حتى إشعار آخر
لا. ليس حلما
هذه المرّة أنا لا احلم...أنا في أشد حالات اليقظة..كل شيء حولي يتحرك..عقارب الساعة تدور حول محورها، كما تدور الأرض حول محورها...الأولاد يدورون في الغرفة حول طفولتهم، الهاتف يرن ويرن كأنه يشاكسني، ويقطع حبل هدوئي، التلفزيون يزدحم بالحركة، وبالمطربين الذين يشعلون أعصابي،خاصة ذاك الشاب الصغير الهاوي، الذي لا اعرف اسمه، يبكيني وهو يغني
" دار يا دار يا دار
يا دار قوليلي يا دار
راحوا فين حبايب الدار
فين فين قولي يا دار..."
ويدور شريط حياتي، ويدور معه التاريخ والأيام البعيدة، ويتحرك مع الشريط كل أولئك الذين تفتقدهم دورهم، ويعيشون في المخيمات أو في العراء أو الشتات أو ما يحمله شريط الأسماء المتحرك من مسميات...تسبح عيناي في مداريهما ببحر من الدموع ، مداران غيّرت معالمهما عوامل السنين، فتعمقا واتسعا فجحظت واحتجت العينان على الطبيعة ... وأنا اهرب من وحدتي ومن ضجيج أعصابي وفوضى حواسي إلى الحاسوب ..أداري عيوني عن عيون الصغار، حتى أحافظ على بقايا هيبة تآكلت مع الأيام، وكي لا أبدو ضعيفا في عيونهم التي تراني جَدَّاً قويا يتحدى الزمن المسعور بغطرسته ونفاقه وانحرافاته، الزمن الذي يتجاهلني ولا يعترف بي اعترافه بتزوير التاريخ والجغرافيا من حولي!
أهرب من قَدرٍ إلى قدر فيفاجئني الحاسوب بإشعار عن اقتحام رسالة إلى بريدي الداخل، تضيء كإشارة المرور الخضراء، كأنها تستعجلني لفتح مغارة علي بابا، أستجيب لها، ألقي كلمة السر، أطرق الباب، تُفتح البوابة على اتساعها، فيستقبلني عطر النساء، وأنوثة المرأة وصوت الكلمات:
" بصراحة استااااذ!!!! .. عفوا عفوا
انا الان عم بحبش عليك في المواقع
وهيني القيت القبض عليك وفي موقع ... وانت تتسلم ..."
بشيء من الخوف والرعب هرعت إلى الشباك أفتش عن العسكر القادمين لاعتقالي!!
أخاف الاعتقال، خاصة إذا كان إداريا، بدون تهمة، لأنه عادة ينتهي بحبس بدون نهاية، ويظل لمدة مفتوحة، بعكس الحبس على تهمة جنائية كالقتل أو السرقة أو السطو
وبما أنني لم اقتل أحدا أو اسرق أحدا أو أسطو على احد، خفت من الدخول في كابوس جديد، خفت من الخوف القادم الذي قد ينتهي بتهمة أمنية حبسها لا ينتهي، وعندما لم أر أحدا من الشباك، عدت إلى الرسالة استكمل قراءتها
أحسست بكل المعاني الجميلة في الرسالة، وأن كلماتها تنبع من قلب نقي صاف وليس غريبا ولا بعيدا جغرافيا أو زمنيا، في كلماتها حنان الأم والأخت والحبيبة والصديقة!!
أحسست كأني أعرف صاحبة الرسالة من سنين، قبل أن أولد، أنا أو الرسالة!
بدأت استدرجها، علني اعرفها لكنها طمأنتني، هي لا تعرفني وأنا لا أعرفها، ولم نتقابل، وأنها من هنا وهي هناك، وتحب هنا من هناك أيضا، وحدثتني عن عمرها الزمني وعن أولادها الأربعة وهي تحبهم وتحب زوجها لأنه عظيم، وحدثتني عن مسيرة حياتها المليئة بالحزن والفرح، ومحطات العذاب التي حاصرتها أكثر من مرّة!
قلت لها أن تُجدّ في عملية البحش كما يحلو لها، لأنها سوف لن تجد شيئا في مغارة علي بابا، بعد أن سطا عليها الزمن، ولم يترك بها سوى عويل الفراغ الذي لا يستحق بحشها، وأنني على باب الله، وقلت لها وأنا أشاكسها بعد أن أيقنتُ من خلال مرحها المطل من وراء كلماتها، أنها تمتاز بحسّ المشاكسة، أنني طفل في العقد السابع من عمره من المليونيةالأولى، وأنني مصمم على دخول الألفية الثالثة بعزيمة المؤمن أن يوما فوق الأرض أفضل من ألف يوم تحت الأرض.
تفاءلت بمشاكساتها وطلبت المزيد شريطة أن تطلق سراحي بعد أن ألقت القبض علي بتهمة الّا تهمة، وقبل أن تلقي بي الريح بالمغارة المعتمة، ليلفني ظلامها وأنا أخاف الظلام، ومن يعملون في الظلام.
فوعدتْ أنه لا بد أن أبقى طليقا، في حالة المقبوض عليه، حتى إشعار خر!!!!!
