تكريم
غادر منزله ظهرا في تمام تأنقه ، قاصدا مسرح البلدية. ملبيا دعوة شرف تلقاها منذ أسبوعين لحضور حفل اختتام مهرجان المدينة السنوي.أبعده دفء الجو و رغبة عارمة في المشي عن مقود سيارته ، فاستسلم لهما ، وأسلم خطواته إلى منحدر الشارع ، وناظريه إلى مشاهد الجمال في المدينة التي تزينت بأبهى ما تستطيع لاستقبال ضيوف من الداخل والخارج.
منتشي الخطى سار يتأمل حركية الأمكنة ، لا يعكر صفوه سوى إحساسه بالحرج وهو يسير إلى الحفل صفر اليدين ، بعد أن شغله ضغط العمل في الآونة الأخيرة عن إعداد هدية تليق بمكانته الأدبية كشاعر مرموق . و دون أن ينتبه أو يخطط لذلك وجد نفسه يدخل الحديقة الوحيدة الممتدة على جزء من طول الشارع الوحيد بالمدينة.
لا زالت تقاوم زحف العمارات وسطوة ظلها البارد. اعتاد أن يعرج عليها قافلا من مكتبه ، حتى استحالت عنده طقسا يوميا. يستعيض بها عن ثرثرة المقاهي ودخان السجائر، وينفض عليها ما علق بذهنه من غبار التعب ومشاكل الزبناء. بدورها كانت غاصة بالزوار على غير عادتها في هذا الوقت من اليوم.
قاصدا مكانه المعتاد في الجهة البعيدة عن الشارع ، وقع نظره عليها . كانت قد اتخذت لنفسها مكانا قصيا عن باقي رفيقاتها. توقف لحظة . تهلل وجهه . أعاد شريط خطواته إلى الوراء ليجعلها في بؤرة الرؤية. أرجع البصر كرة ثم غير خط سيره نحوها مستجيبا لرسائل عطر تأتيه على غير استحياء ، فتدغدغ خياله قبل أنفه . رأى شابا يسير في اتجاهها. خيل إليه أنه يسعى إليها ، فسابقه في خطوات رشيقة خفيفة لا تفضح تعجله.
على مقعد مقابل لها ، أراح جسده وراح يتأمل بعين شرهة جمالها الفاضح وقوامها الناضح بالحياة. أحس أنه لا يزال ثمة فائض من الحسن والعطر تحجبه نظارته والمسافة الفاصلة بينهما ، فتخلى عن مقعده الخشبي المتصلب ، رمى وراءه النظارة والخطوات ، ليتخذ له جلسة إلى جانبها على بساط الخضرة الندي. غير عابئ بنظرات المتنزهين المستغربة . ولا ملتفت لتحية "با عمر" البستاني ، الذي صادف المشهدَ مرورُه. أما هي فلم تبد أي تحرج أو انزعاج . لم تنبس بكلمة ولم ترم بسهم نظرة. بل استمرت ساكنة في وقارها ، مستعيضة عن الكلمات والنظرات بلغة العطر.
ما لبث إلا قليلا من التأمل حتى أخرج من محفظته الرزينة ورقة وقلما وبدأ برسم تفاصيل جمالها ، وانحناءات قوامها ، والمشهد الخلفي الذي زادها بهاء. وكما الرسام الماهر يفعل، كان في كل مرة يغير زاوية الرؤية ليأتي الرسم متكامل الأبعاد. ومع كل زاوية جديدة ، كانت القصيدة تنبعث من آخر بيت أعذب وأطرب.
استفاق من غيبوبته الابداعية على آذان العصر الذي ذكره بدنو موعد الحفل . استجمع العزم على المضي . شيء ما يشده إليها . لم يجد بدا من قرار اصطحابها معه. لم تبد أي موافقة ولم تعترض ، بل طاوعت كفه الممدودة إليها وغادرت سكينتها في هدوء.
عند مدخل المسرح ، لا تزال معالم أناقته ناطقة . أما هي فقد أخذ منها التعب مأخذه رغم قصر المسافة. فلم تتعود على المشي ولم يسبق أن غادرت مقامها. تهدل قوامها ، تبخر بريقها ، وشحبت حمرتها فطأطأت رأسها خجلا من بريق المدعوات وأناقتهن.
عند المدخل الشرفي لقاعة الاحتفال ، أسلمها بهدوء إلى سلة مهملات أنيقة، لتتفرغ يده لمصافحة المستقبلين.
تعليق