُنَّة*** من مخزن مطماطة
وقالوا هاهي الجرة منا*** وجَوا في اوّل شوَّاطة
الدَّغباجي قاعد يستنّى*** طاح لهم وتواطى
فيده ستوتي يلدغ سِمَّه*** دار فيهم شاماطة
صُبْعَه والقرَّاص يلمَّه*** يعجل ما يتناطى
واللي ينُوشَه يا ويل أمَّه*** فاح قتار اشياطه
يجي مرمي مصبوغ بدمَّه*** سِمْ منحَّس لاطه
مسَرْجِي بيت النار بضمَّه*** وشُغْل الحربي ساجي
ومولاها كبير آصل وهمة*** وعنده الكيف مقاجي
***
نهار الخمسة لحقوا خمسة*** و للهم حامي ربِّي
صباح إلْ ما زرقتشي شمسه*** اللي يقتُل ما يدِّي
يا لاحق مكناتك همشة*** ظنِّي فيك مغدِّي
اللي يصبح منكُمْ ما يمْسَى*** الدغباجي متنبي
سرجاها بستوتي نَمْشَه*** لقداهم متفاجي
معاها يتكلم بالرَّمْشَة*** ويحكم بالكِفاجي
***
جو خمسة يقصُّوا في الجرة*** و ملك الموت معاهم
راميهم شيطان بشرَّه*** على تبزيع دماهم
قِرْحوا يحسابوها غِرَّه*** يتبشروا بملقاهم
وقت ان شبح العين تعرَّى*** تَكـُّوا الخيل قداهم
والدغباجي فيده حُرَّة*** يسربيلهم في عشاهم
سرجاها وخرجت عل برَّة*** في المِلهاد اخذاهم
دوَّفْهم كيسان المُرة*** موش من القهواجي
الخمسة درجحهُمْ في مرة*** لا من روَّح ناجي.
جو خمسة يقصوا في الجرة*** وملك الموت يراجي
و لحقوا مولى العركة المرة*** المشهور الدغباجي
ملامح من حياة الدّغباجي:وُلد محمد بن صالح الدغباجي سنة 1885 بوادي الزيتون الواقع على مسافة 30 كم من بلدة الحامة ينتمي لعرش الخرجة أحد الفروع المكوّنة لقبيلة بني زيد. نشأ الدغباجي في وسط بدوي فتمرّس بمصاعب الحياة. وتعوّد ما تقتضيه البداوة من شظف عيش وتجلّد واحتمال للمكاره.
وقع تجنيده سنة 1907 فقضى بالجندية الاستعمارية ثلاث سنوات عاد إثرها الى موطنه حيث تزوّج زواجه الاول وعاد للجندية متطوّعا بعد خروجه منها بثلاثة أعوام أي سنة 1913 .
وعند اندلاع الحرب العالمية الاولى سنة 1914 ثارت قبيلتا أولاد دبّاب وأولاد إشهيدة بالجنوب التونسي وأصبحت منطقة أقصى الجنوب منطقة توتّر، لذلك نجد في سبتمبر 1915 محمد الدغباجي ضمن الجيوش الفرنسية المعزّزة لتواجدها على الحدود التونسية المتاخمة للتراب الليبي. ويبدو أن محمد الدغباجي قد شعر بالخزي والعار وهو يحمل بندقية ويقاتل تحت راية فرنسا ويواجه بني قومه من قبائل أولاد إشهيدة وأولاد دبّاب المنضوين تحت قيادة خليفة بن عسكر النالوتي ففرّ من الجندية الفرنسية والتحق كإخوته من قبائل الجنوب بقيادة البطل الليبي، فجعله خليفة بن عسكر أحد أعضاده وبقي يقاتل معه في وقائع ضد الاستعمار الايطالي حينا وضد الاستعمار الفرنسي حينا آخر.
وحين أبرم الصلح بين ايطاليا والثوّار الليبيين سنة 1919 ودخلت الثورة الليبية مرحلة هدنة. تحتّم على محمد الدغباجي أن يعود الى موطنه منطقة بني زيد ليواصل كفاحه ضد المستعمر الفرنسي. فخاض عدة معارك أهمّها:
معركة جبل بوهدمة:
سنة 1919 شاركه فيها البطل البشير بن سديرة. ونتج عن وقائعها جرحى وقتلى من الجانبين.
معركة خنقة عيشة:
على الطريق الرابطة بين قابس وقفصة وقد رافقه في هذه المعركة ايضا البشير بن سديرة سنة 1919 وقد قتل في هذه المعركة عدد من الجنود الفرنسيين وغنم ثوار الدغباجي أسلحة القتلى دون أن يلحقهم أي ضرر.
معركة الزلّوزة:
دارت هذه المعركة بين الدغباجي وأحد رجال الديوانة الفرنسيين يُدعى بولو «Polo» ومعه ثلاثة من أعوانه وذلك يوم غرة جانفي 1920 .
ولئن كان «بولو» يروم التشفّي من الدغباجي ويتوعّده، فإن بطل بني زيد اغتنم هذه المواجهة ليخلّص عشيرته من ظلم وتجبّر «بولو» فقتله وثلاثة من أعوانه.
معركة المغذية:
بعد معركة (الزلّوزة )شعرت السلط الاستعمارية باستفحال خطورة الدغباجي الذي ذاع صيته وانتشرت شهرته فعزمت على الخلاص منه وجنّدت لذلك مئات بين جند ومدنيين منهم من ينتمي لعشيرة الدغباجي. فأجبرتهم على ملاحقته وحصاره وذلك يوم 6 أفريل 1920 .
وبعد مواجهة قتل خلالها ثلاثة من أعوان فرنسا وجرح فيها كثيرون، أكره محمد الدغباجي ومن معه من رفاقه على الاستسلام نظرا لنفاد ذخيرتهم الحربية. إلا أن أهالي بني زيد من المجندين أبوا ان يسلّموا ابنهم للمستعمر فانتهزوا الفرصة السانحة لتهريبه وفسحوا له مجال الفرار متحمّلين في سبيل ذلك التتبعات العدلية ونقمة المستعمر وهذا ما كان مع الشيخ الناعس الشرياق الذي عرض على المحكمة العسكرية التي حكمت عليه بخمس سنوات سجنا توفي خلالها في السجن يوم 27 فيفري 1923 .
لكن للاسف قبض عليه في ليبيا في ماي 1922 وسلم إلى المستعمر الفرنسي ليحكم عليه بالاعدام.
وفي غرّة مارس 1924 اقتيد إلى ساحة سوق البلدة حيث أعدم. رفض العصابة، التي تقدم بها نحوه ضابط فرنسي ليضعها على عينيه، ويروى أن زوجة أبيه زغردت لهذا المشهد، وهتفت عاليا، وأنه أجابها وهو يبتسم "لا تخشي علي يا أمي فإني لا أخاف رصاص الأعداء، ولا أجزع من الموت في سبيل عزّة وطني ..الله أكبر ولله الحمد
تعليق