عزيزي القارئ يكفيني شرف قراءتك للقصة
لا. ليس حلما
هذه المرّة أنا لا احلم...أنا في أشد حالات اليقظة..كل شيء حولي يتحرك..عقارب الساعة تدور حول محورها، كما تدور الأرض حول محورها...الأولاد يدورون في الغرفة حول طفولتهم، الهاتف يرن ويرن كأنه يشاكسني، ويقطع حبل هدوئي، التلفزيون يزدحم بالحركة، وبالمطربين الذين يشعلون أعصابي،خاصة ذاك الشاب الصغير الهاوي، الذي لا اعرف اسمه، يبكيني وهو يغني
" دار يا دار يا دار
يا دار قوليلي يا دار
راحوا فين حبايب الدار
فين فين قولي يا دار..."
ويدور شريط حياتي، ويدور معه التاريخ والأيام البعيدة، ويتحرك مع الشريط كل أولئك الذين تفتقدهم دورهم، ويعيشون في المخيمات أو في العراء أو الشتات أو ما يحمله شريط الأسماء المتحرك من مسميات...تسبح عيناي في مداريهما ببحر من الدموع ، مداران غيّرت معالمهما عوامل السنين، فتعمقا واتسعا فجحظت واحتجت العينان على الطبيعة ... وأنا اهرب من وحدتي ومن ضجيج أعصابي وفوضى حواسي إلى الحاسوب ..أداري عيوني عن عيون الصغار، حتى أحافظ على بقايا هيبة تآكلت مع الأيام، وكي لا أبدو ضعيفا في عيونهم التي تراني جَدَّاً قويا يتحدى الزمن المسعور بغطرسته ونفاقه وانحرافاته، الزمن الذي يتجاهلني ولا يعترف بي اعترافه بتزوير التاريخ والجغرافيا من حولي!
أهرب من قَدرٍ إلى قدر فيفاجئني الحاسوب بإشعار عن اقتحام رسالة إلى بريدي الداخل، تضيء كإشارة المرور الخضراء، كأنها تستعجلني لفتح مغارة علي بابا، أستجيب لها، ألقي كلمة السر، أطرق الباب، تُفتح البوابة على اتساعها، فيستقبلني عطر النساء، وأنوثة المرأة وصوت الكلمات:
" بصراحة استااااذ!!!! .. عفوا عفوا
انا الان عم بحبش عليك في المواقع
وهيني القيت القبض عليك وفي موقع ... وانت تتسلم ..."
بشيء من الخوف والرعب هرعت إلى الشباك أفتش عن العسكر القادمين لاعتقالي!!
أخاف الاعتقال، خاصة إذا كان إداريا، بدون تهمة، لأنه عادة ينتهي بحبس بدون نهاية، ويظل لمدة مفتوحة، بعكس الحبس على تهمة جنائية كالقتل أو السرقة أو السطو
وبما أنني لم اقتل أحدا أو اسرق أحدا أو أسطو على احد، خفت من الدخول في كابوس جديد، خفت من الخوف القادم الذي قد ينتهي بتهمة أمنية حبسها لا ينتهي، وعندما لم أر أحدا من الشباك، عدت إلى الرسالة استكمل قراءتها
أحسست بكل المعاني الجميلة في الرسالة، وأن كلماتها تنبع من قلب نقي صاف وليس غريبا ولا بعيدا جغرافيا أو زمنيا، في كلماتها حنان الأم والأخت والحبيبة والصديقة!!
أحسست كأني أعرف صاحبة الرسالة من سنين، قبل أن أولد، أنا أو الرسالة!
بدأت استدرجها، علني اعرفها لكنها طمأنتني، هي لا تعرفني وأنا لا أعرفها، ولم نتقابل، وأنها من هنا وهي هناك، وتحب هنا من هناك أيضا، وحدثتني عن عمرها الزمني وعن أولادها الأربعة وهي تحبهم وتحب زوجها لأنه عظيم، وحدثتني عن مسيرة حياتها المليئة بالحزن والفرح، ومحطات العذاب التي حاصرتها أكثر من مرّة!
قلت لها أن تُجدّ في عملية البحش كما يحلو لها، لأنها سوف لن تجد شيئا في مغارة علي بابا، بعد أن سطا عليها الزمن، ولم يترك بها سوى عويل الفراغ الذي لا يستحق بحشها، وأنني على باب الله، وقلت لها وأنا أشاكسها بعد أن أيقنتُ من خلال مرحها المطل من وراء كلماتها، أنها تمتاز بحسّ المشاكسة، أنني طفل في العقد السابع من عمره من المليونيةالأولى، وأنني مصمم على دخول الألفية الثالثة بعزيمة المؤمن أن يوما فوق الأرض أفضل من ألف يوم تحت الأرض.
تفاءلت بمشاكساتها وطلبت المزيد شريطة أن تطلق سراحي بعد أن ألقت القبض علي بتهمة الّا تهمة، وقبل أن تلقي بي الريح بالمغارة المعتمة، ليلفني ظلامها وأنا أخاف الظلام، ومن يعملون في الظلام.
فوعدتْ أنه لا بد أن أبقى طليقا، في حالة المقبوض عليه، حتى إشعار خر!!!!!
تعليق